حقوق الملكية شحيحة بالنسبة للفلسطينيين في لبنان

"إذا طردونا، سينتهي بنا المطاف في البحر،" كما قالت زهر سيد الغضبان، التي لا تخفي لهجتها الساخرة غضباً واضحاً. وأضافت وهي تشير إلى منزل صغير بُني يدوياً وله سقف مصنوع من الحديد المموج: "ليس لدينا مكان آخر نذهب إليه إلا هنا".

وأسرة الغضبان هي واحدة من 75 أسرة تعيش في تجمع فلسطيني، أو مستوطنة غير رسمية تسمى القاسمية في جنوب لبنان، حيث تتعرض منازلهم لخطر التدمير. وعلى غرار العديد الفلسطينيين المقيمين في لبنان، والذين يقدر عددهم بنحو 280,000 نسمة، جاءت هذه العائلة إلى البلاد في عام 1948 بعد أن طردهم الإسرائيليون من ديارهم. والآن، وبعد مرور 65 عاماً، يمكن أن يواجهوا الطرد مرة ثانية.

ومن الجدير بالذكر أن القاسمية، على عكس المناطق الأخرى التي أنشأ بها الفلسطينيون منازلهم، ليست جزءاً من مخيم رسمي للاجئين تديره وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا). ويذكر أن الأونروا تدير 12 مخيماً، تعترف بها الحكومة اللبنانية كمخيمات رسمية تحت إدارة الأونروا ويتمتع سكانها بحماية من خطر الإخلاء.

في المقابل، تعيش عائلة الغضبان في واحدة من 43 مستوطنة غير رسمية مثل القاسمية تنتشر في مختلف أنحاء لبنان وتخضع لقوانين الملكية اللبنانية. وقد وجدت دراسة أجرتها الجامعة الأميركية في بيروت أن ما بين 260,000 و280,000 من الـ 425,000 فلسطيني المسجلين لدى الأونروا يقيمون في مخيمات رسمية، بينما يعيش حوالي 150,000 آخرين خارجها.

وفي عام 1948، سمح مالك الأرض للاجئين بالبقاء مقابل العمل في الحقول، ولكنهم تحولوا بشكل تدريجي إلى مجتمع دائم. والآن، يعيش بضعة آلاف من الناس هنا في بيوت تتراوح بين المنازل المشيدة بشكل صحيح والأكواخ. وقالت الغضبان: "لم يكن هناك شيء هنا عندما وصلنا سوى الأرض. لقد قمنا ببناء جميع هذه المنازل بأنفسنا".

وبعد وفاة مالك الأرض الأصلي قبل بضع سنوات، اتخذت بناته الإجراءات القانونية لإخلاء العائلات الفلسطينية، وطالبن بتدمير المنازل، وفي عام 2012، أصدرت المحكمة حكماً لصالحهن. وترفض الأسر الفلسطينية التزحزح حتى الآن، لكنها تخشى اليوم الذي ستصل فيه الجرافات. وأضافت الغضبان قائلة: "لقد عرضنا بعض المال لشراء الأرض حتى نتمكن من البقاء هنا. عرضنا كل ما نستطيع دفعه، لكنهن رفضن وقلن أن ذلك لم يكن كافياً".

وحتى لو تم قبول عرضهم، لكان من المستحيل على أصحاب الأرض بيعها بشكل قانوني للفلسطينيين الذين لا يتمتعون بالكثير من الحقوق الأساسية في لبنان. ففي عام 2001، أصدرت الحكومة اللبنانية القانون رقم 296 لتعديل قواعد ملكية الأجانب للعقارات، وعلى الرغم من أن هذا القانون لا يذكر الفلسطينيين على وجه التحديد، لكنه يحظر على "أي شخص ليس من رعايا دولة معترف بها... شراء عقارات من أي نوع"، وبالتالي فإنه يعمل على منع الفلسطينيين المقيمين في لبنان من شراء أو بيع منازلهم.

وتعتبر المخيمات الرسمية الملاذ الآمن الوحيد، لأنهم على الرغم من أنهم لا يملكون المنازل بصفة رسمية، إلا أن هناك إحساساً واسعاً بالملكية. ولكن المخيمات تعاني من الاكتظاظ الشديد، الذي ازداد سوءاً في العامين الماضيين نتيجة لتدفق أكثر من 50,000 لاجئ فلسطيني فروا من الحرب الأهلية في سوريا المجاورة.

ويعد الافتقار إلى حقوق الملكية هو جزء من الصورة القاتمة لحياة الفلسطينيين في لبنان، حيث يحظر عليهم القانون العمل في أكثر من 20 مهنة. وقد أظهرت دراسة صدرت في عام 2010 أن 37 بالمائة فقط من الفلسطينيين في سن العمل لديهم وظائف. ومن بين البلدان الخمسة التي تعمل فيها الأونروا، يستضيف لبنان أكبر نسبة من الفلسطينيين الذين يعيشون في فقر مدقع.

