طموحات تركيا كدولة مانحة صاعدة

هبة علي
مدير تحرير إيرين

عندما تدفق أكثر من 500,000 لاجئ عراقي عبر الحدود التركية في أواخر ثمانينيات وأوائل تسعينيات القرن الماضي، انتهى الحال بكثير منهم إلى النوم في الشوارع من دون أية مساعدة تُذكر.

واليوم، تستضيف تركيا نفس العدد تقريباً من اللاجئين السوريين، ويقيم أكثر من 220,000 منهم في أحدث مخيمات اللاجئين وأكثرها تطوراً.

وفي إندونيسيا، يرتبط اسم تركيا الآن بالخبز الساخن الذي وزعته في أعقاب كارثة التسونامي في عام 2004، وفي الصومال، يرتبط اسمها ببعض أول المساعدات الإنسانية التي تم تقديمها أثناء المجاعة في عام 2011.

وقد بدأت تركيا تنضج بعد بدايتها المتواضعة لتصبح لاعباً رئيسياً في مجال المساعدات الإنسانية الدولية. وفي عام 2012، وهي أخر سنة تتوفر عنها إحصاءات كاملة، أصبحت تركيا رابع أكبر جهة حكومية مانحة للمساعدات الإنسانية في العالم وأكبر مقدم مساعدة إنمائية غير غربي خارج إطار لجنة المساعدة الإنمائية (DAC) التابعة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD).

وتجدر الإشارة إلى أن تركيا مدينة بهذا الدور الجديد لنموها الاقتصادي، وللنظرة الدولية الأشمل، ولسلسلة من الكوارث التي وقعت على أعتابها، لاسيما الأزمة السورية.

ويقول الموقع الإلكتروني للهيئة الحكومية المختصة بتنسيق المساعدات الخارجية، وهي وكالة التعاون والتنسيق التركية (TIKA)، أن "التطورات الاقتصادية والاجتماعية الأخيرة، جنباً إلى جنب مع الوضع الجيوسياسي لتركيا، غيرت موقفها من بلد يحتاج إلى المساعدة إلى بلد يمنحها".

ومع نموها، اتخذت المساعدات التركية شكلاً خاصاً بها - مساعدات ثنائية إلى حد كبير يتم تقديمها على الخطوط الأمامية - مما أثار اهتمام كل من النقاد والمعجبين.

قصة الصعود

وكانت تركيا قد استغنت عن المساعدات الدولية منذ خمسينيات القرن الماضي، على الرغم من أنها غالباً ما كانت محدودة. وفي عام 1993، في أعقاب الحرب الباردة، أنشأت الحكومة وكالة التعاون والتنسيق التركية، التي وجهت المساعدات الإنسانية في المقام الأول إلى الجمهوريات السوفيتية السابقة على طول حدودها الشرقية.

ولكن مع وصول حزب العدالة والتنمية (AKP) إلى الحكم في عام 2002 وازدهار الناتج القومي الإجمالي، انفتحت تركيا على العالم وتبنت سياسة خارجية جديدة اعتبرت الإغاثة عنصراً مهماً من عناصرها.

"لقد أدركت تركيا أن العالم قد تغير بشكل عميق وأن الحلفاء الجدد والحسابات الاستراتيجية والتخطيط أمور لا بد منها في ظل اقتصاد عالمي سريع التحول،" كما كتب المرشح لنيل درجة الدكتوراه محمد أوزاكان في مقالة في مجلة سياسة تركيا الفصلية (Turkey Policy Quarterly). وأضاف أن "وراء الكثير من الخطاب السياسي النبيل حول المساعدات الإنسانية والتنمية الاقتصادية، أصبحت سياسة تركيا تجاه أفريقيا مدفوعة بتوجهها الطويل الأمد في السياسة الدولية".

وفي حوار مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، قال فاتح أوزير، رئيس قسم الاستجابة في هيئة إدارة الكوارث والطوارئ (AFAD) التي أُنشئت في الخريف الماضي، أن تركيا مدفوعة بقول النبي محمد: "ليس منا من نام شبعان وجاره جائع".

