حلول جديدة لأزمات النزوح الممتدة في أفغانستان

رحبت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بالسياسة الجديدة التي أعلنت عنها الحكومة الأفغانية قبل أسبوعين في كابول، بوصفها آلية لإيجاد المزيد من الحلول الأكثر استدامة لنحو 620,000 نازح فرّوا من ديارهم بسبب الصراع.

ويأتي هذا الإنجاز عقب مشاورات استغرقت أكثر من عام. ومع ذلك يعترف مسؤولون في مجال الإغاثة أن الجزء الأصعب لم يأت بعد، وذلك في ظل سعي الحكومة، بمساعدة من وكالات الإغاثة، لوضع هذه السياسة الجديدة موضع التنفيذ.

وفي هذا الصدد، قال آيدان أوليري، رئيس مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) في أفغانستان: "لا يريد النازحون داخلياً المساعدات الإغاثية في حالات الطوارئ، كالبطانيات والمأوى والغذاء وما إلى ذلك، وإنما يريدون حلولاً دائمة لهذا الوضع".

وتواجه السياسة الجديدة المعنية بالنازحين داخلياً واقعاً صعباً، تجلت مظاهره في الآونة الأخيرة في نزوح المزارعين المتضررين من الجفاف والصراع من إقليمي غور وبادغيس، الذين فرّوا إلى مدينة هيرات غرب البلاد. وفي حين يرغب مسؤولو الحكومة المحلية في عودة النازحين داخلياً إلى ديارهم بسرعة، إلا أن الكثير من النازحين يفضلون البقاء.

وأضاف أوليري: "أعتقد أن الجانب الرئيسي في سياسة النازحين داخلياً التي ظهرت هي هذا الضغط باتجاه التوصل لمجموعة أوسع من الحلول عن مجرد العودة إلى المكان الذي جاؤوا منه، لأن نمط التحضر قد أثبت أنه كلما زادت هجرة الأشخاص إلى المراكز الحضرية، زاد ميلهم إلى عدم العودة إلى المناطق الريفية".

لا يوجد خطط للمغادرة أو خطط للبقاء

ومثل العديد من موجات النزوح الداخلي السابقة، لا توجد لدى 1,700 أسرة التي وصلت إلى مدينة هيرات منذ شهر أكتوبر خططاً للمغادرة، وفقاً للمقابلات التي أجرتها شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) في ثلاثة مواقع مختلفة في المدنية ومحيطها. ولكن لا توجد لدى السلطات المحلية أيضاً خطط لاستقرار النازحين داخلياً.

والجدير بالذكر أنه تم الآن نقل معظم النازحين داخلياً إلى بلدة سعدات، التي تقع على بعد نحو 35 كيلومتراً غرب مدينة هيرات، حيث يمكثون في منازل يملكها لاجئون عائدون من إيران. وتقع تلك المنطقة تحت إشراف الهيئة الوطنية الأفغانية لإدارة الكوارث، وهي وكالة حكومية تتمتع بموارد جيدة، وذلك في إطار مرحلة طوارئ تستمر لمدة ثلاثة أشهر.

وفي هذا الصدد، قال عبد الحميد مبارز حميدي، الرئيس الإقليمي للهيئة الوطنية الأفغانية لإدارة الكوارث: "عندئذ ستحتاج الحكومة لوضع خطة لهؤلاء الناس".

وفي السياق ذاته، قال موظف رفيع المستوى في الإغاثة الأفغانية، لم يكن مخولاً له التحدث علناً، لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "عندما تسأل عما حدث عقب ثلاثة أشهر، عادة ما يقال لك إنه قضاء وقدر".

وعلى الرغم من أن النازحين قد فرّوا خلال فترة جفاف واسع النطاق، إلا أنهم عزوا السبب في نزوحهم إلى انعدام الأمن. وكما أنهم يقولون أنهم لا يتوقعون أن يصبح المكان آمناً في الأشهر المقبلة بدرجة كافية تسمح بعودتهم.

ولا شك أن السلطات المحلية تنزعج من سماع مثل هذه الأسباب لأن المدينة تستضيف بالفعل مجموعات من النازحين داخلياً لفترة طويلة ممن نزحوا إلى مدينة هيرات منذ أكثر من عقد من الزمن.

وينظر الكثير من سكان مدينة هيرات إلى النازحين داخلياً بشكل سلبي. وتوضيحاً لهذا الأمر، قال حميدي: "هناك وجهتا نظر حول النازحين...الأولى هي رد فعل عاطفي- أنه يجب علينا مساعدة إخواننا المسلمين. والثانية أن هؤلاء الأشخاص هم السبب في جميع المشكلات التي تقع في هيرات وأن الظروف المعيشية جيدة هنا وجميع حالات الاختطاف والاتجار بالمخدرات يرتكبها هؤلاء الأشخاص".

