يوناثان هابتي، ناج من الاتجار بالبشر: على الأقل، إذا توفيت لن يستمر هذا العذاب""

في مارس 2012، قرر يوناثان هابتي*، الذي كان يبلغ من العمر في ذلك الوقت 26 عاماً، الفرار من إريتريا حيث كان قد تهرب من الخدمة العسكرية وكان معرضاً للسجن. ونظراً لخبرته في مجال هندسة الكمبيوتر، كان واثقاً من أنه يستطيع بناء حياة جديدة في بلد أفريقي آخر. ولكن بدلاً من ذلك، تم اختطافه بالقرب من الحدود السودانية وتهريبه إلى مصر، حيث بالكاد نجا بحياته بعد قضاء ثلاثة أشهر في معسكرين مختلفين في منطقة سيناء التي لا تخضع لسيطرة القانون، بالقرب من الحدود الإسرائيلية. وتحدث إلى شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) عبر الهاتف من السويد قائلاً.

"كانت خطتي لا تتعدى مغادرة إريتريا في أسرع وقت ممكن. فبعد انتهاء الدراسة الجامعية، من المفترض أن تنضم إلى الجيش، لكنني رفضت. كنت أعمل في العاصمة بشكل غير قانوني لأنني لم أكن أحمل تصريحاً. وكان عدد قليل من أصدقائي قد اختفوا واعتقدت أنني سأكون التالي. كانت خطتي مجرد الخروج من هناك، بغض النظر عن الوجهة، ولكن بما أنني ولدت في السودان، ويمكنني أن أتحدث العربية، قررت أن أذهب إلى هناك.

كنت أعرف مخاطر الاختطاف، ولهذا السبب لم ألجأ إلى مهرب واخترت الاعتماد على نفسي وعلى بعض أصدقائي. عندما وصلنا بالقرب من كسلا [في شرق السودان]، حاول بعض الرشايدة (رجال القبائل المحلية) الامساك بنا، ولكننا كنا ستة رجال وقاومناهم. ثم نقلتنا [السلطات] من كسلا إلى مخيم الشجراب للاجئين.

كان الأمن مفقوداً هناك. كان الرشايدة قادرين على القدوم والرحيل كما يحلو لهم، وكان حراس الأمن فاسدين حتى أنهم كانوا يتعاونون معهم. وبعد ثلاثة أسابيع، وبينما كنت أجمع الحطب مع رفاقي في السكن في صبيحة أحد الأيام داهم [الرشايدة] المخيم.

جاءوا في ثلاث سيارات وتمكنوا من الامساك بي وبرجلين آخرين. ضربونا، بطبيعة الحال، وأخذونا إلى مكان ما شمال كسلا، حيث انضم إلينا إريتريون آخرون كانوا قد اختطفوهم.

ثم انتقلوا بنا شمالاً حيث انضم إلينا المزيد من الإريتريين. وبعد بضعة أيام كان لديهم عدد كاف من الناس لتكوين "دفعة"، وبدؤوا رحلة نقلنا. وقالوا أنهم سيرسلوننا إلى إسرائيل.

أرسلوني مع حوالي 30 شخصاً آخرين إلى سيناء. وعند الحدود، سلمونا إلى بعض المصريين الذين كانوا على متن قارب صغير لتوصيلنا عبر النيل إلى مدينة تسمى أسوان. ثم استخدموا شاحنة كبيرة لنقل الدواجن لتقلنا عبر قناة السويس. وبمجرد دخولنا إلى سيناء، تم توزيعنا على المهربين، وأخذوني مع 12 آخرين إلى معسكر التعذيب حيث طلبوا 3,500 دولار [لإطلاق سراحي].


أرغمونا على الاتصال بعائلاتنا في الوطن مرتين أو ثلاث مرات يومياً، وفي كل مرة كانوا يضربوننا حتى يسمع أفراد عائلاتنا صراخنا. ساهم بعض الأصدقاء والأقارب في جمع 3,500 دولار، وبمجرد الانتهاء من تحويل النقود، وضعونا في سيارة وباعونا لمهرب آخر. ثم طلب هذا الرجل 30,000 دولار. قال أنه دفع مبلغاً كبيراً لشرائنا وأنه يتوقع تحقيق ربح.

كان المعسكر الثاني أسوأ حالاً. لا يعطونك الكثير من الطعام، مجرد قطعة واحدة من الخبز طوال اليوم فتصبح ضعيفاً للغاية ويستمرون في ضربك كل يوم. كانوا يتناوبون على ضربنا. وكان الضرب يزداد أثناء الاتصال بالوطن، ولكنه كان مستمراً. كان معنا ثلاث نساء وكانت إحداهن حاملاً، ومع ذلك استمروا في ضربها.

كانوا يضربوننا بالسياط ويعلقوننا من أقدامنا، أو معاصمنا، ويقطرون البلاستيك المنصهر على أجسادنا. وبعد نحو أسبوع، توفي أحد الأشخاص الذين اختطفوا معي. وأنا نفسي كنت في حالة سيئة للغاية. كانوا قد كسروا معصمي في المعسكر الأول، وأحكموا ربط سلسلة على كاحلي حتى انغرست في جسدي. كان نظري في حالة سيئة وكنت لا أكاد أستطيع الوقوف.

ولأن إشارة [الهاتف الخليوي] الإسرائيلية كانت لا تزال تعمل في منطقة سيناء، كانوا يجعلونك تتصل بأي إريتري تعرفه في إسرائيل لكي يرسل إليك رصيداً [للهاتف الخليوي] حتى يتسنى إجراء مكالمات دولية. وبمجرد حصولك على رصيد، يجعلونك تتصل بالوطن كل يوم، و[بالأهل والأصدقاء في] أوروبا والولايات المتحدة، لا يهمهم المكان الذي تتصل به. كل ما يهمهم هو الحصول على أموالهم.

