الفساد يضعف سبل العيش في غرب أفريقيا

تعاني الخدمات العامة الضعيفة في العديد من دول غرب أفريقيا إضافة إلى مؤشرات التنمية البشرية المتدنية بالفعل، ضغوطاً مستمرة جرّاء استشراء الفساد. ويقول المراقبون أن الفساد يضعف الحكم الرشيد ويدفع بأعداد متزايدة من سكان تلك الدول في براثن الفقر.

وتعليقاً على هذا الوضع، قال هارولد إيدو، المدير التنفيذي لمعهد البحوث والتنمية الديموقراطية في العاصمة الليبيرية مونروفيا: "إذا أردنا أن نرى أثر الفساد على الجانب الإنساني... فعلينا أن ننظر إلى الأطفال الذين يقطعون أميالاً إلى مدارسهم سيراً على الأقدام لأنه لعدم توفر نظم للنقل العام".

وأضاف قائلاً: "يمكنك أيضاً مشاهدة النساء والأمهات اللائي يلدن ويتوفين نظراً لعدم وجود العقاقير الأساسية أو المعدات في المستشفيات أو الأخصائيين الصحيين المؤهلين أو المدربين. كما أنك تدرك أن الكثير من الفقراء من شعبنا لا يستطيعون الحصول على المياه الصالحة للشرب".

وفي هذا الإطار، أدرج مؤشر الفساد الذي أعدته منظمة الشفافية الدولية، وهي منظمة رقابية عالمية، المزيد من دول غرب أفريقيا ضمن قائمة الدول الأكثر فساداً في عام 2013 عن العام السابق وذلك بسبب التداعيات الناجمة عن حالة عدم الاستقرار السياسي في بلدان مثل مالي وغينيا وغينيا- بيساو.

من بين الأشكال الأكثر شيوعاً للفساد، الرشوة، وتزوير الانتخابات، وصفقات العقود المشبوهة مع الشركات المتعددة الجنسيات العاملة في قطاع الموارد الطبيعية، وتحويلات الأموال غير المشروعة إلى خارج الدول. وترى منظمة الشفافية الدولية أن 90 بالمائة دول أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى فاسدة.

وعلى الرغم من أن المنطقة تضم 11 بالمائة فقط من إجمالي سكان العالم، إلا أنها تتحمل 24 بالمائة من العبء العالمي للأمراض. كما أنها تنوء بعبء أمراض ثقيلة مثل فيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز والسل والملاريا، في الوقت الذي تفتقر فيه إلى الموارد اللازمة لتوفير الخدمات الصحية الأساسية، وذلك وفقاً لمؤسسة التمويل الدولية.


 لا شك أن الفساد يؤثر على التنمية التقليدية والتنمية المستدامة في غرب أفريقيا، وما من شك في أنه يؤثر في أغلب الأحيان على الفئات الأفقر والأضعف في المجتمع

كما تقول المنظمة أن ما يقرب من نصف الوفيات في العالم من الأطفال ممن هم دون سن الخامسة تحدث في أفريقيا، التي يوجد بها أيضاً أعلى معدل للوفيات النفاسية. وقال بيير لاباكو، ممثل مكتب الأمم المتحدة المعني بمكافحة المخدرات والجريمة لمنطقة غرب ووسط أفريقيا أن الآباء يضطرون في بعض الأحيان لدفع رشاوى لإلحاق أطفالهم بالمدارس الجيدة.

وأضاف أنه "لا شك أن الفساد يؤثر على التنمية التقليدية والتنمية المستدامة في غرب أفريقيا، وما من شك في أنه يؤثر في أغلب الأحيان على الفئات الأفقر والأضعف في المجتمع".

تهريب الأموال غير المشروعة

وقد تم تحويل زهاء 1.3 تريليون دولار بصورة غير مشروعة إلى خارج أفريقيا خلال العقود الثلاثة الماضية وذلك بحسب تقرير صدر عن منظمة النزاهة المالية العالمية (GFI)، وهي منظمة تعمل على رصد التدفقات المالية غير المشروعة وتتخذ من واشنطن مقراً لها.

من أمثلة ذلك أن صناعة النفط في نيجيريا تواجه ادعاءات بالفساد أدّت إلى شكاوى من الإهمال وتمرد من قبل السكان في المناطق الجنوبية المُنتجة للنفط. وأشار تقرير أولي صدر في مايو عام 2013 عن مبادرة الشفافية في الصناعات الاستخراجية في ليبيريا إلى أن جميع العقود التي تم إبرامها منذ 2009 قد انتهكت اللوائح.

وتعليقاً على هذا، قال إيدو المدير التنفيذي لمعهد البحوث والتنمية الديموقراطية: "من الناحية الاقتصادية، عندما يتم تهريب ملايين الدولارات كل عام بسبب الفساد، فإن تأثر ذلك على المجتمع يعتبر مدمراً...إنه يضعف النمو والتنمية ورفاه شعبنا بشكل كبير".

سياسة فاسدة

وتعج العديد من الحملات السياسية في أفريقيا بإدعاءات المخالفات والممارسات الخاطئة. وفي هذا الصدد، قال تنداي ماريسا، مدير برنامج الزراعة والتدفقات المالية في مشروع صندوق أفريقيا (Trust Africa) أن "الأمر لا يقتصر فقط على كون الانتخابات عُرضة للفساد في صورة تزوير الأصوات ورصد الاحتيال، بل بالطريقة التي تصبح بها نخبنا السياسية راسخة ومتحصنة في السلطة".

