تنشئة الأطفال - بيولوجيا الفقر والعنف

قد يكون للتقدم العلمي في مجال البيولوجيا البشرية قريباً تأثير عميق على السياسات التي تتبعها الحكومات والمنظمات تجاه الأمهات الشابات ومقدمي الرعاية والأطفال في المجتمعات الفقيرة والمجهدة، إذ توجد مجموعة من الأدلة العلمية الجديدة التي تثبت أن البيئة التي ينمو فيها الطفل الصغير محورية في تشكيل عقله بطرق يمكن أن تؤثر بشكل كبير على حظوظه في الحياة في وقت لاحق.

إن "الإجهاد الضار"، الذي يرسم دورة لا هوادة فيها من التوتر الذي يعاني من الطفل الذي يكافح والداه من أجل البقاء، ويكونان فيها غير قادرين على رعايته بشكل صحيح؛ أو حيث يعيش في بيئة تتسم بالعنف أو الإهمال أو سوء التغذية أو جميعها معاً، يمكن أن يؤدي إلى تنميط سلبي لعقل الطفل، مما قد يحول دون نموه الفكري والعاطفي ويعرقل فرصه في تحقيق النجاح. ويتم توارث هذه البصمة السلبية، تماماً مثل البصمة الإيجابية، من جيل إلى جيل.

وفي هذا الصدد، قال باراك مورغان، اختصاصي البيولوجيا العصبية في جامعة كيب تاون: "لقد عرفنا منذ وقت طويل أن مرحلة الطفولة المبكرة مهمة للغاية، ولكن العلم ينبئنا الآن بمدى أهميتها بالضبط". ففي حين تميل السياسات التعليمية إلى التأكيد على أهمية السنوات الأولى من الدراسة، يقترح هذا العلم الجديد أن الإطار الزمني الممتد من الولادة إلى سن ثلاث سنوات يمكن أن يكون الفترة الأكثر فعالية من حيث التكلفة والحسم في التدخل في حياة الطفل.

وفي ورقة بحثية بعنوان "التأصيل البيولوجي للشدائد في مرحلة الطفولة المبكرة: الإجهاد الضار والحلقة المفرغة من الفقر في جنوب أفريقيا"، يفسر مورغان كيف تضيف بعض الإشارات من البيئة "علامات فوق جينية" دائمة على الحمض النووي خلال فترات حساسة من النمو المبكر للدماغ - قبل وبعد الولادة على حد سواء. ثم تبدأ فترة المقاومة، حيث يصبح من الصعب للغاية تغيير هذه المسارات. ومن غير المعروف بالضبط متى تحدث كل هذه النوافذ الحساسة الوجيزة، إلا أن أول عامين أو ثلاثة في حياة الطفل تعد حاسمة في اكتسابه لمهارات التنظيم الذاتي العاطفية التي تصنع الفرق بين الفشل والنجاح لاحقاً في الحياة.

تنشئة الأطفال

وقد أظهرت الأبحاث الرائدة التي كتبها الكندي مايكل ميني منذ عدة سنوات عن الفئران المخبرية أن كمية لعق وتنظيف الفئران الوليدة في الأيام الأولى من حياتها تحدد استجاباتها للإجهاد.

وكانت الفئران التي تلقت الحد الأدنى من اللعق والتنظيف معدة للنجاة في بيئتها عن طريق استجابة "الهروب أو القتال" من خلال وجود علامات فوق جينية أكثر على جين الإجهاد الرئيسي في الدماغ. وظهر عدد أقل من هذه العلامات على الفئران الوليدة التي تم لعقها وتنظيفها بشكل كاف، سواء من قبل والدتها البيولوجية أو أم بديلة، مما جعلها مقاومة للإجهاد ومستعدة للنجاح. كما أظهرت الدراسات التي أجريت على البشر في وقت لاحق، أيضاً في كندا، أن عدداً أكبر من العلامات فوق الجينية ظهرت على أدمغة ضحايا الانتحار، مماثلة لتلك التي ظهرت على الفئران الوليدة التي عانت من سوء الرعاية.

