تزايد احتجاز المهاجرين يقود لازدهار شركات الأمن الخاصة

كريستي سيغفريد

محررة شؤون الهجرة

سلطت أعمال الشغب التي وقعت الشهر الماضي في مركز دراسة طلبات اللجوء إلى استراليا، في جزيرة مانوس في بابوا غينيا الجديدة، والتي أسفرت عن مقتل أحد المحتجزين وإصابة أكثر من 70 آخرين، الضوء على إسناد العديد من مهام مراقبة الهجرة إلى شركات أمن خاصة.

وفي الوقت الذي تقوم فيه الكثير من دول العالم بإدخال ضوابط أكثر صرامة على مراقبة الحدود والتوسع في احتجاز المهاجرين، إلا أنها تتجه على نحو متزايد للاستعانة بمجموعة من الشركات المتعددة الجنسيات لإدارة مجموعة من المهام التي كانت تُعد في السابق مسؤولية الحكومات وحدها. ويرى منتقدو هذه الإجراءات أن الاستعانة بتلك الشركات في إدارة مراكز الاحتجاز، وحراسة الحدود ومرافقه المُبعدين جعلت من الصعوبة بمكان تحديد على من تقع المسؤولية عندما تسوء الأمور، كما حدث في ليلة 17 فبراير في مركز جزيرة مانوس.

وهناك روايات متضاربة حول حقيقة ما حدث في تلك الليلة. وبينما لا تزال التحقيقات جارية، ادعى محتجزون أنهم، أثناء الاضطرابات، تعرضوا للضرب مراراً وتكراراً بأسلحة مرتجلة مثل الحجارة وقضبان الحديد على يد موظفين محليين تابعين لشركة "جي فور إس"، الشركة المتعاقد معها لإدارة المركز. في الوقت ذاته، هناك روايات أخرى ألقت باللوم على الشرطة المحلية في بابوا غينيا الجديدة والسكان المحليين الغاضبين الذين سُمح لهم بدخول المركز، في إصابة رضا بيراتي، طالب اللجوء الإيراني البالغ من العمر 23 عاماً، في الرأس ووفاته نتيجة لذلك.

وفي هذا الصدد، يرى توماس جاميلتوفت-هانسن، مدير الأبحاث في المعهد الدنماركي لحقوق الإنسان، الذي كتب كثيراً حول ما يُطلق عليه "صناعة الهجرة"، أنه إذا كانت الانتهاكات في جزيرة مانوس قد وقعت على مرأى من موظفي الهجرة الاستراليين "فإنه سيكون من الأسهل تحديد المسؤولية القانونية".

وقال لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن "حقيقة أن [مركز جزيرة مانوس] يقع في الخارج، ويخضع لمذكرة تفاهم غير واضحة [مع حكومة بابوا غينيا الجديدة]، يعني أن التقييم القانوني أكثر تعقيداً بكثير".

تزايد الخصخصة

وفي حين أن هناك عدداً من الدول الآن تستخدم شركات خاصة لإدارة مرافق احتجاز المهاجرين، إلا أن أستراليا ذهبت أبعد من ذلك حيث قامت في عام 2012 بتعهيد احتجاز طالبي اللجوء إلى بلدين آخرين. وإضافة إلى مركز جزيرة مانوس في بابوا غينيا الجديدة، الذي يستوعب ما يصل إلى 1,100 من ملتمسي اللجوء، هناك مركز آخر في جمهورية ناورو، وهي دولة جزرية صغيرة، يمكنه استيعاب نحو 1,200 من طالبي اللجوء.

وتستند الاتفاقات الموقعة بين أستراليا وكل من بابوا غينيا الجديدة وناورو إلى مذكرات تفاهم غامضة فيما يتعلق ببعض القضايا الخاصة بأوضاع المحتجزين والرصد، إذ تكتفي بالإشارة إلى أن "المشاركين سوف يتعاملون مع الأشخاص المنقولين بكرامة واحترام ووفقاً لمعايير حقوق الإنسان ذات الصلة".

