القتل العلني يسلط الضوء على انتقال السلطة في جمهورية أفريقيا الوسطى

أثارت جريمتا قتل ارتكبتا على مرأى ومسمع من وسائل الإعلام وقوات حفظ السلام الفرنسية في جمهورية أفريقيا الوسطى في نهاية هذا الأسبوع تساؤلات حول الأمن وتوازن القوى في العاصمة بانغي.

وكان صحفيون من شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) ووسائل الإعلام الأخرى حاضرين عندما قُتل رجلان وأُحرقت جثتيهما في دوار بشارع بوغاندا في القسم الجنوبي من المدينة يوم 19 يناير.

وكانت دورية تابعة للجيش الفرنسي مصحوبة بعربة مدرعة، وهي جزء من بعثة سانغاريس لحفظ السلام، متواجدة أيضاً في مكان الحادث، على الرغم من أنه ليس من المؤكد ما إذا كانت عملية القتل التي شهدتها شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) وغيرها من الصحفيين مرئية بوضوح لهؤلاء الجنود، أو كان الدخان والحشد يحجبان رؤيتهم.

ارتكبت جريمتا القتل في حوالي العاشرة صباحاً، بعد أن قامت مجموعة من الشبان بإغلاق الطريق المؤدي إلى الدوار بالحجارة وإطار محروق.

وقال أحد المارة، الذي فضل عدم ذكر اسمه، أن الشباب كانوا يحتجون لأنه في اليوم السابق، "خطف المسلمون سائق سيارة أجرة وأعدموه في منطقة الكيلومتر الخامس"، وهو حي يتركز به المسلمون.

وأضاف أن "المسلمين يتهمون سائقي سيارات أجرة معينين بتسليم المسلمين إلى مواطني أفريقيا الوسطى لإعدامهم".

وتجدر الإشارة إلى أن السيليكا، وهو تحالف من المتمردين ذي الأغلبية المسلمة، استولى على السلطة في بانغي في شهر مارس من العام الماضي. وتصاعدت حدة العنف بين أعضاء سابقين في تحالف السيليكا (تم حل التحالف بشكل رسمي، ولكن ليس على نحو فعال) والمجموعات غير المسلمة منذ ذلك الحين.


المشكلة الأولى، التي لا تزال قائمة، هي ما يجب القيام به حيال أعضاء السيليكا السابقين. والمشكلة الثانية هي كيفية منع المزيد من العنف بين الطوائف، وهذا يعني أن تكون قادراً على حفظ الأمن في بانغي

وقد أدت الهجمات العشوائية من قبل ميليشيات غير مسلمة تُعرف باسم مكافحة البالاكا (الترجمة التقريبية لهذا المصطلح هي "الذي لا يقهر") والعمليات الانتقامية التي قام بها أعضاء سابقون في تحالف السيليكا إلى مقتل 750 شخصاً على الأقل في بانغي في أوائل ديسمبر، واستمر وصول الضحايا إلى المستشفى الرئيسي في المدينة بمعدل 20 ضحية يومياً في المتوسط، كما أفادت منظمة أطباء بلا حدود في الأسبوع الماضي.

من جانبها، حثت منظمة العفو الدولية في 20 يناير، الرئيسة المؤقتة الجديدة كاثرين سامبا-بانزا، التي تولت منصبها في ذلك اليوم، على كبح جماح ميليشيات مكافحة البالاكا التي أصبحت "خارج السيطرة" وتدفع المسلمين حالياً إلى الفرار بأعداد كبيرة.

وأشارت المنظمة غير الحكومية إلى أن الأحياء المسلمة في بوالي، التي تبعد 80 كيلومتراً إلى الشمال الغربي من العاصمة، فارغة، وإلى ورود تقارير عن فرار المسلمين بأعداد كبيرة أيضاً من مدن بوسيمبيلي وياكولي وبويالي، فضلاً عن العديد من القرى الصغيرة والعديد من الأحياء المحيطة بالعاصمة بانغي.

