تحليل: الشدائد في شمال مالي

بمجرد تعافيهم من الاحتلال الإسلامي الشرس لمناطقهم، يواجه سكان شمال مالي المزيد من الدمار عقب الاشتباكات التي وقعت مؤخراً بين المتمردين الانفصاليين والقوات الحكومية. وقد زادت أحداث العنف من انعدام الأمن وأدت إلى اختناق وتعثر عملية تقديم المساعدات الصعبة أصلاً، مما أدى إلى تفاقم الجوع.

وقد وقعت أجزاء من شمال مالي مرة أخرى في أيدي ثلاث جماعات انفصالية متمردة منذ الاشتباكات التي وقعت في مايو بشمال منطقة كيدال. ونتيجة لذلك، اضطر أكثر من 18,000 شخص لترك منازلهم. كما كان للقتال والأثر المتبقي لأزمة الغذاء التي حدثت في 2012-2013 وقع شديد على الناس، مما حد من إمكانية حصولهم على الغذاء ومن توافر سبل المعيشة للفئات الأكثر ضعفاً.

وعلى صعيد آخر، أدت التوترات بين المجتمعات، وانعدام الأمن المتواصل، والشائعات والمخاوف من العنف إلى حدوث عمليات نزوح جديدة.

وقالت إيرين وير، مستشار الحماية والمناصرة لدى المجلس النرويجي للاجئين أن "أحداث القتال الأخيرة أدت إلى تراجع الوضع الإنساني مرة أخرى وتفاقم الأزمة. وأضافت أن "الخدمات في الشمال لا تزال مقيدة والوصول إلى الرعاية الصحية والتعليم والأسواق ما يزال محدوداً، ناهيك عن انعدام الأمن الغذائي الذي تأثر بعملية النزوح الأخيرة."

وأوضحت وير أن "هناك القليل جداً من المساعدة التي يمكن تقديمها إلى الناس الذين يكافحون من أجل إعادة بناء منازلهم وحياتهم بعد سنوات من الصراع. غير أن الأزمات في أماكن أخرى تطغى على الوضع المزري في الشمال، ولذلك بدأت مالي في التحول إلى أزمة منسية".

من جهة أخرى، قال سلامتو با من مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) في منطقة غاو الشمالية بمالي: "هناك عجز ضخم بين ما هو مطلوب وما نحن قادرون على تقديمه. ندرك أن الوضع سيزداد سوءاً ونود أن نفعل أكثر من ذلك، ولكن المال ببساطة غير متوفر."

تقلص المساعدات

وقد أوقفت اللجنة الدولية للصليب الأحمر توزيع المواد الغذائية خارج البلدات الشمالية غاو وكيدال وتمبكتو في أعقاب هجوم على موظفيها في وقت سابق من هذا العام.

وقالت فاليري موباه نانا التي تعمل لدى اللجنة في باماكو: "بعد تعرض ثلاثة من موظفينا للهجوم والاختطاف في مايو، علقنا جميع العمليات التي تتم خارج المدن الكبرى ... ومنذ ذلك الحين، قمنا بالتوسع ببطء في نطاق عملياتنا للوصول إلى مستوى ما قبل الهجوم."

ويحتاج نحو 1.9 مليون شخص الآن، أو ما يعادل 11 بالمائة من السكان، إلى مساعدات غذائية – وهو ارتفاع من 1.3 مليون في بداية عام 2014، وفقاً لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا).

وقد أدى انعدام الأمن والهجمات على عمال الإغاثة وشاحنات الغذاء إلى تعطيل عمليات توزيع الأغذية التي يقوم بها برنامج الأغذية العالمي. بالإضافة إلى ذلك، حصلت عمليات البرنامج في مالي على ثلث التمويل المطلوب فقط.

التوترات داخل المجتمعات والمخاوف من الانتقام تعني أن الناس لا يشعرون بالأمان للعودة إلى ديارهم. إنه التحول المستمر في السلطة - إذ تتبع منطقة ما يوماً للمتمردين وفي يوم آخر تعود مرة أخرى تحت سيطرة الحكومة

وقال إيمانويل بيجينمانا، منسق الطوارئ لدى برنامج الأغذية العالمي في مالي: "لقد تم تعليق عملية توزيع الأغذية المعتادة لمدة أسبوع تقريباً [بعد اشتباكات مايو] ثم استؤنفت تدريجياً مع تحسن الأوضاع الأمنية. مع ذلك، دفعت الحادثة 18,000 شخص خارج منازلهم، مما زاد من الاحتياجات الإنسانية."

وقد اضطر هاهودو حج كواسين، عمدة منطقة نتيلت التي تقع بالقرب من غاو، إلى الفرار عندما سيطر رجال مسلحون يدعون أنهم أعضاء في الحركة الوطنية لتحرير أزواد الانفصالية على البلدة. وقد وصف المسلحين بأنهم "لصوص وقطاع طرق" عازمون على إثارة الخوف.

وأضاف في حديث مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "إنهم منتشرون في جميع أنحاء البلدة. يتحمل بعضهم مسؤولية نهب المتاجر وبيوت الناس في غاو خلال فترة سيطرة المتمردين عليها. وخلال فترة الاحتلال، هربوا إلى مخيمات اللاجئين في بوركينا فاسو، والآن عادوا مرة أخرى."

ومنذ دخول المسلحين منطقة نتيلت، أوقفت المنظمات غير الحكومية نشاطها هناك.

