اللاجئون منقسمون بشأن مستقبل شمال مالي

تصاعدت حدة القتال مرة أخرى في منطقة كيدال شمال مالي، مع وقوع اشتباكات بين الانفصاليين الطوارق وقوات الجيش مما أسفر عن مقتل 36 شخصاً يومي 16 و17 مايو. وعلى الرغم من فشل تمرد عام 2012 في شمال مالي وفقدان معظم الأراضي التي سيطر عليها الانفصاليون لفترة وجيزة، يقول الانفصاليون الطوارق أن الكفاح من أجل استقلال منطقة أزواد لم ينته بعد. ويقول نشطاء من الحركة الوطنية لتحرير أزواد (MNLA) يعيشون الآن كلاجئين في بوركينا فاسو المجاورة أن مطالبهم الأصلية لا تزال قائمة.

في سن الـ 25، يبرز الحسن محمد الشيخ بين اللاجئين الطوارق الذين يعيشون في مخيم مينتاو للاجئين في شمال بوركينا فاسو. ويسيطر بسرعة بأسلوبه الفصيح والمتحمس على اجتماع لسكان المخيم يهدف إلى شرح مخاوف اللاجئين إلى العالم الخارجي. لكنه يتحدث باعتباره لاجئاً وفي الوقت ذاته ناشطاً نصب نفسه للدفاع عن الحركة الوطنية لتحرير أزواد، وصحح نفسه بعجلة عندما ذكر لفظ "شمال مالي"، بدلاً من أزواد.

وعندما تمت مقابلته على انفراد، تحدث الشيخ عن نشأته وهو يسمع القصص عن تمرد عام 1963، عندما تم تسجيل عمليات انتقام وحشية وقعت في الوقت الذي حاول فيه الجيش المالي القيام بحملة ضد التمرد للقضاء على المقاومة في الشمال.

وقال عن ذلك: "سوف تجد هنا في هذه المخيمات بعض الأشخاص البالغين الذين تيتموا بسبب ذلك الصراع". ومن وجهة نظره، فإن قرار الحركة الوطنية لتحرير أزواد شن تمرد في يناير 2012 كان مبرراً تماماً بسبب الأحداث السابقة واستمرار التمييز العنصري ضد مجتمعات الطوارق.

وجادل الشيخ قائلاً: "يتعين على المجتمع الدولي أن يعرف ما يجري هنا. لقد تم إقرار الكثير من الاتفاقات المزيفة، وتم ترك عدد كبير من الوثائق مهملة في أدراج المكاتب. لقد أدى التمرد إلى لفت انتباه العالم.

وأضاف الشيخ قائلاً: "لقد اختلفت عائلتي معي. فقد كان لدي أقارب يعملون بشكل وثيق مع الحكومة. لكنهم كانوا على وشك دفع حياتهم ثمناً لتلك الثقة التي في غير محلها. إنهم يفهمون الآن أنهم كانوا مِ منطقة كيدال شمال مالي مُستَغلين. كان كل ذلك مجرد مظهر خارجي".

ومن الجيل الأكبر سناً، تحدث زودا آغ دوهو، 52 عاماً، وهو مدرس من غاو، ومتعاطف آخر مع الحركة الوطنية لتحرير أزواد ولاجئ في بوركينا فاسو، بحدة عن الجرائم الوحشية السابقة، بما في ذلك الإعدامات الميدانية والاغتصاب الجماعي، وسلسلة من الوعود التي لم يتم الوفاء بها. وقد تم تعيين آغ دوهو مؤخراً رئيساً للاجئين في مخيم ساج-نيونيوغو، خارج العاصمة واغادوغو. وأفاد آغ دوهو أنه لا ينبغي حظر النقاشات بشأن الانفصال أو الحكم الذاتي، أو إنشاء كنفدرالية جديدة في مالي، لأن الحكومة الجديدة نسبياً في باماكو لم تقدم حتى الآن أي أفكار فيما يتعلق بمستقبل الشمال وهي تواجه خطر تكرار كل أخطاء الماضي.