وذكر مورغان في بحثه أن "تكوين شكل وتأثير هذه الممرات يحدث مرة واحدة خلال النمو المبكر عندما تصبح التأثيرات البيئية، الناتجة عن الرعاية الأبوية، أكثر تجذراً في بيولوجيا الذُرية". والأمر الحاسم هو أن العلامات فوق الجينية تعوق تنمية وظائف المخ الأكثر تطوراً ومرونة "من أعلى إلى أسفل" والمقترنة بالتنظيم الذاتي القوي والقدرة على الازدهار، والتي تتميز عن وظائف المخ الموجهة أكثر نحو رد الفعل والبقاء على قيد الحياة، "من أسفل إلى أعلى".

وأضاف مورغان أنه اتضح أن الأطفال الذين يعانون من سوء التنظيم الذاتي يصبحون من البالغين الذين يعانون من "معدلات أعلى بكثير من الإدمان والإجرام والمشاكل المالية والانفصال عن الأزواج بعد ولادة الأطفال، وقدر أقل بكثير من الدخل ومهارات التخطيط المالي والوضع الاجتماعي والاقتصادي والصحة البدنية".

وأشار أيضاً إلى أن "علم الأعصاب المتعدد التخصصات بدأ في الأونة الأخيرة فقط يكشف ويميز وطأة الفقر المزمن على أنها السم البيئي الرئيسي الذي يصبح جزءاً لا يتجزأ من النسيج البيولوجي للأجساد والعقول بطرق تؤدي إلى شلل النمو الصحي".

الطبيعة والتنشئة

وقد تحركت الأمور بسرعة كبيرة منذ ظهور هذه النتائج البحثية الحديثة إلى حد ما، وبدأ الآن قدر كبير من الأبحاث المنشورة يظهر حول "كيفية تأصيل البيئة في علم الأحياء"، كما أفاد. وتؤكد النتائج الجديدة أن النقاش الدائر حول "الطبيعة" مقابل "التنشئة" عفا عليه الزمن. ويرى مورغان أنه من الواضح الآن أن الجينات والبيئة تشكلان كلاً لا يتجزأ. وكتب في بحثه أن "الجينات لا يمكن أن تفعل شيئاً بمفردها، وأن شيئاً ما في البيئة يجب أن يخبر الحمض النووي متى وماذا يفعل. وقد تبين أن الطبيعة مقابل التنشئة تحولت إلى الطبيعة والتنشئة".

إن معرفتنا بما يحدث داخل عقل الطفل يجب أن يوجه اهتمامنا إلى الخارج - نحو البيئة - وإلى الحد من الفقر والعنف. كما يمكن أن يؤثر التعرض لهذه السلبيات في وقت لاحق في الحياة على نمو الطفل، ولكن يبدو أن التعرض المبكر لها هو الأشد تأثيراً". وأضاف أنك "كلما ثنيت الغصن مبكراً كان من الأرجح أن ينمو في الاتجاه الذي ثنيته فيه. إن السنوات الأولى هي الأكثر عرضة للخطر


علاوة على ذلك، فإن تأصيل البيئة في الجينات "يكتسب زخماً بين الأجيال"، كما أفاد. ويظهر البحث الذي تم إجراؤه على الفئران المخبرية أن الفئران الوليدة التي لم يتم لعقها وتنظيفها بشكل صحيح، تحولت بدورها إلى فئران بالغة لا تنشئ صغارها بشكل صحيح أيضاً. ويساعد هذا على تفسير كيف أن دائرة الفقر والحرمان يمكن أن تزداد قوة من جيل إلى جيل.

