ضحايا العنف في العراق يواجهون صعوبات في الحصول على العلاج

يتحدث إلهام نوري وحيد، وعيناه مغرورقتان بالدمع، عن الانفجار الذي تعرض له وأدّى إلى إصابته ومقتل بعض أصدقائه وجيرانه في محافظة كركوك شمال العراق.

"لقد كان صوت الانفجار مدوياً لدرجة أنني فقدت السمع لثلاثة أيام. كان أمامي خمسة أشخاص وجميعهم قتلوا".
وقع الانفجار بينما كان الناس يهمّون بمغادرة مسجد القدس في أول أيام عيد الأضحى. نجا وحيد من الحادث لكن عليه الآن التأقلم مع الجراح الجسدية والنفسية في بلد بلغ فيه العنف ذروته منذ خمس سنوات ويواجه نظامه الصحي صعوبات جمّة في تلبية احتياجات المرضى.

وقد أصيب أكثر من 135,000 مدني عراقي في الصراع والعنف في الفترة ما بين مارس 2003 ومارس 2013، وفقاً لإحصائيات ضحايا حرب العراق، ولكن إحصائيات وزارة حقوق الإنسان العراقية تقول بأن عدد القتلى قد وصل إلى 250,000 شخص بحلول مايو 2012. وتشير إحصائيات وكالة الأنباء الفرنسية، إلى أن عدد العراقيين الذين أصيبوا بجروح خلال أعمال العنف التي شهدتها البلاد حتى الآن في عام 2013، قد وصل إلى نحو 15,000 شخص.

وقال وحيد لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "لقد كنت محظوظاً... لقد خرجت الشظايا التي اخترقت يدي وقدمي لذا لم يضطروا لإجراء عملية جراجية. ولكني لا أعتقد أن العلاج العام ]في المستشفى[ كان جيداً، ولهذا أعتقد أن جراحي ستستغرق وقتاً طويلاً حتى تلتئم". والدواء الوحيد الذي حصل عليه وحيد هو مسكنات للألم. 

 وخلال حديثه، كان ابن أخيه يغير له الضمادة المربوطة على ذراعه. فقد أصيب بجروح في القدمين والساقين جرّاء الحطام المتطاير، وكدمات في فقرات الظهر نتيجة لقوة الانفجار التي قذفته بعيداً ليرتطم بجدار المسجد.

التحديات

وقد أصبح النظام الصحي في العراق ضعيفاً بالفعل بسبب العقوبات الدولية التي أعقبت حرب الخليج الأولى في عام 1991، وقد زاد الغزو الذي قادته الولايات المتحدة على العراق في عام 2003 من ضعف الخدمات الصحية وجعلها تنحدر إلى مستويات متدنية للغاية.

وعلى الرغم من أن الوضع قد تحسن بعد ذلك الوقت، بفضل زيادة مخصصات الصحة في الميزانية في العقد الأخير، إلا تحديات كبيرة ما تزال قائمة.

(يرجى الاطلاع على سلسلة مقالات شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) تحت عنوان العراق بعد مرور 10 سنوات للتعرف على أثر الغزو على الرعاية الصحية في العراق)

وعقب موجة العنف الطائفي الحادة التي ضربت مختلف أرجاء العراق في الفترة ما بين عامي 2006 و2008، ذكرت منظمة أطباء بلا حدود في تقرير لها عام 2009 أن "نقص الموارد والظروف الضرورية" جعل نظام الرعاية الصحية في العراق غير قادر على تقديم الرعاية اللازمة "للمرضى الذين يعانون من جروح شديدة والمشوهين منهم" من أجل التعافي.

ولا تزال البنية الأساسية للرعاية الصحية "تعاني صعوبات في إعادة بناء نفسها، وعلى الرغم من توفر الموارد المالية الكافية، إلا أنها تواجه نقصاً في المهارات والاستراتيجيات"، وفقاً لما ذكرته الدورية الطبية البريطانية "ذي لانسيت" في مقال نشر في مطلع هذا العام حول الخدمات الصحية في العراق. وأضاف مؤلفون المقال أن استمرار أعمال العنف الطائفي "تجعل حتى أفضل الخطط صعبة التنفيذ".

وقال الجرحى في مناطق مختلفة من العراق إلى شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن المستشفيات الحكومية تفتقر إلى المعدات والأدوية الضرورية اللازمة للتعامل مع جروحهم- وهي عادة الأطراف المبتورة والجروح الناجمة عن الإصابة بالشظايا.
وقال الدكتور أحمد عبيد، اخصائي جراحة الأعصاب في العاصمة العراقية بغداد: "المعدات قديمة ولا توجد لدينا التجهيزات الحديثة التي نحتاجها لأنها مكلفة جداً". وأضاف أن المستشفيات مجهزة لرعاية حالات الإصابات الطارئة لكنها ليست مجهزة للعمليات الجراحية المعقدة التي تتطلب معدات متطورة.

المعدات والقدرات

ويواجه العديد من الناجين صعوبات في توفير النفقات اللازمة للأطباء والخدمات الطبية الخاصة في العراق، أو السفر إلى الدول المجاورة للرعاية الطبية في حالة عدم توفر المرافق والخدمات الصحية العامة في العراق.