وتهدف السياسة الجديدة المعنية بالنازحين داخلياً إلى إشراك كافة الوزارات والدوائر الحكومية في التنسيق والعمل معاً لحل القضايا المتعلقة بالنازحين داخلياً، بدلاً من تركها لإدارة شؤون اللاجئين والعودة إلى الوطن والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

من جانبهم، يحذر العاملون في المجال الإنساني من أن هناك عدداً من القضايا التي ينبغي أن تخضع للنقاش والدراسة بمجرد القبول بأنه من غير المحتمل أن يكون النزوح في إقليمي غور وبادغيس قصير الأجل.

وعلى الرغم من أنه بمجرد انتهاء فصل الشتاء، سيتم إعادة فتح المدارس، إلا أنه لا توجد استعدادات كافية على ما يبدو لتلبية احتياجات الأطفال النازحين داخلياً، الذين يقيمون بعيداً عن مدارس المدينة. إضافة إلى ذلك، يجب أن يتم البدء فوراً في تيسير وتخطيط الاحتياجات اللازمة لتلك الأسر التي تريد العودة. وأخيراً، فإن الموقع الحالي في بلدة سعدات هو ملكية خاصة، وقد تم اختياره كمأوى مؤقت فقط.

ويرى العديد من العاملين في مجال الإغاثة أن المسؤولين الحكوميين يكتفون على ما يبدو بوضع حلول مؤقتة وقصيرة الأجل في تعاملهم مع قضايا النزوح الداخلي. ولذلك، يترقب العاملون في المجال الإنساني كيف سيتم تنفيذ السياسة الجديدة المعنية بالنازحين داخلياً على أرض الواقع.

وفي سياق متصل، قال قادر رحيمي، مدير البرنامج الإقليمي في اللجنة المستقلة لحقوق الإنسان في أفغانستان: "لا أتوقع أن يحدث تغير كبير خلال الأشهر الثلاثة المقبلة...فهذه ليست المرة الأولى التي تحدث فيها عملية نزوح – إنها عملية مستمرة منذ 20 عاماً. مع ذلك، فلم يتحمل أحد المسؤولية! بل يجري التركيز كله على العمل الخيري وعلى أن هناك حكومة غنية تقدم المساعدة، وليس على ضرورة أن تتحمل الحكومة مسؤوليتها على نحو جاد".

وفي نهاية مرحلة الطوارئ التي تستمر لمدة ثلاثة أشهر، من المتوقع أن تتراجع المساعدات الإنسانية المقدمة للنازحين داخلياً في إقليمي غور وبادغيس، ومن المتوقع أن تبدأ مزيد من الأسر في البحث عن سبل للعودة إلى مدينة هيرات بحثاً عن عمل.

أضواء المدينة المبهرة

ومن بين الأمور الرئيسية من أجل توفير حلول عملية للنازحين داخلياً هو القبول بأنهم يشكلون جزءاً من عملية أوسع نطاقاً من الهجرة الحضرية وأن المدينة توفر لهم حياة أفضل.

وعلى الرغم من أن ثلاثة أرباع الأفغان يعيشون في مناطق ريفية، إلا أن 40 بالمائة من النازحين داخلياً يعيشون في المناطق الحضرية، حيث يمتلكون سبلاً أفضل للحصول على الوظائف والخدمات الحكومية الأساسية، ويمكنهم أن يكونوا أقرب إلى "أفغانستان الحديثة"، على حد وصف أحد عمال الإغاثة.

وتعليقاً على أهمية تلبية احتياجات النازحين في مناطقهم الأصلية، قال أوليري: "أعتقد أنه الاعتراف بأنهم يعيشون حياة أفضل عن المكان الذي أتوا منه...أعتقد أنه ينبغي التعامل مع هذا الواقع الموضوعي، الذي يتمثل في ما يبحث عنه النازحون أنفسهم، هذا هو الأمر الذي يجب أن يكون في صلب هذا النهج. لأنه إذا لم نلب احتياجاتهم، فإنهم بالتأكيد، قد ينتقلون بشكل مؤقت، لكنهم سوف يعودون مرة أخرى".

وعندما تطول فترة النزوح، يصبح من الصعب التمييز بين النازحين الجدد وبين موجات النزوح السابقة، بل وبينهما وبين المجتمع المحلي. وتواجه جميع الفئات احتياجات إنسانية مزمنة بسبب فشل جهود التنمية ونتيجة قرابة أربعة عقود من الحرب.


وعلى الرغم من أن الدستور الأفغاني يكفل للمواطنين العيش حيثما يريدون، إلا أن النازحين داخلياً على المدى الطويل لازالوا يجدون أنفسهم مصنفين حسب نزوحهم، وذلك بسبب عدم الرغبة المستمرة من جانب الحكومة في تسهيل اندماجهم في المجتمع.