كما "تعاني المخيمات والتجمعات التي يعيش فيها الفلسطينيون من مشاكل خطيرة، بما في ذلك الفقر والاكتظاظ والبطالة وظروف الإقامة السيئة والافتقار إلى البنية التحتية،" حسبما ذكر زياد قمر، نائب مدير برامج الأونروا في لبنان بالإنابة، الذي أشار أيضاً إلى أن الأمور تزداد صعوبة.

ولا تقع التجمعات السكانية تحت الاختصاص المباشر للأونروا، وبالتالي فإن الوكالة لم تناصر حق الملكية للفلسطينيين على وجه التحديد. واختارت بدلاً من ذلك، المطالبة بجعل حقوق الملكية جزءاً من اعتراف أوسع بالحقوق الفلسطينية.

ولكن هناك منظمات أخرى تتخذ موقفاً بشأن هذه القضية، ففي الأسبوع الماضي، أصدر المجلس النرويجي للاجئين (NRC) تقريراً بعنوان "لا مكان مثل الوطن"، يسلط فيه الضوء على افتقار الفلسطينيين لحقوق الملكية، على أمل الضغط على الحكومة لإعادة الاعتراف بحقوق الملكية التي كانت مكفولة في وقت سابق.

من جانبها، أفادت داليا عرنكي، رئيسة البرنامج القانوني في مكتب المجلس النرويجي للاجئين في لبنان، أن القانون زاد من تهميش المجتمعات المهمشة أصلاً. وأضافت قائلة: "في نهاية المطاف، نود أن يتم إلغاء قانون عام 2001، لأنه لا يخدم غرضاً سوى انتزاع الحقوق من قسم كبير من المجتمع. فقبل عام 2001، كان اللاجئون الفلسطينيون يستطيعون شراء الأراضي وتسجيلها، ولكنهم لم يتمكنوا من ذلك بعد هذا التاريخ. هذه خطوة كبيرة للغاية".

وعلى الرغم من أن عمر هذا القانون يتجاوز عقداً من الزمن، إلا أن معظم الفلسطينيين فضلوا الانزواء بدلاً من محاولة محاربته، على أمل أنهم إذا تجاهلوا تلك التغييرات، سوف يُتركون وشأنهم. "منذ عام 2001، حدثت قراءات أولية كثيرة للقانون، ولكن لم يتم رفع الكثير من الدعاوى القانونية لاختبار عواقبه. كان الناس خائفين من القانون، وبالتالي لم يحاولوا تسجيل الملكية. إنهم لم يختبروا حدود القانون،" كما أوضحت عرنكي.

وتجدر الإشارة إلى أن الخوف من الطرد ينتاب الفلسطينيين في جميع أنحاء البلاد. فعلى سبيل المثال، لا تملك نصرة علي محمد، وهي أرملة تبلغ من العمر 69 عاماً، الأرض التي بنت عليها هي وزوجها منزلاً، والتي تقيم فيها عائلتها منذ 60 عاماً. ولم تلتق نصرة قط بالشخص الذي كان يملك الأرض قبل قدومهم، لكنها سمعت شائعات بأنهم قد يأتون لطردها.

كما أن افتقارهم لأي حقوق رسمية في ملكية الأرض يسبب توتراً بين أفراد عائلتها. فقد تزوج جميع أبنائها البالغ عددهم 11، فيما عدا ابنتها أوصاف، التي تبلغ من العمر 37 عاماً. وتريد نصرة أن ترث ابنتها المنزل، لكنها قالت: "أخشى أن يطمع أبنائي في الأرض، ولكن لديهم منازلهم الخاصة، وأوصاف بحاجة إلى مكان يأويها. أستطيع أن أكتب وصية، لكنني لا أعرف إذا كانت ستُنفذ. يمكن أن يحدث أي شيء".

وفي نوفمبر 2013، نظم المجلس النرويجي للاجئين في لبنان ندوة شارك فيها كبار المحامين والخبراء القانونيين والقضاة اللبنانيين لمناقشة الآثار المترتبة على القانون. وكانت إحدى النقاط التي يثقون في إمكانية الطعن فيها هي الميراث. فمن الناحية النظرية، يمنع قانون 2001 الفلسطينيين الذين كانوا يملكون عقارات قبل عام 2001 من توريثها بعد وفاتهم، ولكن عرنكي تعتقد أن هذا أمر قابل للمناقشة.

وأكدت قائلة: "هناك الكثير من الشائعات التي تدعي بأن من المستحيل أن ترث ]عقارات[ من عائلتك، لكننا نعتقد أنك قد تتمكن من ذلك بموجب القانون اللبناني. هناك قوانين أخرى تتعلق بالميراث ونحن نعتقد أنها تبطل هذا القانون".
jd/he-ais/dvh