وحذر آغ دوهو قائلاً: "نحن ندور من جديد في حلقة مفرغة من التمرد والانتقام". ولا يعلق آغ دوهو الكثير من الأمل على حكومة الرئيس إبراهيم بوبكر وقدرته على إيجاد "حل نهائي".

وحذّر من أن المبادرات السابقة التي أهدرت أموال التنمية والمشاريع قد وضعت في أيدي الماليين من الجنوب. وتحدث بازدراء واضح للتبعية السهلة والفساد من جانب الطوارق الذين يتم جذبهم إلى باماكو للعمل كأعضاء في مجلس النواب وموظفين في السلك المدني، أو حتى كوزراء.

ويتم تحدي ودحض تلك الحجج بقوة في باماكو، سواء من جانب الحكومة الحالية ومن قبل الطوارق الذين استطاعوا التوافق مع دولة مالي ويرون أن الحركة الوطنية لتحرير أزواد على خطأ وتشكل خطراً على البلاد.

وفي مقابلة حديثة مع مجلة أفريك، تحدث الرئيس إبراهيم بوبكر كيتا عن الأقلية التي تعرقل عملية السلام. وقال أن مفتاح الوصول للسلام في شمال مالي هو إرادة مختلف الطوائف على العيش معاً بسلام، مؤكداً أن الطوارق، مثل باقي الماليين الآخرين، "لديهم الحق في الشعور بالراحة والسلام في أراضيهم" وأنه ينبغي اعتبار حضارة الطوارق جزءاً من تاريخ وهوية مالي.

ولكن آغ دوهو، وهو مسيحي، يصر على أن جزءاً من الدافع الأصلي للحركة الوطنية لتحرير أزواد كان لمواجهة التسلل المحسوب بدقة من الشمال للإسلاميين الجزائريين الراديكاليين بشكل أساسي، واستغلال الفقر في المنطقة، وتقديم الفرص المغرية لتهريب المخدرات والأنشطة الإجرامية الأخرى إلى فئة السكان الشباب المهمشة. ويعتقد آغ دوهو، أن السلطات في أحسن الأحوال كانت غير مبالية، وفي أسوأ الأحوال متواطئة بشكل مباشر في السماح للشبكات غير المشروعة لبناء نفسها. وقد كانت الحركة الوطنية لتحرير أزواد على استعداد لتحدي كل ذلك، "ولكن لم يكن لديها القوة اللازمة". كما تحدث آغ دوهو باحتقار عن الدور الذي اضطلع به زعيم الطوارق السابق إياد آغ غالي في تأسيس حركة أنصار الدين باعتبارها مجرد وسيلة لإحباط الحركة الوطنية لتحرير أزواد، وإقامة تحالف كارثي مع جماعات مثل تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي (AQIM) وحركة التوحيد والجهاد في غرب إفريقيا (MUJAO).

وعلى الرغم من التدخل العسكري الفرنسي وتشتت العناصر الجهادية وفق ما ذكرته التقارير، أفاد آغ دوهو أن تلك الحركات قد أعادت تنظيم صفوفها بشكل فعال في مناطق مثل جنوب ليبيا، ويمكنها الصمود في وجه عمليات التطهير الفاترة التي تقودها فرنسا.

ويقول أنصار الحركة الوطنية لتحرير أزواد أن الحركة وصفت بشكل متكرر على أنها ظاهرة خاصة بالطوارق حصراً، لافتاً إلى انتماء المقاتلين وكبار الكوادر وحتى السجناء السياسيين فيها إلى جماعات عرقية أخرى.

وقال آغ دوهو في هذا الصدد: "هذه ليست مشكلة خاصة بالطوارق؛ إنها مشكلة تتعلق بعموم الشمال. لا توجد انقسامات حقيقية بين الطوائف العرقية في شمال مالي، فقط تلك التي تم إنشاؤها من قبل الغرباء الانتهازيين الذين يريدون استدامة أسطورة أن التماشق يمارسون العبودية وينظرون بازدراء لباقي الماليين".