وخلافاً لمراكز الاحتجاز المحلية في أستراليا، التي تستقبل بشكل دوري زيارات من منظمات محلية غير حكومية وجماعات دينية، لم تستقبل المراكز الموجودة في جزيرة مانوس وناورو سوى ثلاث أو أربع زيارات فقط من المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ومنظمة العفو الدولية منذ افتتاح تلك المراكز في أواخر عام 2012. وعقب زيارتها لجزيرة مانوس، وجهّـت كلا من المفوضية ومنظمة العفو الدولية انتقادات شديدة للأوضاع الإنسانية التي وجدتاها هناك ووصفتاها بأنها "قاسية" و"غير إنسانية".

شكوك بشأن المساءلة

وفي هذا الصدد، قال بول باور، الرئيس التنفيذي لمجلس اللاجئين في أستراليا: "لم يتم وضع أبسط آليات المساءلة الأساسية التي وعد بها [عندما أنشئت المرافق الخارجية]... لا يوجد نظام رصد حقيقي في المكان".

ويرى جاميلتوفت هانسن أن خصخصة مراقبة الهجرة، قد جعل التحقيق والمقاضاة في حالات إساءة المعاملة أكثر صعوبة، حتى عندما تحدث على مرأى من عشرات الشهود. وهذا ما حدث مع جيمي مبينجا، طالب اللجوء اﻷنغولي الذي تعرض لتقييد شديد من قبل حراس الأمن الخاصين الذين رافقوه خلال رحلة ترحيله من مطار هيثرو في أكتوبر 2010، لدرجة أدت إلى فقدانه الوعي والوفاة.

وعلى الرغم من أن نتائج التحقيق في يوليو 2013 قد توصلت إلى أن مبينجا قد قُتل بما يخالف القانون، إلا أن مكتب الادعاء الملكي في المملكة المتحدة لم يوجه حتى الآن اتهامات جنائية ضد الحراس الذين كانوا يعملون لدى شركة جي فور إس، وهي الشركة ذاتها التي تقوم بإدارة مركز احتجاز طالبي اللجوء في جزيرة مانوس وأكبر شركة للخدمات الأمنية في العالم. في الوقت ذاته، لم تواجه وزارة الداخلية في المملكة المتحدة أية مسؤولية جنائية، وقامت ببساطة بتغيير مقدمي الخدمات الأمنية، حيث منحت عقداً جديداً لعمليات الترحيل إلى شركة "ريلاينس" (التي تسمى الآن تاسكور)، التي يرتبط اسمها منذ ذلك الحين بادعاءات عديدة من سوء المعاملة.

وبعد وقت قصير من وقوع أحداث الشغب في جزيرة مانوس، قامت أستراليا بتغيير شركة جي فور إس بشركة "ترانسفيلد سيرفيسس"، بعقد بقيمة 1.1 مليار دولار لتشغيل هذه المراكز في جزيرة مانوس وناورو لمدة 20 شهراً.

وقال جاميلتوفت هانسن أن "منطق الخصخصة يوحي بأن الدول يمكن أن تنأى بأنفسها عن المسؤولية ببساطة من خلال استبدال الشركة المعنية". وأضاف قائلاً: "ولكن من الناحية الفعلية، لا توجد سوى ثلاث أو أربع شركات عالمية كبرى تستأثر بهذه الصناعة".

ويتفق مع هذا الرأي فيل ميلر، الباحث في مؤسسة "كوربوريت ووتش" غير الربحية في المملكة المتحدة، الذي بحث شركات الخدمات الأمنية الرئيسية التي تعاملت معها سلطات الهجرة في المملكة المتحدة، قائلاً: "بمجرد أن تقرر الحكومة إسناد إدارة هذه الأمور للقطاع الخاص، فهناك حفنة فقط من الشركات التي يمكن الاختيار من بينها"، وجميعها ذات سجلات لا تخلو من ادعاءات بإساءة المعاملة أو ارتكاب أخطاء فيما يتعلق بالسلامة.

