سياسة منع جرائم الإبادة الجماعية

استمرت الأزمة في جمهورية أفريقيا الوسطى في التدهور معظم هذا العام، ووفقاً لكلمات نائب الأمين العام للأمم المتحدة يان الياسون، "يتفرج المجتمع الدولي من بعيد" على انحدار البلاد في "فوضى عارمة." وقال أن قرار التحرك سيكون "اختباراً هاماً للغاية للتضامن الدولي ولمسؤوليتنا في منع الأعمال الوحشية".

وقد أوضح كبار المسؤولين من فرنسا والأمم المتحدة والولايات المتحدة أن البلاد تواجه خطراً وشكياً للانزلاق نحو إبادة جماعية.

وهذا الأسبوع، سوف يقوم مجلس الأمن الدولي بالتصويت على قرار يدعو إلى تعزيز بعثة عسكرية من الاتحاد الأفريقي موجودة هناك - وتضم 1,400  شخص فقط من أصل 3,600 كلفوا بالمهمة - وربما سيتم تحويلها إلى قوة حفظ سلام تابعة للأمم المتحدة.

وأوضحت مجموعة الأزمات الدولية في تقرير صدر في 2 ديسمبر أنه "بعد شهور من 'الانتظار والترقب'، أدرك المجتمع الدولي أخيراً أنه لا يمكنه تقبل دولة أخرى فاشلة في أفريقيا، مع ما يصاحب ذلك من مخاطر الامتداد على المستوى الإقليمي. مع ذلك، فإن الوضع على الأرض يتدهور بوتيرة أسرع بكثير من حشد الاستجابة الدولية".

وفي سوريا، وعلى الرغم من تحول ما يقدر بأكثر من ستة ملايين شخص إلى لاجئين أو نازحين داخلياً بسبب الحرب الأهلية المستمرة، لم يتم إحراز تقدم يذكر لوقف القتال، وقد وصل مجلس الأمن إلى طريق مسدود بخصوص السماح باستخدام القوة. وقد أقسم كثير من أفراد الطائفة العلوية وهي الأقلية التي ينتمي لها بشار الأسد الولاء له، خوفاً من ردود الفعل المحتملة إذا تم إسقاط النظام.

ويطرح كتاب جديد يحمل عنوان "الاستجابة للإبادة الجماعية: سياسة العمل الدولي" الذي حرره آدم لوبيل وأرنستو فيرديجا، فكرة أن عدم وجود إرادة سياسية وتعريف صارم للإبادة الجماعية هي التحديات الرئيسية لمنع الجرائم الوحشية والإبادة الجماعية والتدخل لوقفها.

توليد الإرادة السياسية

وقال لوبيل، وهو زميل بارز في المعهد الدولي للسلام خلال حدث تم مؤخراً في لندن: "وجدنا أن الاستجابات الدولية، تواجه مراراً وتكراراً، مسائل الإرادة السياسية والانقسام السياسي بوصفها المشاكل الرئيسية لاتخاذ إجراءات فعالة في الوقت المناسب. لقد رأينا هذا في حالات البوسنة ورواندا ودارفور، وحالياً سوريا".

فخلال حرب الإبادة التي شهدتها رواندا عام 1994، يمكن أن يعزى بعض التردد في الالتزام بإرسال قوات حفظ السلام إلى مقتل 18 جندياً أمريكياً في الصومال في عام 1993. وبين كوفي عنان، الذين كان يدير عمليات حفظ السلام للأمم المتحدة في ذلك الوقت، في كتابه الذي صدر في عام 2012 التدخلات: حياة في الحرب والسلام، أنه في حين كانت هناك مطالب لإرسال قوات أكثر إلى رواندا، لكن "في ظل المناخ الدولي بعد الصومال، لم يكن هناك حماس لدى المجتمع الدولي لاتخاذ حتى أدنى درجات المخاطر على حياة قوات حفظ السلام، وبالتأكيد لم يكن هناك أي حماس في الولايات المتحدة".

ولكن وفقاً لما قاله لوبيل، هناك أربع آليات يمكن أن تؤدي إلى ظروف ملائمة لوجود إرادة سياسية متسقة لمعالجة هذه الجرائم وهي خلق المصالح المشتركة، وتوليد الحوافز، واستخدام القيادة المسؤولة وتعزيز المعايير الدولية.

وأضاف قائلاً: "يمكننا التحدث بالمنطق الأخلاقي بقدر ما نريد، ولكن الحقيقة هي أن الدول تميل إلى التصرف عندما يكون الأمر متسقاً مع مصلحتها الوطنية". وبالتالي، من المرجح أن يكون التركيز على هذه المصالح المشتركة أن أكثر فعالية.