وفي هذا الصدد، قال قادر رحيمي، مدير البرنامج الإقليمي في اللجنة المستقلة لحقوق الإنسان في أفغانستان: "لازلنا نسمي النازحين داخلياً منذ عشرين عاماً نازحين- وهذا يحدث حتى الآن رغم أننا ننتقل للجيل التالي. ينبغي أن تكون هناك محددات... إلى متى يظل النازح داخلياً نازحاً؟ خلال الـ 20 عاماً الماضية، تعاقبت علينا ما بين ثلاث إلى أربع حكومات ولم تتغير احتياجات النازحين على الإطلاق. النازحون في المكان ذاته، ولن يعودوا. فلماذا لا توجد خطة لهم؟"

حلول دائمة

وقال مواطن أفغاني يعمل في مجال المعونة أن أول رد فعل عندما وصل النازحون من إقليمي غور وبادغيس إلى مدينة هيرات كان أنه "يجب أن يتم إعادة هؤلاء الأشخاص".

وهناك توقعات بأن تقود السياسة الحكومية الجديدة المعنية بالنازحين داخلياً، حال تنفيذها، إلى وضع حلول أكثر عملية للنازحين. ويتطلع العاملون في المجال الإنساني إلى خطة عمل تفصيلية للمساعدة في تنفيذ هذه السياسة. مع ذلك، فقد تركوا لتوفير المساعدات الإنسانية الطارئة في حين لا تزال القضايا الأساسية الكامنة وراء التخلف الإنمائي تتسبب في حدوث موجات جديدة من النزوح.

وتعليقا ًعلى أهمية توفير حول جذرية، قال أوليري: "المشكلة هي أننا لا نعالج الأسباب الجذرية والقضايا الأساسية... هناك تقدم لا يمكن إنكاره في مجال التنمية، لكنه لا يسير بوتيرة كافية لعلاج المشكلات القائمة هنا".

ولم تكن موجة الجفاف التي ضربت وسط أفغانستان في العام الماضي غير عادية، حيث قال نايجل جنكينز، المدير القطري للجنة الإنقاذ الدولية: "إنها إحدى تلك الحالات الإنسانية التي ترجع أسبابها الجذرية إلى غياب التنمية. فإذا حدثت تسع حالات جفاف في السنوات الـ 13 الماضية، فلا بد أن تكون قد عرفت أن سبب المشكلة هو الماء، ومن ثم أن استخدام الري كطريقة لإدارة الأراضي هو الحل الأفضل بدلاً من البحث عن حلول كل عام لحالة الجفاف".


هذه ليست المرة الأولى التي تحدث فيها عملية نزوح – إنها عملية مستمرة منذ 20 عاماً. مع ذلك، فلم يتحمل أحد المسؤولية! بل يجري التركيز كله على العمل الخيري

وأضاف: "أعتقد أن هناك الكثير من هذه الأمور تحدث في أفغانستان، وأرى أنه من الإنصاف القول أن هناك نقصاً في التنمية على مدار السنوات الماضية، وهو ما يؤدي إلى الأزمة الإنسانية الحالية".

وقد أصبحت المنظمات الإنسانية الآن أفضل قدرة على الاحتفاظ بمخزونات الطوارئ بالقرب من أولئك الذين قد يحتاجون إليها. ويوجد لدى المنظمة الدولية للهجرة 21 مستودعاً في 15 موقعاً في جميع أنحاء أفغانستان، ولكنها لا تزال بحاجة إلى معلومات دقيقة عن الاحتياجات المحلية. ويشتكي عمال الإغاثة من عدم الرصد الدوري ومن غياب التفكير الاستراتيجي في الأسباب التي تدفع السكان للنزوح.

ويرى البعض أن انعدام الأمن، من بين عوامل أخرى، هو مؤشر على عدم فهم الديناميات المحلية المؤثرة في أقاليم مثل غور. ويضاف إلى ذلك عدم الاهتمام الكافي باحتياجات سكان تلك المناطق.

من جانبه، تساءل رحيمي: "لماذا لا تهتم الحكومة بقضايا النازحين داخلياً وهم يعيشون في أقاليمهم؟ لماذا لا تُبدي وكالات المعونة الدولية اهتماماً عندما ينزح الأشخاص داخل إقليمهم؟ ولماذا ينبغي عليهم الانتقال إلى مسافات طويلة لكي يحصلوا على كسرة خبز؟"

ويرى أن تقديم مساعدات أفضل وعلى نحو أسرع، وتنفيذ برامج تنمية أوسع نطاقاً، يمكن أن تساعد في تقليص موجات النزوح، أما بعد أن يغادر النازحون المناطق الريفية التي كانوا يعيشون فيها، فسوف تقل فرص عودتهم إليها مرة ثانية.

وختاماً، قال رحيمي: "لقد تركوا كل شيء ورحلوا. وبعد عام، تكون منازلهم المبنية من الطين قد انهارت، ونظام الري قد تدهور والمزارع أصبحت في حالة سيئة، والأشجار قد قطعت. وإذا ما عادوا، فلن يجدوا شيئاً مما تركوه باقياً. وبالتالي، فإنهم يقاومون العودة بشدة".

jj/rz-kab/dvh