وأضاف أوزير قائلاً: "هذا جزء من ثقافتنا وراجع إلى قوتنا الاقتصادية أيضاً".

وفي حين وجهت تركيا المساعدات في البداية إلى المناطق التي كانت تحت حكم الإمبراطورية العثمانية، إلا أن مساعداتها قد تنوعت منذ ذلك الحين، ووصلت إلى بلدان بعيدة مثل شيلي واليابان. وقد أعلنت تركيا أن عام 2005 هو "عام أفريقيا"، وفي عام 2011، تعهدت بإنفاق 200 مليون دولار سنوياً على أقل البلدان نمواً في العالم.

وقال محمد يلماز، رئيس الشؤون الخارجية والشراكات في وكالة التعاون والتنسيق التركية، التي لديها الآن مكاتب في 31 دولة: "إن جغرافيتنا الثقافية هي تركيزنا الرئيسي، ولكن هناك أيضاً بلدان ذات احتياجات ملحة مثل الصومال وباكستان، وأقل البلدان نمواً".

وفي السنوات الأخيرة، دفعت المساعدات الإنسانية بتركيا إلى الخطوط الأمامية في مجتمع المعونة.

وفي سياق متصل، تُعد تركيا نفسها عرضة للكوارث الإنسانية، إذ أن 80 بالمائة من أراضيها تواجه خطراً شديداً نظراً لوقوعها في حزام زلازل. وفي عام 1999، ضرب زلزال بلغت قوته 7.4 على مقياس ريختر شمال غرب تركيا وتسبب في أضرار كبيرة وساعد البلاد على اكتشاف "مدى أهمية المساعدات الإنسانية الدولية"، كما أفاد مسؤول في وزارة الخارجية تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته بسبب القواعد الحكومية التي تمنع الموظفين من التحدث إلى وسائل الإعلام دون إذن مسبق. وأضاف قائلاً: "بالنظر إلى خبراتنا وأخطائنا... ساعدنا هذا في تشكيل فهمنا لدورنا في مجال المعونة الدولية".

في الوقت نفسه، شهد العقد الماضي عدداً هائلاً من الأزمات الإنسانية في جميع أنحاء العالم: تسونامي عام 2004 في جنوب شرق آسيا، وزلزال باكستان عام 2005، وحرب 2006 في لبنان، وزلزال هايتي في عام 2010، وتسونامي عام 2011 في اليابان، وجفاف عام 2011 في الصومال، والصراعات المرتبطة بانتفاضات في مختلف أنحاء العالم العربي.

وقال المسؤول في وزارة الخارجية خلال حديثه إلى شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن "كل هذه الأزمات، في الواقع، ألزمتنا بزيادة حجم المساعدات الدولية وبتكييف هياكل الدولة للاستجابة لهذه الكوارث بسرعة وكفاءة وبطريقة مستدامة. إن نهجنا الأساسي هو: المساعدة في أي مكان في العالم، كلما حدثت كارثة".

هيكل "ديناميكي"

وكان إنشاء هيئة إدارة الكوارث والطوارئ في عام 2009 جزءاً من هذا التحرك نحو قدر أكبر من الكفاءة، وسد الفجوة التي كشف عنها زلزال عام 1999 في تركيا. وبوصفها هيئة تنسيق، يمكن لهيئة إدارة الكوارث والطوارئ إسناد المهام إلى أي جهة داخل الحكومة، من الوزارات إلى الجيش، إلى جمعية الهلال الأحمر والمنظمات غير الحكومية.

"إنها منظمة ديناميكية، ولذلك يمكنها أن تعمل بسرعة استجابةً للكوارث،" كما أشار أوزير في تصريحه لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، مضيفاً أنها "تعمل 24 ساعة يومياً طوال الأسبوع".