وفي حين يوجد دائماً مجال لاستيعاب علم جديد، لا يعارض العاملون في الميدان النتائج الحديثة. ويرى البعض أن هناك أدلة كافية في متناول اليد لدفع الحكومات نحو تنفيذ سياسات جديدة تهدف إلى الحد من تأثير العنف والفقر على الرضع والأطفال الصغار. ويتولى جاك شونكوف، مدير مركز الطفل الناشئ التابع لجامعة هارفارد، والخبير في مجال صحة وتنمية الطفل،
قيادة هذا الفريق.

وقال شونكوف في مقابلة تلفزيونية بعد حلقة نقاش نظمتها منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) مؤخراً وشارك فيها علماء متخصصون في هذا الموضوع أن "نوعية الأساس الذي نبنيه في أول عامين لا تحدد كل ما سوف يأتي في وقت لاحق بالكامل، لكنها مع ذلك تجهزك لحياة مليئة بالاحتمالات الجيدة للتنمية الصحية، أو تضعك في حفرة عميقة تكون فيها مخاطر وقوعك في مشاكل في جميع المجالات أكبر بكثير".

وأكد شونكوف خلال المقابلة أن العلم الجديد يؤدي إلى فهم أعمق للأسباب التي تجعل سوء التغذية يتسبب في كل هذا القدر من المشاكل في مرحلة الطفولة المبكرة "ليس فقط لأن الأطفال لا ينمون بشكل جيد، ولكن لأن نمو أدمغتهم يتأثر أيضاً". وأضاف أن التدخلات التي لا تقدم سوى تحفيز للأطفال في المجتمعات الفقيرة غير كافية. "إنها مسألة تتعلق بمعرفة كيفية حماية أدمغتهم النامية من الإجهاد - الإجهاد الضار - المرتبط بالتعرض المزمن للعنف والفقر المدقع والإجهاد اليومي الناتج عن تدبر أمورهم بشق الأنفس".

ويعتبر لورانس أيبر، وهو أخصائي علم النفس في مدرسة ستاينهارت للثقافة والتعليم والتنمية البشرية التابعة لجامعة نيويورك، خبيراً في تأثير الفقر والعنف على تنمية الطفولة المبكرة. وقال أيبر أن "صناع القرار في السابق لم يعتقدوا أن الأطفال الصغار سيتأثرون إلى هذه الدرجة لأنهم لا يتحدثون في هذا العمر أو لا يبدو أنهم على علم بما يجري. ولكن العلم أظهر الآن عكس ذلك تماماً. إنهم في الواقع حساسون للغاية لبيئتهم - أكثر من أي وقت آخر في دورة حياتهم". ويشارك أيبر في بحث عن كيفية تأثير فيروس نقص المناعة البشرية /الإيدز والفقر على الأطفال في جنوب أفريقيا.

الآثار المترتبة على السياسات

ويعتقد أيبر أن للأبحاث الجديدة آثاراً عميقة وعملية على السياسة. "إن معرفتنا بما يحدث داخل عقل الطفل يجب أن يوجه اهتمامنا إلى الخارج - نحو البيئة - وإلى الحد من الفقر والعنف. كما يمكن أن يؤثر التعرض لهذه السلبيات في وقت لاحق في الحياة على نمو الطفل، ولكن يبدو أن التعرض المبكر لها هو الأشد تأثيراً". وأضاف أنك "كلما ثنيت الغصن مبكراً كان من الأرجح أن ينمو في الاتجاه الذي ثنيته فيه. إن السنوات الأولى هي الأكثر عرضة للخطر".