وتواصل شركة جي فور إس إدارة مركزين لترحيل المهاجرين في المملكة المتحدة. كما توفر خدمات الرصد الإلكتروني وتتقاسم عقداً مع شركتين أخريين لإدارة إسكان طالبي اللجوء. وتواجه إحدى الشركات المنافسة الرئيسية لها، وهي شركة سيركو، مزاعم اعتداء جنسي قام بها حراسها في مركز ترحيل المهاجرين في يارل وود في بيدفوردشاير.

ومؤخراً تم منح شركة أخرى تدعى "ميتي" عقوداً لإدارة مركزي احتجاز في غرب لندن على الرغم من فشلها في اتباع توصيات هيئة الإنقاذ ومكافحة الحرائق في اوكسفوردشاير التي تلزمها بتركيب نظام إطفاء في مركز ترحيل المهاجرين الذي تديره في كامبسفيلد، وهو الأمر الذي كان كفيلاً بمنع انتشار الحريق الذي نشب هناك في أكتوبر 2013.

وعلى الرغم من أنه كثيراً ما يتم تبرير قرار الاستعانة بالشركات الأمنية الخاصة باعتبارها عملية توفر التكاليف، إلا أن ميلر يرى أنه "لا يوجد دليل على أن الخصخصة أكثر فعالية من حيث التكلفة باستثناء التي تقدمها الشركات نفسها".

الاعتناء بالمحتجزين

وفي سياق متصل، يرى دون فلين، مدير شبكة حقوق المهاجرين، هي منظمة غير حكومية تتخذ من المملكة المتحدة مقراً لها، أن نموذج التكلفة المنخفضة الذي ينطوي على إدارة عدد كبير من الأشخاص، والذي يميز الآن خدمات الاحتجاز غير مناسب للتعامل مع المحتجزين من طالبي الهجرة، ذلك أن نسبة عالية من ملتمسي اللجوء يعانون من صدمات نفسية. وفي هذا الصدد، قال لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "أنت تتعامل مع أناس يعانون من اكتئاب شديد ولديهم احتياجات متعددة".

من جانبه، قال جاميلتوفت هانسن أن هناك أدلة تشير إلى أنه من غير المرجح أن تستثمر شركات القطاع الخاص في خدمات الرعاية الاجتماعية للمحتجزين، بل وحتى في الخدمات الأساسية التي ربما كانت كفيلة بمنع حدوث أعمال الشغب في جزيرة مانوس. وأضاف: "ببساطة نحن لا نعرف ماذا يعني دافع الربح من الناحية العملية نظراً لغياب الشفافية".


منطق الخصخصة يوحي بأن الدول يمكن أن تنأى بأنفسها عن المسؤولية ببساطة من خلال استبدال الشركة المعنية

وقالت إيري أوهتاني من "المنتدى المعني بعمليات الاحتجاز"، وهي شبكة تضم 30 منظمة غير حكومية تعمل في القضايا المتعلقة باحتجاز المهاجرين في المملكة المتحدة، أن نحو نصف مراكز احتجاز المهاجرين في المملكة المتحدة، التي يبلغ عددها 11 مركزاً، تدار بوسطة شركات من القطاع الخاص، والظروف في هذه المراكز ليست بالضرورة أسوأ من المرافق التي تديرها الدولة. وقالت لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن هناك نظاماً ومراقبة جيدة بشكل عام في تلك المراكز. ولكن تعليقاً على قضية جيمي مبينجا والمزاعم المتعلقة بالاعتداء الجنسي في مركز يارل وود، قالت: "ما اكتشفناه أن هناك فشلاً من قبل الحكومة في تحديد المسؤولية عندما ترتكب أخطاء في شركات الأمن الخاصة".

من جهته، قال بول باور من مجلس اللاجئين في أستراليا، حيث تم تسليم جميع مرافق الاحتجاز الخاصة بالمهاجرين لشركات أمنية خاصة منذ أكثر من عشر سنوات، أن لدى الوكالات الحكومية وشركات الأمن الخاصة سجل مختلط فيما يتعلق بمعاملة المحتجزين الراغبين في الهجرة: وقال لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن "نظم المساءلة المطبقة هي الجانب الأهم في الموضوع... هناك نظم مطبقة في أستراليا، ولكن أعتقد أنها غير مقبولة".