ومن الجدير بالذكر أن الهيئة قامت بتنسيق استجابة تركيا للأزمة الليبية، حيث قامت بإجلاء 26,000 شخص (معظمهم من الأتراك، ولكن أيضاً من رعايا الدول الثالثة) خلال صراع عام 2011. وفي اليابان، أرسلت فريقاً للبحث والإنقاذ يضم 33 عضواً في أعقاب زلزال وتسونامي عام 2011. وفي الصومال، كانت تركيا "أول دولة تسارع لمساعدة المواطنين الصوماليين" الذين يعانون من الجفاف، وفقاً لأحد كتيباتها. وقد أرسلت تركيا حوالي 40,000 طن من المساعدات الإنسانية إلى الصومال بقيمة 60 مليون دولار في صيف عام 2011 وحده.


تنظر العديد من النخب المسلمة في جميع أنحاء أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى إليها [تركيا] على أنها قد تكون نموذجاً يُحتذى به

وقال إركان دوغاناي، رئيس مركز إدارة الكوارث والطوارئ التابع لهيئة إدارة الكوارث والطوارئ، الذي ينسق الاستجابة الأولية في حالات الطوارئ: "لقد قدمت هيئة إدارة الكوارث والطوارئ مساهمة متزايدة في العمليات الإنسانية الدولية، وكانت ذروة جهودها في الصومال". وحتى رئيس الوزراء وأسرته سافروا إلى مقديشو في ذروة المجاعة كدليل على التضامن. وكانت هذه أول زيارة يقوم بها رئيس دولة من خارج أفريقيا إلى الصومال التي مزقتها الحرب منذ ما يقرب من 20 عاماً.

ولكن نقطة التحول بالنسبة لهيئة إدارة الكوارث والطوارئ جاءت في أكتوبر 2011، عندما ضرب زلزال مدينة فان في أقصى شرق تركيا. فقامت الحكومة ببناء 40 مدينة من الكرفانات المسبقة الصنع لإيواء النازحين، وثبت فيما بعد أن هذا كان تدريباً جيداً للتعامل مع الأزمة السورية. فعندما بدأ تدفق اللاجئين السوريين عبر الحدود، عرفت تركيا بالضبط من أين تشتري الكرفانات، وكيفية إعداد المراكز اللوجستية وفرز المساعدات الواردة.

وقد أصبحت هيئة إدارة الكوارث والطوارئ، التي لم تكن معروفة قبل عام 2011، اسماً مألوفاً في تركيا، وهي بصدد الانتقال من مبناها الحالي المكون من 18 طابقاً في العاصمة أنقرة إلى مجمع أكبر منه.

واليوم، ينتشر حوالي 8,000 عامل إغاثة تركي على طول الحدود مع سوريا، وحتى الخريف الماضي، كانت الدولة قد أنفقت أكثر من ملياري دولار لاستضافة اللاجئين السوريين منذ بداية الأزمة.

وساعد هذا على زيادة المساعدات الإنسانية الإجمالية التي قدمتها تركيا في عام 2012 إلى أكثر من مليار دولار، ارتفاعاً من 225 مليون دولار في العام السابق، وفقاً لمنظمة مبادرات التنمية التي تراقب المساعدات الإنسانية.



طبيعة المساعدات التركية 

بسبب خبرتها في التعامل مع الزلازل، تمتلك تركيا الآن مروحيات على مستوى عالمي للسفر إلى المناطق النائية، وخبرة قوية في البحث والإنقاذ، وقدرة على إقامة ملاجئ مؤقتة ذات جودة عالية. ولكن مساعدتها الإنسانية الأكثر شيوعاً على المستوى الدولي تنطوي على توفير الغذاء والرعاية الصحية، بما في ذلك المستشفيات الميدانية.

وعلى الجانب الإنمائي، تركز تركيا بشكل كبير على البنية التحتية، معتبرة إياها إحدى العناصر القليلة في مجال المساعدات الخارجية التي يمكن أن يكون لها تأثير دائم. أما القطاعات الأساسية بالنسبة لها فهي الصحة والتعليم والزراعة والمياه والصرف الصحي. وقال محمد يلماز من وكالة التعاون والتنسيق التركية أن "الجميع يعرفون أنه بعد 50 عاماً من المساعدات الخارجية، لم يحدث بعد أي تغيير جوهري في هذه البلدان. نحن نعتقد أنه في بعض الأحيان من الأهمية بمكان أن نعمل في الجوانب الصعبة من المساعدات الخارجية، مثل البنية التحتية. أنظر إلى ما تقوم به الصين في أفريقيا. إنه الشيء نفسه - الطرق والمستشفيات والجسور".

