الماشية في البلدان الفقيرة تنتج قدراً أكبر من غازات الدفيئة

تقول دراسة جديدة أن كمية غاز ثاني أكسيد الكربون المسبب للاحترار العالمي المنبعثة من الماشية التي تُربى لإنتاج اللحم والألبان في بعض البلدان الفقيرة، يمكن أن تصل إلى 100 مرة أكثر من تلك الموجودة في الدول الغنية لكل كيلوغرام يتم إنتاجه من البروتين (الحليب واللحوم).

وتعتبر هذه الدراسة، التي نُشرت اليوم في دورية وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم (PNAS)، هي أحدث تقييم شامل للطعام الذي تأكله الأبقار والأغنام والخنازير والدواجن والحيوانات الزراعية الأخرى في أجزاء مختلفة من العالم، ومقدار كفاءة تحويل هذا الطعام إلى حليب وبيض ولحوم، وكمية الغازات المسببة للاحتباس الحراري التي تنتجها.

وتجدر الإشارة إلى أن الماشية في البلدان النامية تنتج 75 بالمائة من الانبعاثات العالمية التي تصدر من تلك الحيوانات بالتحديد، و56 بالمائة من الانبعاثات العالمية التي تنتجها الدواجن والخنازير. ويرجع السبب في زيادة انبعاثات غازات الاحتباس الحراري في البلدان النامية إلى استهلاك الحيوانات لأعلاف ذات نوعية رديئة، وكمية هذا الطعام المستهلك، وسوء الحالة الصحية للحيوانات.

وقد أعد هذه الدراسة علماء في المعهد الدولي لبحوث الثروة الحيوانية (ILRI)، ومنظمة الكومنولث للبحوث العلمية والصناعية ((CSIRO والمعهد الدولي لتحليل النظم التطبيقية (IIASA).

وعلى الصعيد العالمي، وجد العلماء أن الماشية، التي تتم تربيتها لإنتاج لحوم البقر أو منتجات الألبان، هي أكبر مصدر لانبعاثات غازات الدفيئة من الماشية، وهي مسؤولة عن 77 بالمائة من إجمالي تلك الانبعاثات، بينما تعتبر الخنازير والدواجن مسؤولة عن 10 بالمائة فقط.

ويتعلق الجانب الأكثر أهمية للدراسة بكمية الأعلاف التي تستهلكها الثروة الحيوانية لإنتاج كيلوغرام واحد من البروتين، والمعروفة باسم "الكفاءة الغذائية"، وكمية الغازات المسببة للاحتباس الحراري التي تنتجها مقابل كل كيلوغرام من البروتين، والمعروفة باسم "كثافة الانبعاثات".

ومن الجدير بالذكر أنه قد تم تحديد منطقة أفريقيا جنوب الصحراء كبقعة ساخنة عالمياً من حيث انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري. وأشارت صحيفة وقائع قدمتها المؤسسات البحثية إلى أن الماشية التي ترعى في الأراضي القاحلة في إثيوبيا والصومال والسودان، على سبيل المثال، يمكن أن تطلق ما يعادل 1,000 كيلوغرام من ثاني أكسيد الكربون لكل كيلوغرام واحد من البروتين الذي تنتجه. وعلى سبيل المقارنة، لا تتعدى كثافة الانبعاثات في أجزاء كثيرة من الولايات المتحدة وأوروبا 10 كيلوغرامات لكل كيلوغرام واحد من البروتين.

العلف الرديء يطلق المزيد من الغازات

وتقدم هذه البيانات الجديدة طريقة أكثر تفصيلاً لمساعدة البلدان على إنشاء خطوط أساس للانبعاثات الخاصة بها من حيث علاقتها بقطاع الثروة الحيوانية، بالمقارنة مع الدراسات والبيانات الأخرى التي تم إصدارها في الماضي.


الماشية التي ترعي في الأراضي القاحلة في إثيوبيا والصومال والسودان، على سبيل المثال، يمكن أن تطلق ما يعادل 1,000 كيلوغرام من ثاني أكسيد الكربون لكل كيلوغرام واحد من البروتين الذي تنتجه

ومن بين غازات الاحتباس الحراري الرئيسية، يعتبر غاز الميثان (44 بالمائة) هو المسؤول عن أكبر انبعاثات المواشي، وفقاً لتقرير صادر عن منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) في وقت سابق من هذا العام ويليه غاز أكسيد النيتروز (29 بالمائة) ثم غاز ثاني أكسيد الكربون (27 بالمائة).