قوة التأثير على القرارات

وبالنسبة لبعض الناشطين في مجال حقوق المهاجرين، يعتبر الجانب الأكثر إثارة للقلق في عملية التحول إلى القطاع الخاص لمراقبة الهجرة هو كيف أنها ساعدت في دفع الاتجاه العالمي نحو زيادة تجريم المهاجرين. ويوجد لدى المملكة المتحدة الآن حوالي 4,000 سرير خاص في مراكز احتجاز المهاجرين (بمعنى مساحات مخصصة في مراكز الاحتجاز) مقارنة بـما بين 200 و300 سريراً قبل 15 عاماً، وتحتجز ما يقرب من 30,000 من طالبي اللجوء والمهاجرين سنوياً ممن لا يحملون وثائق.

وفي السنوات العشرين الماضية، شهدت الولايات المتحدة أيضاً توسعاً هائلاً في مراكز احتجاز المهاجرين، ولديها الآن 34,000 سرير بتكلفة تصل إلى حوالي 2 مليار دولار في السنة. وتدير شركات الأمن الخاصة مثل "جيو جروب" و"سي سي ايه" ما يقرب من نصف هذه الأماكن. وفي حين تزعم جماعات حقوقية ومؤسسات إعلامية مختلفة أن هدفها هو التأثير على سياسات الهجرة والاعتقال، أخبر ستيف أوين، المتحدث باسم "سي سي ايه" شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن الشركة "لا تقوم بأي شكل من الأشكال بوضع أو الضغط أو الترويج لسياسات تحدد أسس أو مدة حبس أو احتجاز الفرد".

وأكدت ميشيل برانيه، مديرة برنامج الاحتجاز واللجوء في "لجنة المرأة لللاجئين"، ومقرها في نيويورك، أن "تلك الشركات هي أدوات ضغط هائلة". وأضافت: "نحن نعلم أنهم يقومون بزيارات دورية لمكاتب الكونجرس ولديهم حافز واضح للتعاقد على احتجاز المهاجرين".

وقال ميلر أنه فيما يتعلق بالأفراد، "هناك باب دوار بين قطاعات [الأمن] الخاص والعام "في المملكة المتحدة، وهو الأمر الذي يتيح للإدارة العليا في شركات الأمن الكبرى سبلاً لممارسة الضغوط وإقناع نظرائهم الحكوميين بزيادة العمليات التي من شأنها أن تزيد من استخدام خدمات تلك الشركات في رصد، واحتجاز وترحيل المخالفين لقواعد الهجرة، بما في ذلك طالبي اللجوء الذين ترفض طلباتهم.

وأكدت أوهتاني من "المنتدى المعني بعمليات الاحتجاز، الذي يدعو إلى إجراء مناقشات أكثر علنية بشأن تنامي عمليات احتجاز المهاجرين في المملكة المتحدة: "إذا نظرتم إلى من يقدمون المشورة لبعض من هذه الشركات الخاصة، ستجدون عدداً من الوزراء السابقين".

من جانبه، يشير جاميلتوفت-هانسن أنه بمجرد أن تتجه الحكومات إلى خصخصة مراقبة الهجرة، فإنه من الصعب جداً عكس الاتجاه بسبب فقدان الخبرات والقوى العاملة في القطاع العام. وعلى الرغم من أن الإدارات المرشحة في المملكة المتحدة وأستراليا على حد سواء، قد وعدت بالتخلي عن خصخصة مراكز الاحتجاز، إلا أنها انتهت إلى منح مزيد من العقود لشركات الأمن الخاصة بعد توليها مهام مناصبها. إنه "ما نطلق عليه تأثير الإحتجاز ] أي الاستمرار في الاعتماد على مقدم الخدمة[" بحسب تعبير جاميلتوفت-هانسن الذي حذر قائلاً: "مع مرور الوقت، سوف تمتلك هذه الشركات الخاصة قدراً أكبر من المعرفة المتخصصة في كيفية أداء تلك المهام وسوف تبدأ على نحو متنام في تحديد المعايير واتجاهات السياسات العامة".

ks/rz-kab/dvh