دروس من تجربة آتشيه في إعادة البناء على نحو أفضل

تستطيع الدروس المستفادة من عملية إعادة الإعمار في إقليم آتشيه الإندونيسي، في أعقاب تسونامي المحيط الهندي عام 2004، أن تحسن تشكيل التأثير طويل المدى لمشاريع "إعادة البناء على نحو أفضل". ويقول خبراء أن تلك الدروس تكتسب أهمية خاصة في سياق الفلبين، حيث تعرض أكثر من مليون منزل للتلف أو الدمار من جراء إعصار هايان الذي ضرب وسط البلاد في نوفمبر 2013.

ففي 26 ديسمبر 2004 محا زلزال وتسونامي المنازل والمباني والطرق من الوجود في إقليم آتشيه الذي يقع في شمال إندونيسيا، وقتل أكثر من 167,000 شخص. وانهالت تبرعات وأموال حكومية تجاوزت قيمتها 7 مليارات دولار على آتشيه، التي كانت قد شهدت ثلاثة عقود من الحرب الأهلية، لتنفيذ أكبر مشروع إعادة إعمار في العالم النامي في ذلك الوقت.

وكان أحد الأنشطة الرئيسية لجهود الإغاثة يتمثل في إعادة بناء ما يقدر بنحو 130,000 منزل دمرها التسونامي تحت شعار "إعادة البناء على نحو أفضل" الذي ابتدعه الرئيس الأمريكي بيل كلينتون. وانتقد البعض هذا الجهد الذي أفرز مبان جديدة غير مطابقة للمواصفات.

وقال تيدي بوين، وهو مستشار بارز للمبادرة العالمية للسلامة من الزلازل ومهندس إنشائي في العاصمة الاندونيسية جاكرتا: "عندما تبني مساكن، فإن الهدف الرئيسي هو الجودة، وليس عدد المنازل السيئة وغير الآمنة".

ويحذر خبراء من أن نموذج 'إعادة البناء على نحو أفضل' - الذي صنفه برنامج الأمم المتحدة الإنمائي تحت فئة "القدرة على الصمود" - على الرغم من حسن نيته، يجب تصميمه وفقاً للاحتياجات والموارد المحلية، وإحداث توازن بين إشراك المجتمع المحلي والتوقعات والنتائج الحسنة الإدارة.

الإندفاع نحو الإغاثة

ويعتقد البعض أن إعادة الإعمار تغاضت عن الجودة بسبب طوفان الأموال ومنظمات الإغاثة التي دخلت آتشيه في أعقاب الكارثة.

وأكد بوين، الذي قام بتأليف عدة أوراق بحثية تحلل جهود إعادة البناء في آتشيه، أن "معظم الخبراء الذين أرسلتهم المنظمات غير الحكومية - الأجنبية منها والمحلية - إلى آتشيه كانوا يفتقرون إلى الخبرة في مجال إعادة الإعمار. كان بعضهم يتمتع ببعض الخبرة في مجال الإغاثة في حالات الطوارئ والمشاكل الإنسانية.... كيف يمكنك أن تتوقع أن تكون لديهم أدنى فكرة عن بناء المنازل، ناهيك عن تشييد منازل مقاومة للزلازل".

وأضاف في تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "أعتقد أن شخصاً ما في السلطة كان ببساطة جشعاً"، ووصف المقاولين غير الأكفاء الذين هرعوا للحصول على عقود إعادة الإعمار بأنهم "مرتزقة". وأشار تقرير نشرته مؤسسة بروكينجز الأمريكية في عام 2008 وكتبه مسؤولون بالبنك الدولي إلى أن "نقص الخبرة والدراية بإعادة بناء المساكن ربما كان التحدي الأكبر الذي واجه المنظمات غير الحكومية". وأوضح أيضاً أنه لم يتم تحديد أي معايير للجودة أو نوع المساكن في بداية جهود إعادة الإعمار.

وبوصفها أكبر عملية إنسانية في العالم في ذلك الوقت، شهدت إعادة إعمار آتشيه مجموعة كبيرة من التعقيدات. وقال برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن الحكومة الإندونيسية، التي قادت جهود الإغاثة، نفذت أكثر من 5,000 مشروع إعادة إعمار خاص بها، وفي نفس الوقت نسقت أكثر من 12,500 مشروع آخر شاركت فيها أكثر من 60 جهة مانحة ثنائية ووكالة متعددة الأطراف، فضلاً عن ما يقرب من 700 منظمة غير حكومية. وذكر تقرير تقييم أعدته مؤسسة آسيا أن قضايا التنسيق عرقلت كافة قطاعات الاستجابة تقريباً.

معركة تحديد "الأفضل"

وتساءل ايلان كيلمان، وهو خبير الصحة في معهد كلية جامعة لندن للحد من الكوارث والمخاطر، قائلاً: "كيف نضمن أننا لن نرفع التوقعات بشكل غير واقعي على الأرض، وفي نفس الوقت نساعد المجتمعات وفقاً لشروطها؟" وفي مقالة شارك كيلمان في كتابتها عام 2008 لتقييم "إعادة البناء على نحو أفضل" في آتشيه، قال أن "كلمة أفضل يمكن أن يكون لها تفسيرات متعددة".

وقد وصف تقرير أعده معهد التنمية الخارجية (ODI) في نوفمبر 2013 مشكلة تعريف "أفضل" بأنها "مسألة غير مريحة لم يتصدى لها المجتمع الإنساني بعد بشكل صحيح". وقالت ليليان فان زميلة الأبحاث في المعهد لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن القضية الرئيسية هي تحقيق التوازن بين التوقعات الدولية والاحتياجات المحلية الديناميكية والمتنوعة.

وأكدت فان أنه "لا يمكن فهم التحول والتحسين على أنهما 'افعل ما يأمرك به النموذج الدولي'. لا بد أن تكون على درجة معينة من المرونة وإلا فلن تنجح،" مرددة ما جاء في الورقة البحثية التي أصدرها مسؤول في منظمة المجتمعات العالمية في عام 2009، والتي استخدمت خبرة المنظمة عند إعادة بناء آتشيه للإشارة إلى أن الجهات الفاعلة الإنسانية ينبغي أن تعمل كوسطاء في المقام الأول لضمان سماع رأي المجتمعات وفي الوقت نفسه اتباع المعايير.

المشاكل والعملية


"لا يمكن أن تكون هناك حلول قبل أن تعرف المشاكل،" كما أشارت فان.

وقال كيلمان: "منذ البداية، لا ينبغي أن يكون الهدف هو النتيجة المرضية، بل يجب أن يكون أصغر من ذلك - تبادل المعلومات حول العمليات القادمة بطريقة حرة ونزيهة، وما هي التغييرات التي يمكن توقعها ومتى." وشدد على أهمية إدراج الناس، بغض النظر عن العرق أو الجنس أو الإعاقة أو العمر، من بين الخصائص الأخرى.

مع ذلك، يقول آخرون أنه على الرغم من التأكيدات بأن إعادة البناء في آتشيه أسفرت عن نتائج متفاوتة فيما يتعلق بالبنية التحتية، فإن العملية برمتها أدت إلى تحسينات دائمة هامة.

وأشارت فان إلى أن "ما تمت إعادة بنائه على نحو أفضل في النهاية لم يكن بالضرورة البنية التحتية المادية، بل كان العلاقات السياسية، التي تتسم بالاستدامة وسوف تؤدي إلى نتائج تنموية أفضل على المدى الطويل".

kk/ds/he-ais/dvh