جوبا قد تواجه تفش لوباء الكوليرا

حذّر مسؤولو الصحة من أن تفشي وباء الكوليرا في جوبا، عاصمة جنوب السودان، الذي أودى بحياة 23 شخصاً وأجبر أكثر من 670 آخرين على البحث عن العلاج، يمكن أن يزداد سوءاً. وقد أكدت الفحوصات المخبرية أن شخصاً واحداً على الأقل ممن يعيشون في مخيم للنازحين في جوبا قد أصيب بالكوليرا وهناك مخاوف من انتشار المرض بسرعة داخل هذا الموقع المزدحم.

وشرع المسؤولون بإنشاء مراكز علاج جديدة في جميع أنحاء المدينة ومعالجة مصادر المياه التي يعتقدون أنها مسؤولة عن انتشار المرض، لكنهم قالوا أنهم يتوقعون الحاجة لعلاج أكثر من 1,000 شخص آخر على الأقل في المستشفيات قبل انتهاء هذا التفشي، وهذا فقط إذا لم ينتشر الوباء إلى مناطق أخرى من البلاد.

وأعلن وزير الصحة رياك قاي كوك رسمياً تفشي الكوليرا قبل نحو أسبوعين - وهو التفشي الأول من نوعه في جنوب السودان منذ عام 2009 – وتعهد الوزير قائلاً: "سندعم كحكومة ودولة أية جهود تبذل لاحتواء هذا المرض".

ولم يكن هذا التفشي غير متوقع، فقد قال عبد الناصر أبو بكر من منظمة الصحة العالمية أن وزارة الصحة والشركاء في قطاع الصحة قد بدؤوا مسبقاً بالتحضير لظهور الكوليرا وغيرها من الأمراض المعدية التي قد تنتشر في مثل هذه الأوضاع. وأضاف قائلاً "لقد كان لدينا حركة كثيفة للسكان وتؤدي حركة السكان دائماً إلى جلب بعض المشاكل الصحية".

وكان القتال على مدى خمسة أشهر ونصف في جنوب السودان قد أدى إلى إجبار أكثر من مليون شخص على الفرار من ديارهم - والوضع مستمر في التدهور. وقد استمر القتال على الرغم من اتفاق جديد لوقف الأعمال العدائية تم توقيعه قبل نحو ثلاثة أسابيع من قبل الرئيس سيلفا كير ورياك مشار زعيم المعارضة. وأفادت الأمم المتحدة أن 70,000 شخص إضافي نزحوا منذ ذلك الوقت، حيث نزح بعضهم إلى مناطق لا تتوفر فيها المياه النظيفة أو لا يوجد فيها ما يكفي من المراحيض.

وعندما تم الإعلان عن انتشار المرض، بدأت وكالات الأمم المتحدة وشركاؤها في التركيز على بعض القضايا الأكثر خطورة ضمن قطاع المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية - بين النازحين والمقيمين في جوبا على المدى الطويل على حد سواء.

ويتم جمع الكثير من المياه التي يستخدمها الناس لأغراض الشرب والطبخ من نهر النيل ويتم توصيلها بواسطة الشاحنات. وقالت ليليان أوكويري، رئيس قطاع المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية في اليونيسف أنهم يحاولون تعقب كل شاحنة والتأكد من إضافة الكلور لكل شحنة، الأمر الذي سيؤدي إلى القضاء على بكتيريا الكوليرا.

كما وضعوا أيضاً إعلانات إذاعية تطلب من الناس غلي الماء لمدة 10 دقائق على الأقل قبل الشرب أو الطهي وغسل الأيدي بانتظام. وتشجع الرسائل الناس أيضاً على الذهاب إلى أحد المراكز الصحية فور ظهور أي أعراض، بما في ذلك الإسهال أو القيء، لأن المرض يمكن أن يقتل المصاب بسرعة.

جناح العزل

وعندما تم الإعلان عن انتشار المرض، خصص مستشفى جوبا التعليمي جناحاً طارئاً للعزل. وقد امتلأ هذا الجناح بسرعة، وبات المرضى ينامون في ممرات مفتوحة تمت تغطيتها بالأقمشة. وتعمل ترينا هيلديرمان من منظمة ميدير، وهي مجموعة إغاثة إنسانية تقدم خدمات الطوارئ في البلاد، في هذا الجناح منذ افتتاحه. وقالت لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أنه في البداية كان الجناح يستقبل أكثر من 100 مريض يومياً، ولكن أعداد الوافدين بدأت في التباطؤ.

وأضافت قائلة: "يبدو أن الحالات الجديدة في تراجع، ولكن بالاعتماد على ما قاله لنا الخبراء، يمكن أن تعود الذروة مرة أخرى. نحن ننتظر فقط لنرى كيف ستسير الأمور".

وقالت هيلديرمان أنه يبدو أن الرسائل قد نجحت في مهمتها، مع حضور كثير من الناس فور ظهور أي أعراض، مما يسهل علاجهم. وهم يحصلون إما على أملاح الإماهة الفموية لتعويض السوائل المفقودة نتيجة الإسهال أو القيء أو - في الحالات الشديدة - يحصلون على العلاج بالتنقيط في الوريد.