ويمكن استخدام وجبات غذائية وأعلاف وأساليب تغذية أفضل لخفض غاز الميثان المنبعث أثناء عملية الهضم، فضلاً عن كمية غاز الميثان وأكسيد النيتروز الناتجة عن الروث المتحلل، كما أفاد العلماء. كما يمكن لتوازن العناصر الغذائية في العلف أن يؤثر على كمية الغازات التي ينتجها الحيوان. وتقدم الدول الغنية أعلافاً أكثر توازناً من حيث مزيج المغذيات في الوقت الذي يعمل فيه العلماء على توفير أنواع مختلفة من الأعشاب لمساعدة الدول الفقيرة على خفض انبعاثات قطاع المواشي الخاص بها.

وفي سياق متصل، يعتبر توفير المزيد من المعلومات حول كيفية تأثير قطاع الثروة الحيوانية علينا أمراً بالغ الأهمية، خاصة وأنه من المتوقع أن يزيد الطلب على المنتجات الحيوانية بنسبة 70 بالمائة بحلول عام 2050.

وقد وجدت الدراسة الجديدة أن العشب هو العلف الرئيسي الذي تستهلكه الماشية في البلدان النامية (73 بالمائة) - وتلتهم الماشية الجزء الأكبر منه بفارق كبير عن الحيوانات الأخرى.

وفي تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، قال ماريو هيريرو، المؤلف الرئيسي للدراسة، والذي ترك المعهد الدولي لبحوث الثروة الحيوانية في وقت سابق من هذا العام لتولي منصب كبير العلماء الباحثين في منظمة الكومنولث للبحوث العلمية والصناعية في أستراليا أن الثروة الحيوانية في العالم النامي تطلق انبعاثات أكثر من غاز الميثان لأن "عدد الحيوانات أكبر في العالم النامي"، ولأن "ما تأكله أقل جودة، وبالتالي فإنه يطلق المزيد من غاز الميثان لكل وحدة مستهلكة من العلف".

ومن المرجح أن تستهلك البقرة في أمريكا الشمالية أو أوروبا ما بين 75 و300 كيلوغرام من المواد الجافة على أكثر تقدير لإنتاج كيلوغرام واحد من بروتين اللحوم، بينما قد تلتهم البقرة في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى ما بين 500 و2,000 كيلوغرام من المواد الجافة لإنتاج كيلوغرام واحد من اللحوم، وفقاً لصحيفة الوقائع، التي أشارت أيضاً إلى أن "الاختلافات في الكفاءة الغذائية ترجع ذلك أساساً إلى ارتفاع جودة التغذية والهضم في المراعي بالمناطق الأكثر اعتدالاً من حيث الطقس، مثل أمريكا الشمالية وأوروبا". مع ذلك، يتم حساب الكفاءة الغذائية على أساس الناتج من قطيع بأكمله، وفي أفريقيا، يساهم الارتفاع النسبي في معدلات نفوق الماشية وانخفاض معدلات الإنجاب إلى حد كبير في عدم كفاءة نظم إنتاج المواشي بشكل عام، بحسب ما جاء في صحيفة الوقائع.

ويعترف هيريرو بأنه بالنسبة لصغار المزارعين في العالم النامي، من الأسهل السماح لحيواناتهم بالرعي على العشب لأن عدداً قليلاً منهم يستطيع تحمل نفقات العلف الجيد.


الاختلافات في الكفاءة الغذائية ترجع ذلك أساساً إلى ارتفاع جودة التغذية والهضم في المراعي بالمناطق الأكثر اعتدالاً من حيث الطقس، مثل أمريكا الشمالية وأوروبا

وأضاف في رسالة بالبريد الالكتروني أن "ما نحتاج إليه هو تكثيف نظم الإنتاج الخاصة بأصحاب الحيازات الصغيرة بطريقة مستدامة. وهذا لا يعني فقط تحسين تغذية الحيوانات، ولكن يعني أيضاً تطوير الأسواق حتى يتمكن المزارعون من بيع منتجاتهم، وخلق السياسات واللوائح التي تمكن المزارعين في الأسواق الرسمية وغير الرسمية من بيع منتجات ذات جودة عالية والالتزام بلوائح الصحة وهلم جرا.

"ولتحقيق هذا الهدف، نحن بحاجة إلى الأنواع المناسبة من الاستثمارات لتطوير الأسواق وخلق حوافز للمزارعين لتكثيف أنظمتهم وانتاج المزيد من الحليب واللحوم والمحاصيل،" كما أوضح هيريرو.

وهناك أيضاً أمثلة على مدى الكفاءة التي يمكن أن يصل إليها مربو الماشية على نطاق صغير. وقد قدم جيمي سميث، مدير عام المعهد الدولي لبحوث الثروة الحيوانية، مؤخراً أمثلة على مدى تنافسية هؤلاء المزارعين في العالم النامي.