ونّوه لوبيل أنه "يمكن للعنف الجماعي ضد المدنيين أن يسبب أزمة نزوح. ويمكن للأزمة عبور الحدود الدولية، وأن تغذي عدم الاستقرار على المستوى الإقليمي وتسبب الضرر للاقتصادات عبر الحدود الوطنية. إنه شيء لا يمكن احتواؤه في بلد واحد".

واستطرد قائلاً: "يمكن لذلك أن يقوض نظام الأمن الجماعي الدولي بأسره من خلال التشكيك في قدرة مجلس الأمن الدولي على تحمل مسؤوليته كسلطة [كلفت] بموجب القانون للحفاظ على السلم والأمن الدوليين".

تعزيز المعايير العالمية من خلال المجتمع المدني

ويعتقد المؤلفون أنه على الرغم من عدم تطبيق القوانين الدولية التي تدفع الدول للتدخل عند وقوع الجرائم الجماعية باستمرار أو بشكل منتظم، إلا أنها مع ذلك تشكل عاملاً حاسماً لمنع الجرائم الجماعية.

وقال آيافور رانغيلوف، الزميل الباحث في كلية لندن للاقتصاد ومؤلف أحد فصول الكتاب: "هذه القواعد والأدوات هي في غاية الأهمية لأنها تشكل شروط النقاش، وكذلك مجموعة الخيارات التي تعتبر مناسبة ومشروعة في مواجهة أي أزمة".

فعلى سبيل المثال، هناك اتفاق واسع النطاق على محتوى ومضمون مبدأ مسؤولية الحماية (R2P) الذي صدر عام 2005، ولكنه ضعف بسبب انقسام خطير حول كيفية تطبيق أحكامه، وخصوصاً العناصر المتعلقة باستخدام القوة.

ويعتقد رانغيلوف أنه إذا تم استخدام المجتمع المدني للضغط من أجل خلق قواعد جديدة، يمكن أن يساعد ذلك على توليد الإرادة السياسية اللازمة للحد من الجرائم الجماعية. وقال أن الناس بحاجة إلى التفكير في المجتمع المدني "بمستوى أقل كمنبه لأزمة معينة، وبمستوى أكثر باعتباره وكيلاً لتغيير المعايير فيما يتعلق بالإبادة الجماعية وانتهاكات حقوق الإنسان الأخرى ذات النطاق الواسع".

وفي الواقع، لعب أفراد المجتمع المدني في نقاط مختلفة من التاريخ، دوراً لا غنى عنه لمواصلة تعزيز القوانين المتعلقة بالجرائم الجماعية. فالقانوني البولندي رافائيل ليمكين، كان له الفضل في استخدام مصطلح "الإبادة الجماعية" (هو استخدمه لأول مرة رسمياً في كتابه حكم المحور في أوروبا المحتلة في عام 1944)، وشن حملة طوال حياته لجعلها جريمة دولية وفق القانون. ويمكن العثور على العديد من توصياته في لغة النص النهائي لاتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية.

وللضغط على الحكومات للتدخل في الأزمات الفردية، من المرجح أن لا تتمكن حملات المجتمع المدني من تحقيق أهدافها. ويقول رانغيلوف، لأن المجتمع المدني عبر الحدود ليس كياناً موحداً متجانساً ولكن يشوبه الانقسام والتناقض والتنافس "تماماً مثل السياسيين، فهم يتنافسون أيضاً".

تعريف الإبادة الجماعية

وقد أعاقت صعوبة تحديد المسألة أيضاً اتخاذ الإجراءات الفعالة، وخصوصاً عندما يتعلق الأمر بالإبادة الجماعية، وفقا للكتاب. وقال أرنستو فيرديخا، وهو أستاذ مساعد في جامعة نوتردام: "تستخدم مجتمعات مختلفة ومحاورون مختلفون نفس المصطلح لأغراض متباينة قليلاً".

وبموجب اتفاقية الأمم المتحدة لمنع ومعاقبة جريمة الإبادة الجماعية، يعرف هذا المصطلح على أنه "الأفعال المرتكبة بقصد التدمير الكلي أو الجزئي لمجموعة وطنية أو إثنية أو عرقية أو دينية". وتشمل هذه الأفعال القتل المنهجي لأعضاء مجموعة وتهيئة الظروف التي من شأنها أن تؤدي إلى تدميرهم، مثل سياسات التجويع القسري.

وقال فيرديخا أن مفهوم القصد النية المبيتة، الذي يميز الإبادة الجماعية عن غيرها من الجرائم الوحشية الجماعية، يحتاج إلى إعادة النظر.