وفي حوالي الساعة التاسعة والنصف من صباح يوم 19 يناير، تقدم حشد يتكون من عشرات الأشخاص في شارع بوغاندا نحو دورية للجيش الفرنسي، الذي كان يتمركز على بعد حوالي 100 متر من الدوار.

وتوقفت مجموعة من الرجال على بعد حوالي 50 متراً من الدورية وبدا أنهم يضربون شخصاً ملقى على الأرض. وبعد ذلك بوقت قصير، تم إطلاق طلقات تحذيرية وتقدمت الدورية لتفريق الغوغاء الذين تراجعوا إلى شارع جانبي.

وبعد حوالي 15 دقيقة، عادت نفس المجموعة إلى الدوار، حيث وضع بعض الشباب إطاراً آخر على بعد حوالي 30 متراً من مركبة مدرعة فرنسية. ثم ألقوا جثة على الإطار، وسكبوا عليها البنزين وأشعلوا فيها النيران. وبعد مرور بعض الوقت، جروا ضحية أخرى نحو الإطار، وضربوه حتى الموت ثم أحرقوه. لم تتدخل قوات حفظ السلام، التي كانت قد تلقت تعزيزات، في هذه المرحلة.

وفي تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، قال روبرت ديموبينغا، وهو أحد شهود العيان، أن الضحية الأولى كان قد استوقف على دراجته النارية في الدوار وسُئل عما إذا كان يعرف شيئاً عن مقتل سائق السيارة الأجرة، وما إذا كان قد شارك في الجريمة.

"قال أنه لم يكن يعرف شيئاً عن ذلك، وبعد ذلك أعدموه بعد أن ضربوه بشدة"، كما أفاد ديموبينغا.

وقال أحد المارة الذي فضل عدم ذكر اسمه: "قتلوه لأنهم وجدوا قائمة بأسماء شباب من أفريقيا الوسطى في جيبه".

ورداً على سؤال عن ما فعلوه بتلك القائمة، قال أنهم أحرقوها "لأنهم كانوا غاضبين".

وقال المقدم توماس مولار، المتحدث باسم سانغاريس، لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن الدورية تمكنت من إنقاذ شخصين من الحشد في ذلك اليوم، لكنها لم تتمكن من إنقاذ رجل ثالث.

وقد استجابت سانغاريس لحادث خطير آخر في اليوم نفسه، عندما تم استدعاء دورية لحماية حوالي 1,000 مسلم كانوا قد لجؤوا إلى كنيسة في بلدة بوالي التي تبعد حوالي 90 كيلومتراً عن بانغي. تم الإبلاغ عن مقتل أربعة أشخاص هناك، وربما يكون تدخل البعثة قد منع خسائر أكبر بكثير في الأرواح.

ومن الجدير بالذكر أن الكاهن الكاثوليكي في بوالي فتح أبواب الكنيسة للمسلمين، متحدياً تهديدات ميليشيات مكافحة البالاكا.

ضعف التجهيزات


قال تييري فيركولون، المحلل في مجموعة الأزمات الدولية في بانغي، معلقاً على الحادث الذي وقع في شارع بوغاندا، أن قوات سانغاريس لحفظ السلام "غير مجهزة لإدارة الحشود" لأنها لا تملك رصاصاً مطاطياً أو غازاً مسيلاً للدموع كما أنها غير مدربة على هذا الدور.

وأضاف أن بعثة الدعم التابعة للاتحاد الأفريقي في جمهورية أفريقيا الوسطى (MISCA) تضم وحدة شرطة، ولكنها قليلة العدد وغير مجهزة أيضاً لتنفيذ مهمتها.

والجدير بالذكر أن القوات التشادية المشاركة في بعثة الدعم التابعة للاتحاد الأفريقي في جمهورية أفريقيا الوسطى تعرضت لانتقادات شديدة في شهر ديسمبر الماضي بسبب فتحها النار على حشود عنيفة في بانغي. ومنذ ذلك الحين، يتوارى التشاديون عن الأنظار، كما أفاد فيركولون.

وأضاف أنه في هذه الأثناء، تغير الوضع الأمني في بانغي، نظراً لانتزاع السلطة من أيدي أعضاء تحالف السيليكا السابقين.