ويُنظر إلى تركيا على أنها تتمتع بخبرة خاصة في المشاريع التعليمية والصحية، ولكنها كثيراً ما فشلت في الموازنة بين البنية التحتية المادية والموارد البشرية وبناء القدرات.

وقال يلماز أن "[وجود] جانب واحد منهما لا يكفي. وفي المستقبل، سوف نركز على كلا الجانبين".

وهذا مجرد جزء واحد من المساعدات الإنمائية الرسمية (ODA)، التي تقدمها تركيا والتي ارتفعت من 1.3 مليار دولار في عام 2011 إلى 2.5 مليار دولار في عام 2012، وفقاً لوكالة التعاون والتنسيق التركية.

العمل بشكل منفرد؟

وكافة المساعدات التركية تقريباً - سواء الإنمائية أو الإنسانية - هي مساعدات ثنائية تقدمها هيئة إدارة الكوارث والطوارئ، أو الهلال الأحمر التركي، أو الوزارات، أو وكالة التعاون والتنسيق التركية، أو من خلال برامج المنح الدراسية الشهيرة في تركيا.

وفي هذا الصدد، قال إ. ج. هوغندورن، نائب مدير برنامج أفريقيا في مجموعة الأزمات الدولية (ICG)، التي نشرت تقريراً عن المساعدات التركية في الصومال خلال المجاعة: "تفضل تركيا أن تعمل من جانب واحد إلى حد ما. إنها تقدم المساعدة مباشرة على الأرض - وهذا يعني ضمناً أنها تنفق أموالاً أقل مما تنفقه البيروقراطيات الكبيرة والمرهقة. ولكنني أعتقد أيضاً أن هذا يثير مخاوف من أن المساعدات لا يتم تقديمها بالتنسيق مع وكالات أخرى، وبالتالي فإنها ليست فعالة بالقدر الأمثل".

ولكن وكالة التعاون والتنسيق التركية مقيدة إلى حد كبير بالقانون التركي، الذي يتطلب موافقة البرلمان على أي تحويل أموال إلى منظمات أخرى - بما في ذلك الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية - في عملية تستغرق ما بين عامين وأربعة أعوام. وقال يلماظ أن وكالة التعاون والتنسيق التركية لديها مرونة أكثر للقيام بأعمال متعددة الأطراف، من خلال تشريعات جديدة. (وعلى الرغم من أن تقاسم ميزانية مشتركة في مشروع مشترك أمر صعب في الوقت الحالي، إلا أن تركيا تستطيع أن تشارك في مشروع متعدد الأطراف عن طريق تولي تنفيذ مكون معين من المشروع أو المساهمة بمساعدات عينية).

من جانبه، أكد مسؤول وزارة الخارجية أن تركيا تساهم بطرق أخرى: "ففي بعض الأحيان، يكون النهج المتعدد الأطراف والمنظمات الدولية في وضع أفضل للاستجابة على وجه السرعة إلى كل ما هو مطلوب. [وفي تلك الحالات]، يسعدنا أيضاً أن نساهم بحصتنا في النداءات التي يتم توجيهها".

ولكن في معظم الأحيان، ترى تركيا نهجها كجزء من قيمتها المضافة. وقال يلماظ من وكالة التعاون والتنسيق التركية: "صحيح أن معظم المساعدات الإنمائية الرسمية التركية ثنائية، والسبب الرئيسي في ذلك هو عدم التوافق في قواعد السلوك. فنحن عمليون للغاية، ونقرر وننفذ المشاريع بسهولة. أما أصدقاؤنا في الجهات المانحة التقليدية، فنظام ميزانياتهم مختلف. إنهم يقدمون المشاريع إلى برلماناتهم لكي يحصلوا على ميزانية، بينما نحصل نحن على ميزانية إجمالية. يتوفر لدينا المال أولاً، ثم نختار المشاريع... يمكننا أن نختار المشاريع بسهولة. إنهم لا يتمتعون بالمرونة من هذه الناحية... أما من حيث فعالية المعونة، فإن لدينا بعض القيمة المضافة في هذا الاتجاه".