ولكن ما هو تشخيص العدد الذي لا يحصى من الأطفال الذين سبق أن تعرضوا للإجهاد الضار؟ يبدو أن العلم يشير إلى أن الضرر في وقت مبكر لا رجعة فيه. ولكن العلماء يقولون أن الأمر ليس كذلك. "إنها ليست مجرد قصة عن العذاب والكآبة، أو إذا ثنيته مرة سينكسر إلى الأبد،" كما قال أيبر. "يجب على المرء أن يتذكر أن البشر - بما في ذلك الصغار والضعفاء للغاية - لديهم قدرة هائلة على الصمود، أو ما يسميه علماء التنمية اللدونة. فالأطفال يستطيعون العودة إلى طبيعتهم، ويمكننا أن نساعدهم على التعافي من الإجهاد الضار الذي يواجهونه في مرحلة الرضاعة والطفولة المبكرة".

من جانبه، استشهد مورغان بالأبحاث التي أجريت على أطفال في مؤسسات رومانية والتي تبين أهمية توقيت مواجهة آثار الإجهاد. وكانت النتائج المعرفية والاجتماعية للأطفال الذين تعرضوا لحرمان عاطفي شديد والذين تم تبنيهم قبل بلوغ 20 شهراً من عمرهم جيدة مثل تلك الخاصة بأقرانهم الكنديين والبريطانيين الذين لم يتعرضوا للحرمان. ولكن التشخيص كان أقل تفاؤلاً بالنسبة لأولئك الذين تم تبنيهم بعد بلوغهم 20 شهراً من العمر. وهناك أيضاً فرضية "الهندباء" و"زهرة الأوركيد" التي تشير إلى أن بعض الأطفال (الهندباء) لديهم استعداد وراثي أقل للتأثر - سلباً أو إيجاباً - ببيئتهم من الآخرين الأكثر حساسية (زهرة الأوركيد).

وفي حين يوجد وعي متزايد حول الحاجة للاستثمار في الأطفال قبل وقت طويل من دخولهم المدرسة، لا يعتقد أيبر أن الجميع على استعداد لاتخاذ الإجراءات المناسبة. وأوضح أن "المنطق لا يقبل الجدل، لكننا لم ننفذ الاستثمارات السياسة حتى الآن"، مضيفاً أن الحكومات في البلدان النامية "بدأت تدرك أنها إذا لم تحدث تغييراً في السنوات الأولى من حياة الطفل، سيكون هناك سقف زجاجي لما يمكن تحقيقه في نظام التعليم، وعلى الإنتاجية الوطنية في نهاية المطاف".

ويرى مورغان أنه بالنسبة للأطفال الذين يعيشون في فقر في جنوب أفريقيا، حيث معدلات العنف الأسري مرتفعة، يعتبر الإجهاد الضار "وباء تم إدراكه حديثاً ويجب التصدي له".

الاستثمار في الأطفال

ولكن ما نوع التدخلات التي يمكن تنفيذها؟ يستشهد أيبر بفوائد نظام "التحويلات النقدية المشروطة" في جهود تخفيف حدة الفقر في أمريكا اللاتينية وعلى نحو متزايد، في أفريقيا وجنوب آسيا.

"هذه المدفوعات النقدية للأسر الفقيرة جداً مشروطة باستثمار الأسرة في تنمية الطفل،" كما أفاد. وتشجع هذه البرامج الأمهات على حضور دروس ما قبل الولادة وتطعيم الرضع وإرسال أطفالهم إلى المدرسة، على سبيل المثال. كما يمكن تبنيها للمساعدة في الحد من آثار الفقر والعنف.

وقد ثبت أن زيارة العاملين في مجال الصحة للأمهات الجديدات تؤدي إلى تحسين الممارسات الأبوية في خايليتشا في جنوب أفريقيا، على سبيل المثال. ويمكن للبرامج التي تساعد الآباء والأمهات على فهم مخاطر تعريض أطفالهم الصغار للإجهاد الضار، وإيجاد سبل لحمايتهم منه، أن تساعد أيضاً.

ولكن أيبر يقول أن المطلوب هو أكثر بكثير من التدخلات البرامجية على نطاق صغير، وأنه "لا بد للنظام بأكمله التصدي لهذا الأمر على مستوى سكاني واسع".

pg/oa-ais/dvh