وأضاف قائلاً: نحن بحاجة إلى الابتعاد عن هذه الحالة حيث "يتعين على المرء أن يثبت أن الجاني لم يكن فقط على علم بأن من شأن سياساته وإجراءاته أن تؤدي إلى تدمير هذه المجموعة، ولكنها أيضاً تهدف على وجه التحديد إلى تدمير هذه المجموعة". لأنه يكاد يكون من المستحيل إثبات ذلك في الوقت الذي يتم فيه الصراع. "ولا نجد عادة حالة يقول فيها الجاني 'كنا نقصد عمداً تدمير هذه المجموعة'".

بدلاً من ذلك، يمكن الاستدلال على القصد من مدى وأنماط وتنسيق عمليات القتل.

وأضاف قائلاً: "إنها وسيلة لمحاولة بناء مفهوم القصد التي لا تلبي الحد الأدنى القانوني، باعتراف الجميع، ولكنني أعتقد أنها أكثر فائدة لأغراض السياسة، وللتنبؤ والإنذار المبكر".

وفي الواقع، انتشرت كلمة الإبادة الجماعية مؤخراً في سياق الأزمة في جمهورية أفريقيا الوسطى من قبل فرنسا والولايات المتحدة والأمم المتحدة، باعتبارها خطراً وشيكاً، مع مناقشة بسيطة أو معدومة للسمات المميزة للنوايا.

ولكن بالنسبة لخبير السلام والأمن أديمولا عباس، فإن مثل هذا الجدل بخصوص عبء الإثبات غير ضروري وخطير في نفس الوقت لأن الاتفاقية تجيز التدخل بناء على الاشتباه في وقوع الإبادة الجماعية وتضمن وجود أسباب حقيقية لانتهاك السيادة.

وأوضح عباس، رئيس برنامج السلام والأمن في معهد الدراسات المقارنة للتكامل الإقليمي التابع لجامعة الأمم المتحدة (UNU-CRIS)، أنه "ليس كل قتل في جبهة الحرب يعتبر تلقائياً نوعاً من الأعمال الوحشية الجماعية وفقاً للقانون الدولي". فهناك خطر إذا تم توسيع محتوى اتفاقية الإبادة الجماعية بحيث يمكن للجهات الفاعلة أن تستجيب لضغط الرأي العام "وببساطة تستخدم الاتفاقية من دون التفكير ملياً بالموضوع" كما قال.

حلول التنمية على المدى الطويل

وأشار عباس إلى أنه بالإضافة إلى الحاجة للإرادة السياسية، فإن نقص الموارد وثقافة قبول الجرائم تعرقل أيضاً الإجراءات السريعة لوقف هذه الجرائم.

وتابع حديثه قائلاً: "في أفريقيا اليوم، من الصحيح تقريباً القول عندما تكون هناك أحداث شغب جماهيري، فإننا لا نهتم كثيراً". واستشهد على ذلك بالحرب الدائرة في نيجيريا ضد الجماعة المتشددة بوكو حرام.

"لدينا جرائم وحشية جماعية ترتكب على كلا الجانبين. وليس لدينا بالضرورة أي صدمة أو غضب أخلاقي حول هذا الموضوع".

وبالنسبة لعباس، فإن النهج المستمر على المدى الطويل هو أمر حاسم لمنع الجرائم الجماعية: "فلندع كل دولة تبني أنظمة ديمقراطية قوية جداً، وبعدها لن نحتاج لهذه النظم الدولية بنفس القدر. عندما نفعل ذلك، سوف يكون هناك توجه أقل للنزاع وحاجة أقل للأمم المتحدة للتدخل".

كما توصي فرانسيس ستيوارت، الأستاذ الفخري في جامعة أكسفورد، أيضاً باتخاذ التدابير الوقائية التي تركز على التنمية.

وأضافت قائلة: "إن استنتاجات السياسة التي توصلت لها تركز بشكل أكبر على المدى الطويل، وكذلك حول تغيير نمط كامل من التنمية وبالتالي تخفيض الظروف التي تؤدي، ليس بالضرورة إلى صراع أو إبادة جماعية، ولكن تزيد من احتمال وقع أعمال العنف الجماعي".

ومع اقتراب أجل الأهداف الإنمائية للألفية في عام 2015، قال لوبيل: "نحن في لحظة مناسبة للنظام الدولي لمثل هذا النوع من النقاش. فقضايا الصراعات العنيفة لم تكن جزءاً من المعادلة في الماضي. ويركز جزء من نقاش [جدول أعمال] ما بعد عام 2015 حول كيفية إدراج هذه القضايا في سياسة التنمية".

وأضاف فيرديخا: "لا ينبغي أن يكون التركيز فقط على العوامل المباشرة التي تؤدي للإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والتطهير العرقي - أي الجرائم الجماعية - ولكن ينبغي أن يكون التركيز حول الظروف الهيكلية والمادية العميقة. وإلا فسوف ينتهي بنا الحال بمحاولة إخماد الحرائق بعد اندلاعها".

aps/am/rz-aha/dvh