آمال المصالحة - وجهة نظر من تمبكتو

كريس سيمبسون
صحفي مستقل مقره في داكار، ومساهم منتظم في إيرين

يأمل سكان تمبكتو، عاصمة مالي الثقافية، أن تتمكن المدينة من الاستفادة من تاريخها الطويل في مجال التسامح الثقافي لرأب الصدع الذي يشوب العلاقات الاجتماعية المتوترة جراء الاحتلال الإسلامي الذي دام 10 أشهر، والذي لا تزال المجتمعات العربية والطوارق متهمة بالتحريض عليه.

أوضح هوداي الحاج محمد، وهو مسؤول حكومي كبير من الطوارق، في كتابه* عن الاحتلال الإسلامي الأخير لتمبكتو، أن حركات التمرد المتعاقبة على مر السنين أدت إلى موجة من التمييز والعداء ضد الطوارق والعرب الذين يعيشون في مالي. وأضاف أن هذا "نوع من النبذ يمكنك أن تراه في النظرات المليئة بالكراهية والاتهامات التي يواجهونها".

ويقول أحد سكان تمبكتو الذي قدم نفسه باسم محمد فقط لأنه يشعر أحياناً بعدم الثقة من جانب المجتمعات الأخرى، ويلمح إلى أن المنظمة التي تمثل الطوارق شكلياً، وهي الحركة الوطنية لتحرير مالي (MNLA)، مسؤولة عن الكثير من الأزمات. وقد استولت الحركة الوطنية لتحرير مالي على أجزاء من شمال البلاد بعد انقلاب مارس 2012 في العاصمة باماكو، قبل أن يطيح بها الإسلاميون في وقت لاحق.

وتساءل محمد قائلاً: "هل سألوا الناس إن كانوا يريدون حركة تمرد؟ لم يكن هناك تشاور. بل تركونا لنجني حصاد ما زرعوه".

وقد تعرض الإسلاميون للهزيمة وأُجبروا على التراجع على أيدي القوات الفرنسية، التي تدخلت في يناير 2013 عندما بدأ المتمردون التقدم نحو باماكو.

ولكن سالم ولد الحاج، الذي يبلغ من العمر 73 عاماً وهو مدرس متقاعد، حذر من تبسيط الفسيفساء العرقية المعقدة في تمبكتو، حيث قال: "لا توجد انقسامات عرقية كبيرة هنا. لم يكن لدينا فصل عنصري هنا أبداً؛ فالناس يصلون معاً، ويدرسون معاً، ويسافرون معاً. اذهب إلى الأسواق وسوف ترى التجار ذوي البشرة البيضاء والسوداء يعملون جنباً إلى جنب. عُد إلى التاريخ وسوف تجد أن هذا الوضع مستمر منذ القرن الرابع عشر".

المصالحة ليست سهلة

وعلى الرغم من طرد الإسلاميين بعيداً عن المدن الشمالية، إلا أن أعمال الخطف والتفجيرات الانتحارية لا تزال تشكل تهديداً.

وقد أصبح التركيز الآن على المصالحة والتنمية. ويتحدث سكان تمبكتو عن التقارب بين مختلف الطوائف وتجري حالياً إعادة إدماج العائدين.

ولكن العديد يسألون أيضاً أسئلة صعبة عن التواطؤ والقصاص. وينتاب الماليين من جيل معين شعور قوي بأنهم عانوا من هذه المشكلة من قبل.

يتذكر عبد الحميد مايغا، الذي يدير منظمة غير حكومية محلية باسم العمل والبحوث لتنمية المبادرات المحلية، مراسم حرق البندقية في تمبكتو عام 1996، التي أعقبت اتفاق السلام بين باماكو والطوارق. "كان كل شيء مؤثراً للغاية. ولكن ماذا حدث بعد ذلك؟ لا شيء".

ويرى عبد الحميد مايغا أن استعادة الثقة لن تتم بسهولة. "تاريخنا يضم [أجناساً مختلطة]، من أناس يعيشون معاً ويتزاوجون فيما بينهم. هذا هو الحال بالنسبة لـ 75 بالمائة من الناس هنا. تعال إلى بيتي، وسوف تجد عربياً أبيض تربطني به صلة دم. هذه هي تمبكتو".

لكن مايغا أفاد أن هناك حوادث خرجت من رحم الأزمة ولا يمكن التغاضي عنها ببساطة. وأضاف قائلاً: "إنه وضع صعب. ينبغي علينا أن نتحدث عن هذه الأمور، وأن ننسى. على سبيل المثال، تم نهب مكتبنا وفقدنا السيارة وأجهزة الكمبيوتر. وأنا أعرف من فعل ذلك. كانوا أصدقاء لي، ولن أنسى ذلك - ولن ينسوه هم أيضاً، ولكن هل يعني هذا أننا لا نستطيع أن نعيش معاً؟"

وأكد أيضاً أن إهمال المشاكل الكامنة التي ساهمت في تفجير التمرد سيؤدي فقط إلى زيادة ترجيح اندلاع تمرد جديد.

وبينما يتم تدشين نداءات لتقديم المزيد من المساعدات إلى مالي، قال مايغا أن من واجب الحكومة والشعب أن يضمنا إنفاق المال بشكل جيد واقتلاع الفساد على جميع المستويات. وشدد على أهمية إشراك الشباب من كافة الطوائف في عملية إعادة البناء عندما تخرج تمبكتو من أزمتها.


"يأتي الكثير من الشباب إلى مكتبنا، وكثير منهم مؤهلون تأهيلاً جيداً ويبحثون عن عمل. نفعل كل ما في وسعنا، في محاولة لمساعدتهم في العثور على وظائف. ولكن مشكلة [البطالة] مستمرة، وإذا لم يتم حلها، سنواجه خطراً واضحاً يتمثل في انهيار كل شيء".