الشك حول دوافع الحركة الوطنية لتحرير أزواد

ولكن بعض اللاجئين الطوارق الآخرين أكثر تشككاً وبشكل واضح حول هوية ودافع الحركة الوطنية لتحرير أزواد، إذ يلوم محمد، 39 عاماً، وهو أب لطفل واحد من غاو، والذي غادر مؤخراً مخيم ساج-نيونيوغو للبحث على سكن في واغادوغو، التمرد في الوضع الذي يعاني منه.

وأوضح محمد قائلاً: "لم أكن يوماً داعماً للتمرد أو الحركة الوطنية لتحرير أزواد. ما زلت لا أفهم ماذا يريدون. يجب ألا ننسى أبداً أن هناك العديد من الجماعات المختلفة داخل الطوارق وبعضهم يعمل ببساطة لمصلحته الخاصة".

وأضاف أن لديه أصدقاء يؤيدون الحركة، ولكنهم ينتقدون بشدة قيادة الحركة الوطنية لتحرير أزواد ولامبالاتها تجاه اللاجئين العاديين. ويقيم العديد من كبار شخصيات الحركة في الفنادق وحسب ماتفيد التقارير في منطقة "المال الجديدة" الراقية، واغادوغو 2، وتعد ظروف معيشتهم مختلفة تماماً عن تلك التي يواجهها اللاجئون في مناطق مثل ديبو وساج-نيونيوغو. وقال محمد محتجاً على تصرفات الحركة: "نحن نسعى للوصول إليهم، لكنها لا يأتون أو يردون علينا أبداً".

وكثيراً ما يتم ترديد شكوى مماثلة لما يقوله محمد من غير الطوارق في باماكو والتي تفيد بأنه لا يوجد اختلاف واضح بين الجهاديين ومقاتلي الحركة الوطنية لتحرير أزواد، وأنه قد تم الدخول في تحالفات والإبقاء على اتصالات تضعف الثقة بشكل كامل بأهداف وقضية الحركة.

الشك والانقسام

أما محمد أهنو، فهو من طوارق النيجر الذين يعيشون في بوركينا فاسو، وقد تابع حركات التمرد في مالي والنيجر على مدى سنوات عديدة. وزار مؤخراً مخيم ساج-نيونيوغو، حيث شعر بالصدمة بسبب الظروف ومستوى الإهانة الذي يتعرض له اللاجئون. وقال أهنو أن الحركة الوطنية لتحرير أزواد لم تقم حتى الآن بمسؤولياتها.

وحذر قائلاً: "أزواد هي مجرد حلم. ولن توافق الحكومة المالية أبداً على ذلك. ينبغي على الحركة الوطنية لتحرير أزواد التخلي عن أزواد، ولكن الأوان قد فات الآن".

وبالنسبة لأهنو، فإن خطاب الحركة عن تعزيز الانسجام بين الطوائف يتجاهل مناخ الشك والانقسام الذي زادت حدته في الشمال. "هذا هو ما حققه التمرد". وحذر أهنو من أن الجروح قد أضحت عميقة جداً ليحقق أي اتفاق سلام يتم توقيعه أية نتيجة تذكر. كما حذر من أن النيجر، التي كثيراً ما يستشهد بها على أنها قصة نجاح، لتكامل أفضل لمجتمع الطوارق وإدارة أكثر تركيزاً، هي بالحقيقة هشة، ويجب عدم التقليل من خطر الانهيار المستقبلي.

وحذر أهنو أخيراً من أن المستقبل قاتم بالنسبة لمالي حتى على المدى البعيد. "لا أستطيع أن أرى الشمال يعود مرة أخرى كما كان قبل سنوات عديدة".

cs/aj/cb-aha/dvh