عمال الإغاثة يتكيفون مع العنف المتزايد في لبنان

قبل بضعة أسابيع، تلقى مدير أمن إحدى الجمعيات الخيرية في لبنان مكالمة هاتفية لا شخص في تلقي مثلها أبداً. قال صوت على الطرف الآخر: تم اختطاف إحدى موظفاتنا. كانت عند نقطة تفتيش منذ ساعة واحدة ولم يسمع أحد عنها شيئاً منذ ذلك الحين".

في نهاية المطاف تبين أن الذعر كان في غير محله، وأن الموظفة اتخذت منعطفاً غير متوقع ونسيت أن تبلغ عن تغيير اتجاهها، لكن هذا الموقف يوضح الصعوبات التي تواجه العمل في بلد يعاني من عنف متزايد.

فقد شهد لبنان في المتوسط انفجار سيارة ملغومة واحدة كل أسبوع حتى الآن في عام 2014، وتركزت غالبيتها في ضواحي العاصمة بيروت. وغالباً ما كان الجناة المزعومون ينتمون إلى مجموعات تابعة لتنظيم القاعدة ويستهدفون في كثير من الأحيان المناطق التي يسيطر عليها تقليدياً حزب الله، وهو حزب سياسي شيعي يقاتل في سوريا لنصرة الرئيس بشار الأسد. بالإضافة إلى ذلك، حدثت سلسلة من جرائم الخطف في السنوات الأخيرة، في حين تعاني طرابلس، ثاني أكبر المدن اللبنانية، من حرب أهلية منخفضة المستوى.

وبالنسبة لبلد حظي بفترة من السلام النسبي منذ عام 2007 وحتى أواخر عام 2012، كان تنامي العنف على مدار الأشهر الـ18 الماضية شديداً، مع وجود مخاوف من تجدد الحرب الأهلية التي مزقت البلاد خلال الفترة من عام 1975 حتى عام 1990.

في الوقت نفسه، فر مئات الآلاف من اللاجئين السوريين من الحرب الأهلية في البلد المجاور (سجلت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين حتى الآن أكثر من 935,000 لاجئ سوري في لبنان). وفي محاولة للتكيف مع هذا التدفق، سارعت معظم المنظمات الإنسانية في البلاد إلى توسيع نطاق عملياتها. فعلى سبيل المثال كان لدى المجلس الدنماركي للاجئين (DRC)، وهو أكبر المنظمات غير الحكومية العاملة في البلاد، 15 موظفاً في لبنان عندما بدأت الأزمة السورية في أوائل عام 2011، أما حالياً، فقد تجاوز عدد موظفيه الـ500 شخص.

وقد شكلت محاولة إدارة هذه الزيادات الضخمة في حجم العمليات وفي نفس الوقت ضمان أمن الموظفين تحدياً يتطلب استجابات متزايدة التعقيد. وكانت الخطوة الأولى هي زيادة فرق الأمن الخاصة بتلك المنظمات. وحتى عام 2012، لم تكن المنظمات غير الحكومية تستعين بخبراء أمن دوليين، ولكن أصبح هذا النهج متبعاً في معظم المنظمات غير الحكومية الرئيسية الآن.

وبشكل مؤسسي أكثر، كان هناك توجه لتحسين تبادل المعلومات. وفي هذا الإطار، بادرت المنظمات غير الحكومية الدولية وكذلك هيئات الأمم المتحدة وأصحاب المصلحة المحليون بتشكيل كيان مشترك باسم لجنة الأمن والسلامة في لبنان (SSCL).

وتم تشكيل اللجنة رسمياً بعد اغتيال مسؤول أمني كبير في أواخر عام 2012، واتخذت شكلها الرسمي في شهر يوليو الماضي عندما تلقت تمويلاً إضافياً (حتى يوليو 2014). وتضم اللجنة الآن أكثر من 50 عضواً، وتعمل على أساس مبادئ إطار إنقاذ الأرواح معاً الذي تأسس في عام 2006 ويسعى إلى تحسين التنسيق بين مختلف المنظمات غير الحكومية الدولية ومنظمات الأمم المتحدة.