وأوضح فيركولون أن "أعضاء السيليكا السابقين كانوا يديرون المكان" حتى منتصف ديسمبر، لكنهم منذ ذلك الحين محتجزين في ثكناتهم وتم تجريدهم من أسلحتهم بموجب نظام مراقبة تنفذه قوات حفظ السلام.


وعلى الرغم من أن بعض المدنيين أبلغوا عن وجود بعض أعضاء السيليكا السابقين في أحيائهم، إلا أنه لا يبدو أنهم يسيطرون على أي طرق رئيسية في وضح النهار. كما أعدمت مجموعات الغوغاء عدداً من المشتبه في أنهم من مقاتلي السيليكا السابقين في الأسابيع الأخيرة.

وقال المتحدث باسم سانغاريس المقدم سيباستيان بيليسييه مؤخراً أن أعضاء السيليكا السابقين لا يسببون متاعب أكثر من الميليشيات الأخرى، وأنهم محتجزون على نحو فعال في ثكناتهم.

وفي حين أنه من المؤكد تقريباً وجود مسلمين مسلحين في بعض الأحياء، يُعتقد أن العديد من المقاتلين المسلمين الآخرين قد رحلوا عن بانغي.

من ناحية أخرى، تم اجلاء حوالي 18,000 مسلم، معظمهم تشاديون، إلى تشاد، بينما رحل آخرون من بانغي للذهاب إلى السودان والكاميرون والمحافظات المجاورة في جمهورية أفريقيا الوسطى.

ونتيجة لذلك، حدث انخفاض في قوة نيران أعضاء السيليكا السابقين، ولكنه جعل المدنيين المسلمين أيضاً أكثر عرضة لعنف الغوغاء.

وعلى الرغم من تحسن الوضع الأمني في بانغي، تواصل ميليشيات مكافحة البالاكا وغيرها من الجماعات المناهضة للمسلمين مهاجمة المدنيين المسلمين، وفي الأونة الأخيرة تلقت وسائل الإعلام دعوة لمشاهدة رجل تم تصويره أثناء التهامه للحم بشري، كما حدث في 19 يناير وقبل ذلك بأسبوع، وقال للصحفيين أنه كان لحم قتيل مسلم.

ويرى فيركولون أن "المشكلة الأولى، التي لا تزال قائمة، هي ما يجب القيام به حيال أعضاء السيليكا السابقين. والمشكلة الثانية هي كيفية منع المزيد من العنف بين الطوائف، وهذا يعني أن تكون قادراً على حفظ الأمن في بانغي".

إعادة تجميع شبكة الأمن

ومنذ استقالة الرئيس المؤقت ميشيل جوتوديا، بدأت إعادة تجميع عناصر الشرطة والدرك والجيش في جمهورية أفريقيا الوسطى، الذين كانوا في السابق لا يذهبون إلى أعمالهم نظراً لخوفهم الشديد من أعضاء السيليكا السابقين.

وفي السياق نفسه، أعدت الجهات المانحة مشروعاً لإعادة فتح مراكز الشرطة، ولكن فيركولون أفاد أن هذا المشروع لا يمكن تنفيذه إلا من خلال التعاون الوثيق مع الحكومة الجديدة، والتي يجري تشكيلها حالياً بعد انتخاب سامبا-بانزا.

وخلال حوار مع هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) حول القوات الأفريقية والفرنسية المنتشرة في جمهورية أفريقيا الوسطى، قالت سامبا-بانزا أن "الأعداد الحالية ليست كافية لاستعادة الأمن والنظام".

يوجد حالياً 1,600 جندي فرنسي في جمهورية أفريقيا الوسطى، كما تم نشر 4,400 آخرين من مختلف البلدان الأفريقية، ومن المتوقع وصول عدة مئات من الجنود قريباً من الاتحاد الأوروبي.

ومن المخطط أن تقوم أجهزة الأمن في جمهورية أفريقيا الوسطى بتسيير دوريات مشتركة مع قوات حفظ السلام.