استراتيجية

ترأس دياديه حمدون مايغا لجنة الأزمات في تمبكتو خلال حكم الإسلاميين، وقام بالتنسيق مع قيادة المتمردين. أما الآن، فيعمل كصانع سلام محلي، ويقوم بتوجيه الاجتماعات بين المجموعات المختلفة في تمبكتو.

وأعرب عن خيبة أمله في نهج الحكومة في مجال المصالحة الوطنية. وينتقد بشكل خاص أحداثاً مثل المشاورات بشأن الاستقرار في الشمال (assises du nord)، التي عُقدت في باماكو في نوفمبر 2013، ويؤكد أنها لم تمثل جميع الطوائف وهيمن عليها الشماليون المقيمون في باماكو.


توجد انقسامات عرقية كبيرة هنا. لم يكن لدينا فصل عنصري هنا أبداً؛ فالناس يصلون معاً، ويدرسون معاً، ويسافرون معاً

وأفاد أن "الدولة لا تملك الخبرة ولا تتمتع بالحساسية اللازمة لإدارة هذا النوع من الحوار. إنها لا تعرف عادات وتقاليد الشعب. لا يمكنك أن تصنع وجبة إذا كنت لا تعرف المكونات. ينبغي على الدولة ببساطة أن تدعم أولئك الذين يعرفون كيفية صنع السلام".

يتبع حمدون مايغا نهجاً محلياً أكثر، ويعتمد على الزعماء الدينيين وممثلي المجتمع المحلي لمخاطبة مجموعاتهم. ويقول أن هذا يمكن أن يسهم في خلق مناخ من السلام و"الحديث مع الانفتاح الحقيقي حول ما حدث، وما هو مقبول وما هو غير مقبول".

"كانت هناك ثورات من قبل، لكنها كانت ضد الدولة. لم يتم التعرض لمعظم السكان. ما حدث هذه المرة كان أشد تأثيراً بكثير. فقد قُتل مدنيون عاديون، وهوجموا في منازلهم، وشاهدوا نهب كل ممتلكاتهم. عندما يأتي إليك شخص بعد ذلك، لن تكون هناك ثقة أو حب، بل ستكون هناك كراهية. يجب أن نحصل على الصدق والعدالة. نحن بحاجة إلى أدلة، وليس إشاعات. نحن بحاجة إلى العفو عن الجرائم الصغيرة والاعتذارات الصادقة،" كما قال.

التعلم من الماضي

ونظراً لقلة الأدلة على وجود حوار حقيقي بين الحكومة والحركة الوطنية لتحرير مالي، كان هناك قدر كبير من التكهنات حول اتفاقات السلام السابقة، لا سيما الميثاق الوطني لعام 1992، وسبب عدم إفضائها إلى تسوية دائمة.

وقد ظهرت حجج مختلفة، منها أن الاستثمارات الموعودة في الشمال لم تتحقق أو اختُلست، وأن المتشددين الطوارق لم يؤمنوا أبداً باتفاق السلام وانتظروا ببساطة حتى حانت اللحظة المناسبة لإطلاق حركة تمرد جديدة، وأن الحكومة أساءت إدارة شؤون المناطق الشمالية وانخرطت في تكتيكات عسكرية قمعية وخالفت الوعود التي قطعتها على نفسها، وأن الإسلاميين وصلوا إلى المنطقة بأجندتهم الخاصة، فلوثوا طرق التجارة وشوهوا العلاقات بين الطوائف.

ولا يزال هناك خلاف حول تفسير الأحداث الأخيرة في تمبكتو.

وعلى الرغم من أن حمدون مايغا يتحدث عن أهمية وجود حوار شامل، فإنه يحذر من أن العديد من الماليين لن يستطيعوا تحمل الحلول التي تشارك فيها الحركة الوطنية لتحرير مالي. وقال: "اسأل الناس هنا وسوف يقولون أن هذه هي الحركة التي فتحت الباب على مصراعيه للمتطرفين".

وأضاف أن "الحركة الوطنية لتحرير مالي لا تمثل الطوارق في مالي بل هي مجموعة صغيرة من الأفراد الذين اقتربوا من السلطة. هناك فجوة كبيرة بين ما يقولونه والواقع على الأرض".

من جانبه، قال الحاج بابا حيدرة العضو السابق في البرلمان عن تمبكتو: "لم تنشب حرب أهلية هنا أبداً"، مضيفاً أن التهديد الرئيسي أتى من الخارج، وليس من مالي.

المضي قدماً

وقال حيدرة أن الوقت قد حان لضمان توجيه الأموال إلى تمبكتو لمحو آثار عقود من الإهمال. "كان لدينا الكثير من الناس الذين كونوا ثروات لأنفسهم وليس للمنطقة. إذا تم تخصيص المال لإنشاء طريق، يجب إنشاء طريق".

لكنه حذر من أن الدعم الاقتصادي يجب أن لا يتحول إلى هيمنة، وأن الماليين يجب أن يصنعوا السلام بأنفسهم. وأعرب عن شكوكه في أن تقرر الأمم المتحدة توسيع عمل البعثة المتكاملة المتعددة الأبعاد لتحقيق الاستقرار في مالي (MINUSMA).

وأضاف قائلاً: "نحن لسنا أفغانستان، ولا نحتاج إلى هذا النوع من التدخل. لقد أخبرت مسؤولي الأمم المتحدة بنفسي أنهم إذا ظلوا هنا لأكثر من عام، سيكونون قد فشلوا".

cs/ob/rz-ais/dvh

* المدينة المقدسة في ظلام الجهادية