وتندرج كل من وكالة التعاون والتنسيق التركية وهيئة إدارة الكوارث والطوارئ تحت لواء مكتب رئيس الوزراء، مما يتيح لهما موارد وفيرة وخبراء في كل وزارة من الوزارات، وهو ما يؤدي إلى تسريع وتحسين الاستجابة. وتستطيع وكالة التعاون والتنسيق التركية، على سبيل المثال، تعبئة الخبرات العامة بسهولة واستخدام القدرات المادية للمؤسسات العامة أيضاً.

وفي السياق نفسه، قال بوغرا كان يلديز، الخبير المساعد في هيئة إدارة الكوارث والطوارئ: "بالمقارنة مع الولايات المتحدة وأوروبا، فإن الفرق بين العمليات الإنسانية في تركيا والبلدان الأخرى هو أن تركيا لا تتوقع الحصول على أي شيء في المقابل ويمكنها أن تعمل بسرعة من خلال هيكلها الديناميكي. لا يوجد لدى هيئة إدارة الكوارث والطوارئ ميزانية ثابتة، وفي أوقات الطوارئ، يمكن زيادة الميزانية وفقاً للحاجة".

وهذا هو أحد الأسباب التي جعلت تركيا من بين أول الجهات الفاعلة التي عملت على الأرض في الصومال. "لقد لعبت المنظمات غير الحكومية التركية دوراً أساسياً في إنقاذ الأرواح،" كما أفاد أحد عمال الإغاثة.

"ميزة" إسلامية

وبالنسبة للآخرين، فإن المزج بين الثقافة الإسلامية والنهج الحديث هو ما يجعل المساعدات التركية مبتكرة إلى هذا الحد وتحظى بشعبية كبيرة بين المستفيدين.

"يمكنك إرسال ابنك إلى مدرسة إسلامية علناً أو تعلم القيم الإسلامية، ولكنها أيضاً تعطي هؤلاء الأطفال المهارات اللازمة للنجاح في المجتمع الحديث،" بحسب هوغندورن من مجموعة الأزمات الدولية.

بل إن بعض أعضاء حركة الشباب في الصومال تقدموا بطلبات للحصول على منح دراسية في تركيا، كما أفادت مجموعة الأزمات الدولية في تقريرها، مما يشير إلى أن المساعدات التركية يمكن أن توفر بديلاً للتطرف.


وأضاف هوغندورن قائلاً: "تنظر العديد من النخب المسلمة في جميع أنحاء أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى إليها [تركيا] على أنها قد تكون نموذجاً يُحتذى به".

ويعترف المسؤولون الأتراك بامتلاكهم "ميزة" في البلدان الإسلامية. وقال المسؤول في وزارة الخارجية: "نحن نعرف أفضل من غيرنا ما يحتاجون إليه، وكيف يعملون، ونوع الطعام الذي يأكلونه". مع ذلك، أوضح المسؤول قائلاً: "إننا لا نشكل سياستنا الإنسانية حسب الوضع الديني للسكان المعنيين".

وفي بعض أجزاء من العالم، تزيد جذور تركيا الإسلامية من فرص وصول عمال الإغاثة التابعين لها. ففي الصومال وشمال سوريا - وكلاهما موطن لجماعات مرتبطة بتنظيم القاعدة - عملت جماعات الإغاثة التركية بحرية وأمان أكثر من العديد من المنظمات غير الحكومية الغربية.


اكتساب الخبرات
           

تعترف تركيا بأنها لا تزال بصدد اكتساب الخبرات في عالم المساعدات.