وأضاف ماريسا أن "الفساد يخلق وسيلة لإدامة النظام، وإحدى الطرق التي تديم النظام هي شراء الأصوات، وهذه تؤثر فعلياً على جودة الديموقراطية"، مشيراً إلى أن الحكومة التي يُنظر إليها على أنها فاسدة لا تحظى بثقة أفراد الشعب، الذين غالباً ما تتعرض أصواتهم للإسكات أو التجاهل عند انتقاد الفساد.

ونظراً لأن الفقراء يعتمدون بشكل أكثر من غيرهم على الخدمات العامة، فإنهم ينفقون أضخم نسبة من دخلهم على دفع رشاوى للمسؤولين وحتى مديري المدارس، ومن ثم فإن الفساد يدفع الفئات الأكثر ضعفاً إلى الفقر. ففي سيراليون، يعتقد 69 بالمائة من السكان أن الشرطة فاسدة، وفي نيجيريا ترتفع هذا النسبة إلى 78 بالمائة، وذلك وفقاً للاباكو من مكتب الأمم المتحدة المعني بمكافحة المخدارت والجريمة.

تعثر حرب مكافحة الفساد

وعلى الرغم من الجهود المبذولة لزيادة الشفافية والمساءلة في جميع أنحاء القارة، فإن الحرب ضد الفساد في دول أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى آخذة في التراجع خلال العقد الماضي، وفقاً لمؤشرات الحكم في العالم 2013 التي صدرت عن البنك الدولي. وباستثناء جنوب أفريقيا وبوتسوانا، سجلت دول أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى أدنى نسبة مئوية في مكافحة الفساد في جميع أنحاء العالم.

وقال لاباكو أن "تعيين موظفي الخدمة المدنية في الخدمات [العامة] في دولة على أساس المحسوبية أو الرشوة، بدلاً من الجدارة والكفاءة، يخلق مشكلات كبيرة... والمشكلات الناجمة لا تقتصر فقط على توفر فرص عمل أقل لأولئك الذين يستحقونها، بل تقويض سيادة القانون وعرقلة النمو الاقتصادي".

وغالباً ما يؤدي الحكم الضعيف إلى إضعاف الأجهزة الأمنية، الأمر الذي قد يؤدي إلى زيادة نسب الجريمة المنظمة العابرة للحدود الوطنية والمحلية، بما في ذلك الأسلحة والاتجار بالمخدرات. كما يمكن أن يقود أيضاً إلى تقويض حقوق الإنسان. وفي هذا الإطار، قال ماريسا: "السبب في كثير من الأحيان هو فشل حكومتنا في أن تكون حارساً كفؤاً على مواردنا، ومن ذلك السماح بحدوث عمليات تسرب في داخل وخارج اقتصاداتنا".

الاستراتيجيات

لكي تنجح الحكومات في مكافحة الفساد، يجب عليها أولاً أن تدرك أن الفساد مشكلة حقيقية. وقالت ماري-إنجي كالينجا، المنسق الإقليمي لغرب أفريقيا في منظمة الشفافية الدولية: "يجب على الحكومات التأكد من أن الهياكل الوطنية المُكلفة بمكافحة الفساد تتمتع بموارد جيدة، وأن لدى الموظفين القدرة على القيام بعملهم بطريقة مستقلة، دون تدخل سياسي".

وأضافت أن "عليها أيضاً أن تضمن وجود إطار قانوني ملائم، يتسق والمعايير الإقليمية والدولية المعنية بمكافحة الفساد، وأن تقوم بتثقيف المواطنين العاديين، وتعمل على تعزيز النزاهة على المستوى الفردي".

وقال لاباكو أن هذا يمكن أن يتم من خلال إنشاء هيئة مستقلة لمكافحة الفساد، أو منح استقلال سياسي للقضاة والمدعين العامين. من جهتها، أوضحت كالينجا أنه يمكن لجماعات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية أن تساعد في وضع مدونات لقواعد السلوك وتعزيز النزاهة، والدعوة إلى تشريعات مناسبة وتبنيها، وكذلك تدريب أجهزة مكافحة الفساد.

وفي هذا السياق أيضاً، اقترح لاباكو أن يتم تمكين المواطنين للتنديد بالفساد والتماس سبل الانصاف حال وقوعهم ضحايا للفساد، ويمكن إعداد ميزانيات أكثر شفافية عن طريق إشراك الشعب في مراقبة الإنفاق العام.

وقال توم كارداموني، المدير بالإنابة لمنظمة النزاهة المالية العالمية: "الشفافية هي عامل مهم في بناء حكومات ديمقراطية تخضع للمساءلة أمام شعوبها...أعتقد أن هذا ما نحتاج إليه لوقف تدفق الأموال غير المشروعة والقضاء على هذا الفساد".

من جانبه، قال ماريسا: "إذا استطعنا خفض حجم الأموال التي نفقدها في الوقت الحالي بسبب الفساد بنحو 50 بالمائة فقط، فسوف نوفر الأموال اللازمة لإنجاز أمور مثل إحراز تقدم في التعليم أو تحسين شبكات الطرق. وبهذه الطريقة، يمكن أن نضمن عودة أطفالنا إلى المدارس، والحفاظ على نظم الرعاية الاجتماعية والتأكد من أن نظم الرعاية الصحية تعمل بشكل سليم".

jl/ob/he-kab/dvh