وقال موقع المعهد الدولي لبحوث الثروة الحيوانية على شبكة الإنترنت: "في شرق أفريقيا، يربي مليون شخص من أصحاب الحيازات الصغيرة أكبر قطيع منتج للألبان في أفريقيا، وينتج الأوغنديون الحليب بأقل تكلفة في العالم، كما يحقق صغار وكبار منتجي الدواجن والألبان في كينيا نفس مستويات الكفاءة والأرباح". وينتج صغار المزارعين في الهند 70 بالمائة على الأقل من الحليب المنتج محلياً.

الحاجة إلى البيانات

وأوضح هيريرو أن الفكرة من وراء هذه الدراسة هي إنتاج بيانات عن التفاعل بين الثروة الحيوانية واستهلاك الكتلة الحيوية مثل العشب والأرض والأعلاف، وتأثيره على الإنتاجية وانبعاثات الغازات والروث.

وأضاف أنه يمكن استخدام بيانات جديدة لدراسة الأبعاد الأخرى لنظم إنتاج الثروة الحيوانية - مثل الدخل والضعف والظروف الاجتماعية والتكيف مع تغير المناخ.

وأكد أن البيانات، التي تكشف الطرق المختلفة التي يلجأ إليها الناس في جميع أنحاء العالم لتربية الحيوانات، يمكن أن يسترشد بها "النقاش الدائر حول دور الثروة الحيوانية في وجباتنا الغذائية وبيئاتنا والبحث عن حلول للتحديات التي تمثلها".

وفي حين أن البيانات الجديدة سوف تساعد على تقييم استدامة نظم الإنتاج الحيواني المختلفة، يحذر مؤلفو الدراسة من استخدام أي قياس واحد كمؤشر مطلق للاستدامة، كما أشارت صحيفة الوقائع. فعلى سبيل المثال، يتم تحديد الكفاءة المنخفضة لأعلاف الماشية وارتفاع نسبة انبعاث الغازات المسببة للاحتباس الحراري في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى إلى حد كبير من خلال حقيقة أن معظم الحيوانات في تلك المنطقة لا تزال تعيش في المقام الأول على النباتات غير الصالحة لطعام البشر، لاسيما عن طريق الرعي في الأراضي الهامشية غير الصالحة لإنتاج المحاصيل، وعلى البقايا الأخرى من النباتات المتبقية على الأراضي الزراعية بعد الحصاد.

وقال فيليب ثورنتون، وهو مؤلف مشارك آخر وباحث في المعهد الدولي لبحوث الثروة الحيوانية، في بيان صحفي حول هذه الدراسة: "على الرغم من أن قياساتنا قد تجعل نوعاً معيناً من الإنتاج الحيواني يبدو غير فعال، إلا أن نظام الإنتاج قد يكون هو الأكثر استدامة من الناحية البيئية، والأكثر إنصافاً أيضاً من حيث استخدام تلك الأرض".

الخنازير والدواجن مقابل الماشية والأغنام

ويمكن لواضعي السياسات تبني خيارات مدروسة تستند إلى البيانات التفصيلية التي يوفرها التقرير. فعلى سبيل المثال، أكدت الدراسة أن الخنازير والدواجن أكثر كفاءة في تحويل العلف إلى بروتين من الماشية والأغنام والماعز.

وأوضحت صحيفة الوقائع أنه على الصعيد العالمي، تنتج الخنازير 24 كيلوغراماً من الكربون لكل كيلوغرام واحد من البروتين الصالح للأكل، وتنتج الدواجن 3.7 كيلوغراماً فقط من الكربون لكل كيلوغرام واحد من البروتين، مقارنة مع ما بين 58 و1,000 كيلوغرام من الكربون لكل كيلوغرام واحد من البروتين من لحوم الأبقار والضأن والماعز. ويرجع ذلك إلى أن الخنازير والدجاج هي مخلوقات وحيدة المعدة - بمعنى أنها تعتمد على معدة بسيطة تتكون من جزء واحد لمعالجة الغذاء - بينما تعتمد الأبقار والضأن والماعز، وهي من الحيوانات المجترة، على معدة مركبة تتكون من أربعة أجزاء.

وأشار مؤلفو الدراسة إلى أن "الاختلافات الكبيرة في كفاءة إنتاج الأغذية الحيوانية المختلفة تتطلب اهتماماً كبيراً." وأضافوا أن "معرفة هذه الاختلافات يمكن أن تساعدنا على تحديد مستويات مستدامة وملائمة ثقافياً لاستهلاك الحليب واللحوم والبيض".

مع ذلك، يحذر مؤلفو الدراسة من أن كثافة الانبعاثات الأقل في قطاعات الخنازير والدواجن مدفوعة إلى حد كبير بالنظم الصناعية، "التي تقدم أطعمة عالية الجودة ومتوازنة التركيز للحيوانات ذات الإمكانات الوراثية المرتفعة". وتشكل هذه النظم أيضاً مخاطر مخاطر كبيرة على الصحة العامة مع إمكانية نقل الأمراض الحيوانية المنشأ.

jk/rz-ais/dvh