ولكن ما زال البعض لا يصلون إلى المراكز الصحية في الوقت المناسب. فقد قال أفراد عائلة صموئيل مورو أنهم تعرّفوا على أعراض الكوليرا على الفور، ولكنهم حاولوا أولاً علاج هذا المرض من خلال محلول إماهة محلي الصنع من السكر والملح. وقد ساءت حالة صموئيل في غضون 48 ساعة ومع وصولهم إلى جناح العزل، كان الأوان قد فات وتوفي صموئيل بعد بضع ساعات.

وأخبر شقيقه، كاجوا أبولو شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، أن عائلة مورو كانت تعلم بتفشي المرض وقد سمعت الرسائل التي تشجعهم على الحصول على العلاج، ولكن "كنا نأمل أن نتمكن من علاجه في المنزل. لقد ترك في المنزل لفترة طويلة".

معدل وفيات مرتفع

من جهة أخرى، قال أبو بكر من منظمة الصحة العالمية أن معدل الوفيات لهذا التفشي لا زال مرتفعاً جداً. وقال أنه لا بد من زيادة فرق المراقبة حتى تتمكن من التعرف بسرعة أكبر على الأشخاص المحتاجين إلى العلاج، مثل مورو. كما انهم بحاجة أيضاً إلى المزيد من مراكز علاج الكوليرا (CTCs). وقد افتتحت منظمة أطباء بلا حدود (MSF) عيادة الأسبوع الماضي في واحدة من المناطق الأكثر تضرراً في المدينة وقال أبو بكر أن مسؤولي الصحة يدرسون فتح مركزين إضافيين في الأسابيع المقبلة.

وهذا ليس النقص الوحيد، فقد قال أبو بكر أنه نظراً لأن التفشي كان أسوأ مما توقعه المسؤولون في البداية، فقد أجبرهم ذلك على تعديل العدد المتوقع للناس الذين تظهر عليهم أعراض الكوليرا من 5,000 إلى 10,000 شخص، أو 2 بالمائة من السكان. ومن المتوقع أن يتم إسعاف 2,000 شخص إلى المستشفيات.

"لا بد من العودة إلى تخطيطنا وجلب المزيد من الإمدادات. كما لا بد من جلب المزيد من الموظفين وإنشاء المزيد من مراكز علاج الكوليرا. نحن بحاجة إلى تدريب المزيد من الموظفين لتوسيع نطاق الاستجابة." وقد كان ذلك قبل إعلان منظمة أطباء بلا حدود هذا الأسبوع أن المرض قد دخل رسمياً أحد مخيمي النازحين في جوبا.

وعندما بدأ القتال في منتصف ديسمبر، ازدحم الآلاف من الناس داخل قاعدتين في العاصمة تتبعان لبعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان. ولا يزال أكثر من 14,000 شخص يعيشون في كل من تلك المخيمات، التي لم تكن تحتوي على ما يكفي من المراحيض أو غيرها من مرافق الصرف الصحي الأساسية.

وأخبر ستيفان ليلجيغرين، المنسق الميداني لمنظمة أطباء بلا حدود شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن هناك حالة واحدة مؤكدة مخبرياً في المخيم الذي يقع في قاعدة الأمم المتحدة على مشارف جوبا وظهرت أعراض الكوليرا على سبعة مرضى آخرين.

وبسبب هذه الظروف ينظر مسؤولو الصحة لهذه المخيمات كمناطق ذات خطر مرتفع لتفشي وباء الكوليرا. وفي وقت سابق من هذا العام تم تقديم جرعتين من لقاحات الكوليرا عن طريق الفم لأكثر من 96 بالمائة من الأشخاص الذين يعيشون في المخيم في محاولة للتخفيف من أثر أي انتشار محتمل للوباء.

ولكن ليلجيغرين قال أن اللقاح يوفر تغطية بنسبة 65 بالمائة فقط، ما يعني أنه لا تزال هناك إمكانية لإصابة الآلاف من الأشخاص بالمرض. وقد أنشأت منظمة أطباء بلا حدود مراكز علاج للكوليرا في كل من المخيمين.

وتابع حديثه قائلاً: "ميزة المخيم أن السكان مدركين للخطر. ويمكنهم الوصول إلى مراكز علاج الكوليرا القريبة منهم جداً، لذلك نأمل أن يكونوا قادرين على الحصول على العلاج بسرعة كبيرة، وبالتالي، يتم خروجهم من مرحلة العلاج بسرعة كبيرة أيضاً".

وقال أبو بكر أنهم ينتظرون أيضاً التقارير من ثلاث مناطق أخرى من البلاد حيث تم الإبلاغ عن حالات محتملة والتعامل معها: "يشير تقديرنا إلى إمكانية انتشار وباء الكوليرا خارج جوبا". وحتى من دون أي تأكيد، شجعت الحكومة المسؤولين في الدولة على البدء في إطلاق حملات التوعية العامة وإعداد الناس لاحتمالات انتشار المرض.

ag/cb-aha/dvh
"