وعند سؤاله عن ما تعلمته تركيا من الأزمة السورية، ضحك إركان دوغاناي من هيئة إدارة الكوارث والطوارئ وقال: "انخرط موظفو الإغاثة الأتراك بشكل متزايد مع الأمم المتحدة واكتسبوا فهماً أفضل للمعايير الدولية في حالات الطوارئ ... إنني أرى مسؤولي المفوضية [وكالة الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين] كل يوم"، وأضاف مازحاً: "ألتقيهم أكثر من لقائي بزملائي".

وأكد أن "[أزمة اللاجئين السوريين] سيئة للغاية، ولكنها جعلتنا نتطور بشكل جيد وسريع".

من جانبه، قال فيسيل أيهان، أستاذ العلاقات الدولية المشارك في جامعة أبانت عزت بايسال في أنقرة: "قبل ثلاث سنوات، لم نكن نعرف كيفية إدارة مخيمات اللاجئين، ولكن يوجد لدينا الآن أكثر مخيمات اللاجئين أهمية في العالم".

وخلافاً لمخيمات اللاجئين التابعة لمفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، حيث تعتبر الخيام والمواد الغذائية الجافة هي القاعدة، تستضيف تركيا اللاجئين في ملاجئ سابقة التجهيز، وتقدم لهم ثلاث وجبات ساخنة مطبوخة يومياً، وغرف التلفزيون والمساجد والغسالات الكهربائية. وقد أثار هذا النهج تساؤلات حول الاستدامة، ولكن يُنظر إليه أيضاً باعتباره وسيلة أكثر كرامة لمساعدة اللاجئين.

وقال أيهان أن "[هذا النموذج بمثابة] مدينة صغيرة أو قرية صغيرة. لدى تركيا فكرة جديدة للمساعدات الإنسانية".

وفي سياق متصل، يقر دوغاناي بأنه لا يزال أمام تركيا شوط طويل ينبغي قطعه لتطوير علاقاتها مع المنظمات غير الحكومية الدولية، التي يشكو الكثير منها من الإجراءات المعقدة والطويلة الخاصة بالتسجيل في تركيا لمساعدة المواطنين السوريين عبر الحدود.

وقال مسؤول في وزارة الخارجية أن "هذه أيضاً عملية تعليمية بالنسبة لنا. فهذه هي المرة الأولى في تاريخنا التي نواجه فيها وضعاً يشمل رغبة هذا العدد الكبير من المنظمات غير الحكومية في العمل داخل تركيا لمساعدة بلد آخر. نحن نتعلم كيفية التعامل مع هذا الوضع".

وباعتبار وكالة التعاون والتنسيق التركية جهة مانحة ناشئة، فإنها تتلقى أيضاً تدريباً من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.

ويرى يلماز أن "الجهات المانحة التقليدية تُعد تقارير جيدة جداً. نحن نفضل العمل على إعداد التقارير، ولكننا نعتقد أن علينا دمج بعض هذه المنهجيات أيضاً. نحن بحاجة لهذه الأنواع من التقارير والنتائج... نحن عمليون للغاية، ولكننا أيضاً نبحث عن بعض التوازن... ينبغي أن نصف ما نقوم به أو نرسم صورة له. وفي بعض الأحيان، نخطئ الهدف".

كما أن تحسين كتابة التقارير سيقلل من احتمالات الفساد. وقد استشهد إ. ج. هوغندورن من مجموعة الأزمات الدولية على ذلك بمزاعم حول تحويل المساعدات التركية عن وجهتها الأصلية في الصومال. ويتوقع بعض المراقبين أنه بعد تعلم الدروس، ستبدو تركيا بشكل أكبر مثل ما يسمى بالجهات المانحة التقليدية.

ولكن العمل لا يزال خطيراً، ففي يوليو 2013، هاجمت حركة الشباب السفارة التركية في العاصمة الصومالية مقديشو. وحذر هوغندورن قائلاً: "إن تركيا جديدة على هذا النوع من العمليات، ولذلك لم يحدث ذلك لهم بعد، ولكن ما سيحدث هو أنهم سوف يقعون في فخ هذه الديناميات المحلية. وقد يصبح عمال الإغاثة الأتراك مستهدفين أكثر كلما انخفض مستوى حسن نية".