وقال لورانس تاكر-غاردينر، مدير لجنة الأمن والسلامة في لبنان، أن مبادئ تبادل المعلومات الأمنية بين المنظمات غير الحكومية نجحت في مناطق الصراع الأخرى - لاسيما في أفغانستان والصومال وباكستان. ويعتقد تاكر-غاردينر أنه على الرغم من أن المناخ الأمني في لبنان مثير للقلق، إلا أن عدم التورط المباشر في الصراع من قبل الأطراف الدولية الفاعلة يجعل الوضع أقل خطورة بالنسبة للعاملين في المنظمات غير الحكومية.

وأضاف قائلاً: "لم تخفض المنظمات أنشطتها في أي منطقة لا تزال بها حاجة [إلى الخدمات]. ويرجع ذلك إلى أن السمة الغالبة على هذا الصراع أنه غير مباشر. وعلى هذا النحو، فإن أكبر خطر يواجه الأعضاء هو الأضرار الجانبية، ولذلك فمن السهل جداً وضع استراتيجيات للتغلب على هذه المشكلة".

الطائفية في طرابلس


وقد اتخذ الصراع في طرابلس صبغة طائفية على نحو متزايد في السنوات الأخيرة، حيث تشتبك الأغلبية السنية في منطقة باب التبانة مع الأغلبية العلوية - وهي فرع من الإسلام الشيعي - في منطقة جبل محسن المجاورة. وقال مدير الأمن في إحدى الجمعيات الخيرية: "بشكل عام نحن نعرف الطائفة التي ينتمي إليها سائقونا، ولا نحاول إرسال السنة إلى جبل محسن أو الشيعة إلى باب التبانة. قبل بضعة سنوات، لم نكن بحاجة لاتخاذ مثل هذه الإجراءات".

من جانبه، أوضح تاكر-غاردينر أن سلسلة تفجيرات السيارات في الضاحية الجنوبية لمدينة بيروت والبقاع الشمالي في الأشهر الأخيرة لم تترتب عليها هجمات انتقامية فورية، وبالتالي فقد انخفض تأثير العنف على عمل المنظمات غير الحكومية.

وعلى الرغم من هذا، بدأت المنظمات في تقليص عملياتها في لبنان. وأضاف تاكر-غاردينر قائلاً: "تقوم معظم المنظمات بترشيد عملياتها. إذا كان بمقدورنا إقامة فعالية ما في عمّان أو لارنكا أو اسطنبول، لن نكون مضطرين لعقدها في بيروت وتعريضهم لمخاطر لا داعي لها".

الأمل في الأفضل والاستعداد للأسوأ

وفي منتصف فبراير، تجمعت الطبقات السياسية اللبنانية أخيراً لتشكيل حكومة جديدة - بعد 11 شهراً من دون حكومة. وقد بعث هذا بعض الأمل في أن يتحسن الوضع الأمني خلال الأشهر المقبلة.

ولكن على الرغم من بارقة التفاؤل الصغيرة هذه، قال تاكر-غاردينر أن المنظمات تتأكد من استعدادها لأسوأ الاحتمالات، مضيفاً: "لقد قمنا ببعض النشاطات المتعلقة بزيادة القدرات مع الأعضاء الذين يدرسون استراتيجيات وصول بديلة، في حال حدوث تدهور سريع. وتشمل هذه الاستراتيجيات توظيف المزيد من الموظفين المحليين [ليحلوا محل الأجانب]، وبناء قدرات منظمات بديلة، والتفاوض بشأن اتفاقات الوصول".

وأعرب تاكر-غاردينر عن اعتقاده بأن عمال الإغاثة لن يكونوا من الأهداف الرئيسية في الأشهر المقبلة، ولكن أي أحداث غير متوقعة يمكن أن تؤدي إلى زيادة طفيفة في العنف مع احتمال اندلاع اشتباكات مباشرة بين الميليشيات المتنافسة، وهذا من شأنه أن يتسبب في زيادة كبيرة في المخاطر.

jd/jj/cb-ais/dvh

"