في الوقت نفسه، قد يتدهور الوضع الأمني في الولايات. وذكر برنامج الأغذية العالمي في 19 يناير أن موظفي الأمم المتحدة وأسرهم في بلدة بوار لجؤوا إلى مجمع برنامج الأغذية العالمي، وأن القتال بين أعضاء السيليكا السابقين وميليشيات مكافحة البالاكا اندلع من جديد في بلدة سيبوت، بعد عدة أيام فقط من عقد مصالحة بين المجموعتين بوساطة عمدة البلدة.

لا أحد منا يريد البقاء هنا. لا يمكننا الذهاب إلى أي مكان في بانغي. نحن محاصرون

وفي 17 يناير، تم الإبلاغ عن هجوم بقنبلة يدوية على قافلة للمسلمين في بوار أسفر عن مقتل 10 أشخاص وإصابة 50 آخرين بجروح.

السيناريو الأسوأ

وقد غادر عشرات الآلاف من المسلمين، معظمهم من الأجانب، جمهورية أفريقيا الوسطى خلال الشهرين الماضيين. وتشير تقديرات المنظمة الدولية للهجرة، التي تساعد في عمليات الإجلاء، إلى أن المسلمين يشكلون حوالي 15 بالمائة من سكان البلاد البالغ عددهم 5 ملايين نسمة.

في أسوأ سيناريو، يمكن أن تصبح نسبة كبيرة من المسلمين في جمهورية أفريقيا الوسطى هدفاً للعنف الطائفي.

من جهته، أشاد جاك سيورت، منسق عمليات المنظمة الدولية للهجرة في جمهورية أفريقيا الوسطى، بدعم سانغاريس وبعثة الاتحاد الأفريقي في جمهورية أفريقيا الوسطى لقوافل الإجلاء في بانغي، ولكنه علق قائلاً أنه لا يعتقد أن البعثتين لديهما ما يكفي من القوات لحراسة عمليات إجلاء المسلمين من المناطق الداخلية.

مع ذلك، فقد أشار إلى أن القوات التشادية تقوم بحراسة القوافل البرية التي يصل قوامها إلى 2,000 شخص في كل قافلة.

ودعا التشاديون وبعض مواطني جمهورية أفريقيا الوسطى المنحدرين من أصل تشادي، الذين تجمعوا في مطار بانغي للسفر على متن رحلة جوية إلى تشاد في 19 يناير، سانغاريس وبعثة الاتحاد الأفريقي في جمهورية أفريقيا الوسطى إلى توفير مزيد من الحماية. وأثنى العديد منهم على الوحدة البوروندية في بعثة الاتحاد الأفريقي في جمهورية أفريقيا الوسطى، قائلين أنهم يقومون بعمل جيد.

وأكد أحد الأشخاص أن "البورونديون يحمون شعبنا ولا ينزعون سلاحهم عندما ينسحبون، في حين أن البعض الآخر ينزع سلاحهم وأحياناً يجبرهم على العودة باتجاه أعدائهم".

وكانت المجموعة التي تم اجلاؤها في 19 يناير تتكون كلها تقريباً من اللاجئين من تشاد أو من يعولونهم. وبعد مشاورات مع مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، قرروا أن العودة إلى تشاد أقل خطراً من البقاء في جمهورية أفريقيا الوسطى. وقالت المفوضية أنها ستراقب الوضع للتأكد من عدم تعرضهم للاضطهاد في تشاد.

وكان من بين اللاجئين شاباً اسمه محمد آدم، الذي قال أن عمه بشير كان أحد الرجلين اللذين تم إحراقهما في شارع بوغاندا في صباح ذلك اليوم.

وأخبر شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أنه كان مع عمه في صباح ذلك اليوم قبل أن يذهب بشير لتحصيل دين كان مستحقاً له في السوق.

وأضاف أن عمه "قُتل في طريق عودته، وأنا متأكد من أن الأشخاص الذين قتلوه كانوا يعرفونه".

وأكد قائلاً: "لا أحد منا يريد البقاء هنا. لا يمكننا الذهاب إلى أي مكان في بانغي. نحن محاصرون".

nl/rz-ais/dvh