ولكن الأتراك ينظرون إلى هذا النهج المباشر على أرض الواقع باعتباره السمة المميزة للمساعدات التي يقدمونها.

وقال يلماز في إشارة إلى نظم إعداد التقارير البيروقراطية الأكثر تعقيداً: "إن الاحتياجات المحلية مهمة جداً بالنسبة لنا. لا يوجد لدينا برامج محددة مسبقاً، أو برامج مجردة من خلال تقارير معقدة أو أشياء من هذا القبيل".

سياسية أكثر مما ينبغي؟

ولكن على الرغم من جميع النوايا الحسنة التي اكتسبتها الإغاثة التركية، يرى البعض أن نهجها سياسي بشكل مفرط.

ويرى أويتون أورهان، المحلل في المركز البحثي أورسام (ORSAM)، أن المساعدات الإنسانية أصبحت "أداة فعالة" في السياسة الخارجية حتى تجاوزت تركيا مهمتها.

وأضاف أنه "كان للسياسة الخارجية تأثير محفز على تحسين هذه المؤسسات وقضايا الإغاثة". فقد ساهمت المساعدات الخارجية إلى حد كبير في تصوير تركيا على أنها "قوة ناعمة وسلمية تتوسط بين الأطراف المتنازعة ولا تهدف فقط لتحقيق مصالحها الخاصة".

وأكد أن هذا كله تغير عندما تبنت تركيا مواقف سياسية واضحة بشأن التطورات في مصر دعماً لنظام الإخوان المسلمين السابق، وفي سوريا دعماً للمتمردين الذين يقاتلون للإطاحة بالحكومة. وأضاف أن الصور الإيجابية التي قدمتها تركيا في أفريقيا وأماكن أخرى بدأت تتلاشى.

رؤية القيادة

ومقارنة بأكبر الجهات المانحة التقليدية، لا تزال ميزانية المساعدات الخارجية الإجمالية في تركيا صغيرة، حتى لو كانت تجتذب الكثير من الاهتمام.

وفي حين زادت المساعدات الإنمائية الرسمية الإجمالية في تركيا بأكثر من 3,000 بالمائة في العقد الماضي، ووصلت إلى 2.5 مليار دولار في عام 2012، إلا أنها لا تزال أقل بكثير من المساعدة الإنمائية الرسمية التي تقدمها الولايات المتحدة (31 مليار دولار)، والمملكة المتحدة (14 مليار دولار)، وفرنسا (12 مليار دولار)، وألمانيا (12 مليار دولار)، واليابان (10 مليار دولار)، وحتى أستراليا وكندا وهولندا والسويد، التي قدمت كل منها أكثر من 5 مليار دولار.

مع ذلك، فإن المساعدة الإنمائية الرسمية في تركيا كنسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2012 تجاوزت متوسط ما قدمته الجهات المانحة الأعضاء في لجنة المساعدة الإنمائية (0.29 بالمائة) وما قدمته الولايات المتحدة (0.19 بالمائة).

كما أن طموحات تركيا هائلة، إذ تعتقد تركيا، على سبيل المثال، أنها تستطيع أن تلعب دوراً في الدول العربية التي تمر بتحولات سياسية، مثل مصر وليبيا وتونس.

"هناك الكثير من الأشياء التي يمكننا القيام بها لأن تجربتنا جديدة جداً في تركيا. لا يزال لدينا خبراء شهدوا هذه التغييرات الجذرية في تركيا. وأعتقد أن تجربتنا بهذا المعنى تمنحنا رؤية ثاقبة عن الوضع في هذه البلدان،" كما أشار يلماز.

وبشكل عام، فإن الامتثال للمعايير الدولية بشأن فعالية المعونة وجدول أعمال التنمية العالمية يمثل أولوية بالنسبة لتركيا، كما أفاد.

وأضاف أن "رؤيتنا هي أن نكون من بين الوكالات الرائدة في العالم، وأن نستجيب للتحديات العالمية بطريقة فعالة".

ha/rz-ais/dvh