لم أكن أتوقع أن تتمكن عائلتي من جمع 30,000 دولار، ولذلك فقدت الأمل. وحاولت الانتحار عن طريق قطع وريدي بسلك، ولكنه كان قديماً ويكسوه الصدأ ولذلك لم تنجح محاولتي. كان أحد المترجمين إريترياً وطلبت منه أي نوع من السموم لكي تساعدني على الموت، لكنه رفض. كنت اتخيل أمي وهي تتلقي تلك المكالمات ولكنها لا تملك المال المطلوب لدفعه، ولا تعرف ماذا تفعل. على الأقل، إذا توفيت، لن يستمر هذا العذاب لشهور طويلة.

مكثت هناك لمدة ثلاثة أشهر وكنت ضعيفاً جداً في تلك المرحلة حتى أنني كنت فاقد الوعي معظم الوقت، وكنت أهذي. وعندئذ تمكن أصدقائي وأقاربي من جمع مبلغ 30,000 دولار. لقد حذرتهم من دفع سنت واحد إلا إذا سمعوا صوتي لأنني كنت أتوقع أن أموت في أي يوم، ولكنهم في نهاية المطاف جمعوا المال وأرسلوه عن طريق حوالة نقدية.

كنت ضعيفاً لدرجة عدم القدرة على المشي. وكانت يداي قد تعرضتا لتلف بالغ في ذلك الوقت لأنهم علقوني لفترة طويلة جداً من معصمي. وفقدت الإحساس في يدي وكان اللحم قد بدأ يتساقط من عظامي في كلتا يدي. أعطوني لرجل بدوي آخر كان مسؤولاً عن عبوري من مصر إلى إسرائيل.

لم يكن قاسياً مثل الآخرين، بل حاول أن يساعدني ونصحني بالبقاء في سيناء لبضعة أسابيع حتى أستعيد قوتي قبل عبور الحدود، لكنني رفضت. فأرسلني مع حوالي 150 لاجئاً آخراً، معظمهم من الإريتريين وبعض السودانيين. حاولت أن أمشي، ولكنني انهرت بعد بضعة أمتار وحملني الآخرون بقية الطريق.

تمكنا من الوصول إلى إسرائيل وبمجرد أن قابلنا بعض الجنود، أرسلوني إلى المستشفى حيث مكثت لمدة ثلاثة أشهر. اتصلت بعائلتي وأخبرتهم أنني على قيد الحياة، ولكنني لم أخبرهم عن إصابة يدي. لقد فقدت معظم أصابعي، ولا استطيع تحريك الأصابع الباقية كثيراً، ولذلك فإنها عديمة الجدوى إلى حد كبير. أخبروني أنهم فعلوا كل ما في وسعهم، ولكنني بحاجة إلى عملية جراحية أكثر تعقيداً.

أرسلوني إلى مأوى في بتاح تكفا، [شرق تل أبيب]، وبقيت هناك لمدة سنة وبضعة أشهر. كان ينتابني شعور فظيع، وعلى الرغم من أنني كنت سعيداً بكوني على قيد الحياة، فإنني شعرت بأنه ربما كان من الأفضل أن أموت، لأنني الآن أعتمد على الآخرين. لقد اعتمدت دائماً على نفسي وكرهت أن أطلب المساعدة من الآخرين، والآن أجد نفسي في هذا الموقف. وكأن التعذيب الذي تعرضت له في سيناء يتكرر مرة أخرى.

في إسرائيل، كانوا يعتبرون الأشخاص مثلي متسللين، بغض النظر عن عدد المرات التي رويت فيها ما حدث لي. لم تكن لدينا فرصة لتقديم طلب لجوء فور وصولي، وقانون مكافحة التسلل يسمح للحكومة باعتقال أي شخص لمدة تصل إلى ثلاث سنوات. وهذا ما أصابني بالاكتئاب حقاً، لأنني كنت ضحية، ولكنهم عاملوني كمجرم.

أردت أن أرحل ولكن لم يكن لدي جواز سفر، ولا أستطيع أن أذهب إلى السفارة الإريترية لأنني عارضت الحكومة قبل الفرار. ولم يكن لدي مال أيضاً. لا تزال عائلتي مثقلة بديون ضخمة، ولا تكاد تستطيع البقاء على قيد الحياة، ناهيك عن مساعدتي.

كنت أتحدث إلى العديد من الصحفيين حول ما حدث لي، وبهذه الطريقة التقيت ببعض الناشطين الذين جاءوا إلى إسرائيل مع وفد في عام 2013. ووجهوا لي دعوة للتحدث أمام البرلمان الأوروبي فوافقت. وهكذا، جئت أنا وصديقي إلى بروكسل في ديسمبر [2013].

قررنا المجيء إلى السويد، ونحن الآن في خضم عملية التماس اللجوء. يبدو أن هذا فصل جديد في حياتي. أريد إجراء عملية جراحية ليدي. لقد أنعم الله علي بطريقة ما، لأنني حتى عندما كنت في إسرائيل، قابلت بعض الأفراد الذين أرادوا مساعدتي، ولذلك فإنهم يحاولون جمع 200,000 دولار [لدفع تكاليف عملية جراحية]. لدي بعض المتبرعين في ألمانيا. فكرت في طلب اللجوء هنا أولاً، ومن ثم الذهاب لإجراء الجراحات إما في ألمانيا أو في الولايات المتحدة".

*ليس اسمه الحقيقي

ks/he-ais/dvh
"