المزيد من المحتاجين

ووفقاً لتقرير تقييم الأمن الغذائي الصادر في مارس، يعاني 945,284 شخصاً حالياً من انعدام الأمن الغذائي في شمال مالي. ويشمل هذا العدد 257,859 في المرحلة الرابعة أو مرحلة الطوارئ، و 687,425 شخصاً في المرحلة الثالثة، وهي مرحلة الأزمة. ويشمل المسح مناطق غاو وكيدال وتمبكتو وأربع مناطق في موبتي حيث تقيم مجموعات كبيرة من النازحين.

وفي حين أن النازحين من شمال مالي بدؤوا يعودون تدريجياً منذ الإطاحة بالمتمردين الإسلاميين في أوائل 2013 بعد احتلال دام تسعة أشهر، إلا أن الكثيرين منهم ما زالوا قلقين بشأن سلامتهم، مما دفع بعضهم إلى الفرار مرة أخرى.

وقالت وير أن "التوترات داخل المجتمعات والمخاوف من الانتقام تعني أن الناس لا يشعرون بالأمان للعودة إلى ديارهم. إنه التحول المستمر في السلطة - إذ تتبع منطقة ما يوماً للمتمردين وفي يوم آخر تعود مرة أخرى تحت سيطرة الحكومة – مما يعني أن الناس قد يشعرون بالأمان دقيقة واحدة، وفي الدقيقة التالية يشعرون أن عليهم الفرار مرة أخرى."

وقد دفعت الاشتباكات بين الفصائل المتمردة أيضاً لهرب الناس من منازلهم حيث فر الحسيني ديكو وعائلته من الاشتباكات بين المتمردين ليستقر في العراء على طول شواطئ نهر النيجر بالقرب من غاو حيث البقاء على قيد الحياة يتطلب الخوض في صراع يومي.


من جهتها، قالت حليمة ديكو، زوجة الحسيني: "إنها ليست أرضنا. ليس لدينا الحق في الزراعة هنا. حتى وإن كان هناك أسماك في النهر، لا يمكننا صيدها لأنها ملك لأهل القرية."

صعوبة البقاء

وفي بباندياغارا، وهو حي في منطقة موبتي وسط البلاد ويعد من بين الأحياء الأكثر تضرراً من ندرة الغذاء، اضطر الناس إلى خفض وجبات الطعام وبيع بعض حاجياتهم من أجل البقاء على قيد الحياة. وفي العام الماضي، لم تهطل الأمطار في العديد من المناطق في جميع أنحاء مالي. ويذكر أن الأمطار تهطل عادة بغزارة ما بين يونيو وسبتمبر ولكنها هطلت في وقت متأخر في باندياجارا وانتهت في وقت مبكر أيضاً.

وقالت فطومة مايغا، التي تعمل مع منظمة أوكسفام في غاو: "لقد بدأ الناس بالفعل مغادرة بباندياغارا، والبحث عن العمل في البلدات وداخل المزارع في المناطق المجاورة". وأضافت أن "بعض الأسر بدأت ببيع مواشيها بأسعار منخفضة للتمكن من البقاء على قيد الحياة. كما خفضت معظم الأسر استهلاكها من المواد الغذائية حيث تستهلك غالبية الأسر الآن وجبة واحدة فقط في اليوم بدلاً من ثلاث وجبات."

وقال واناهير حج الوالي الذي يعمل لدى الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية في غاو أنه لا يوجد لدى الرعاة ما يكفي من المياه لحيواناتهم. وأضاف أنه "في ظل اضطرارهم بالفعل إلى ذبح بعض حيواناتهم لإطعام عائلاتهم العام الماضي، لم يعد لدى الرعاة الآن خيار سوى بيعها بأسعار منخفضة للغاية".

بدوره، قال ألجايتك حج أواها، وهو زعيم محلي في نيتلت لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، أن العديد من الرعاة خائفون جداً من هجمات قطاع الطرق ولذلك لا يخاطرون بالابتعاد أكثر من بضعة كيلومترات عن قراهم. ونتيجة لذلك، يتمركز الرعاة في منطقة صغيرة، حيث تستنزف المراعي بوتيرة سريعة.

وأضاف أن "أراضي الرعي أصبحت نادرة" وأن "الرعاة يضطرون أحياناً للعبور إلى مناطق تنتمي إلى رعاة آخرين، مما يعرضهم لخطر الوقوع في اشتباكات."

كما تعاني الأسواق في ظل عدم قدرة الناس على السفر خارج المدن بسبب انعدام الأمن على الطرقات جراء عمليات السطو وقطع الطرق. وقد تضاعفت رسوم الطرق للشاحنات القادمة من كيدال إلى غاو أيضاً منذ العام الماضي، مما أدى إلى تأجيل العديد من الناقلين لعملياتهم.

وقال سائق شاحنة في غاو اكتفى بذكر اسمه الأول سويليا: "نحن نقدم على مخاطر هائلة إذ نترك أولاً كيدال حيث نخاطر بالتعرض لهجوم قطاع الطرق وثانياً لا يوجد لدينا فكرة عن من يقوم بحراسة نقاط التفتيش".

وقد أدت الاشتباكات المتكررة، وصعوبة الوصول إلى حل للأزمة في الشمال، والنزوح والهجمات، إلى تعقيد العمليات الإنسانية وزيادة معاناة المدنيين في المنطقة القاحلة التي تمتد على مساحات شاسعة.

وتعاني بعثة الأمم المتحدة لحفظ السلام في مالي، والمكلفة بمساعدة البلاد للنهوض من جديد بعد الأزمة السياسية والأمنية الناجمة عن الانقلاب المسلح في مارس 2012، من نقص في عدد الجنود بنحو 3,000 جندي وذلك للوصول قوتها الكاملة وقوامها 12,000 جندي.

kh/ob/cb-mez/dvh