فقد اضطرت فايزه عباس لبيع سيارتها من أجل توفير مبلغ 12,000 دولار الذي تحتاجه لدفع تكاليف العلاج في المستشفيات الخاصة بعدما أطلق عليها جنود أمريكيون النار في عام 2007 عندما قادت سيارتها بطريق الخطأ أمام حاجز على الطريق. مزقت رصاصة كتف فايزه، واخترقت شظايا خدها لتصل إلى فمها، وتمزقت طبلة أُذُنها اليسرى ودخلت قطع من الزجاج الذي تهشم من نافذة السيارة في عينها.

وعن علاجها قالت: "خضعت لجرحة [في العين] ثلاث مرات في المستشفى العام [مجاناً] لكن حالتي لم تتحسن... هناك أجهزة لإزالة قطع الزجاج الصغيرة، لكنها غير متوفرة في المستشفيات العامة... ليس لديهم الأدوات اللازمة لعملهم... إنها مشكلة".

 في كل مرة أتذكر الهجوم أبدأ في البكاء، وفي كل مرة أذهب للمسجد أشعر بحالة نفسية سيئة

 من جانبها، لم ترد وزارة الصحة على طلب شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) لإجراء مقابلة معها. ولكن في كركوك، واحدة من أكثر المدن العراقية خطورة، قال الدكتور ديلان أحمد، اِخْتِصاصِيُّ الأَوْرَام في مستشفى آزادي التعليمي، أن المرافق متوفرة والمرضى يسافرون للحصول على الرعاية الطبية في أماكن أخرى بسبب انعدام الأمن.

مع ذلك، تقول منظمة أطباء بلا حدود أنه على الرغم من أن نظام الرعاية الصحية في العراق قد تحسن إلا أنه لا تزال هناك فجوات. والجدير بالذكر أن المنظمة توفر للمصابين العراقيين جراحات ترميمية واستشارت نفسية وعلاج طبيعي في الأردن.
وقال مارك شاكال، رئيس بعثة منظمة أطباء بلا حدود في العراق والأردن لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "توجد بعض القدرات لإجراء الجراحات الترميمية في العيادات الخاصة في بغداد، لكنها مكلفة" ولاتزال العلاجات الأخرى مثل جلسات العلاج الطبيعي غير متوفرة.

وأشار أيضاً إلى وجود نقص في الجراحين لإجراء العمليات الترميمية. وأضاف أنه في بعض المستشفيات، تتمثل التحديات في الإدارة والبيروقراطية والقضايا السياسية وغياب القدرة على توفير خدمات الدعم الثانوي مثل غسيل الملابس والأغذية.
وتسعى منظمة أطباء بلا حدود إلى عقد شراكات مع الهيئات الصحية المحلية حتى يتسنى علاج عدد أكبر من المرضى داخل العراق.

الإنفاق على قطاع الصحة

وقد ارتفع إنفاق العراق على الرعاية الصحية من 3.6 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2003 إلى 8.3 بالمائة في عام 2011، وفقاً لإحصائيات البنك الدولي. ولكن الوحدة المشتركة للتحليل والسياسات في الأمم المتحدة (JAPU) تشير إلى أن الأموال المخصصة في ميزانية عام 2013 لمجالات التنمية، مثل الصحة، غير كافية مقارنة مع احتياجات العراق.

وذكرت الوحدة المشتركة للتحليل والسياسات في ورقة معلومات أساسية أن الميزانية الإجمالية للاستثمار في التعليم والصحة والبيئة والثقافة والشباب والمياه والصرف الصحي في عام 2013، تبلغ 6.5 تريليون دينار عراقي (ما يعادل 5.6 مليار دولار)، أي بالكاد ما يعادل 50 بالمائة من ميزانية الاستثمار في قطاع الطاقة". وأشارت الوحدة إلى أنه في عام 2011، لم تنفق الحكومة العراقية سوى 58 بالمائة من ميزانية الصحة.

نزوح الكفاءات

وقد هاجر الكثير من العاملين في مجال الصحة في ما يطلق عليه نزوح الأدمغة في العراق. وذكر تقرير أصدرته اللجنة الدولية للصليب الأحمر نقلاً عن مصادر عراقية رسمية، أن نحو 20,000 طبيب من الأطباء الـ 34,000 المسجلين في العراق في عام 1990 قد غادرو البلاد بحلول عام 2007، وأن نحو 2,200 آخرين قتلوا فيما اختطف 250 بين عامي 2003 و2007.

وأفادت منظمة الصحة العالمية أن نسبة الأطباء إلى السكان في 2011 بلغت 7.8 لكل 10,000 نسمة – أي أقل بكثير من الدول المجاورة مثل الأردن ولبنان.

وتفاقم الهجرة الداخلية للمتخصصين في مجال الصحة إلى المناطق الأكثر أمناً مثل إقليم كردستان الشمالي المشكلة بالنسبة للمناطق الأقل أمناً والأكثر احتياجاً للخبرات المتخصصة في المجال الطبي.

وفي المناطق الريفية، تصبح رعاية المرضى أكثر صعوبة من المناطق الأخرى نظراً لتذبذب إمدادات الكهرباء والمياه، إضافة إلى نقص المهارات والمعدات.

الأثر النفسي

ويشكو موظفو المستشفى والمرضى أيضاً من نقص الرعاية النفسية على المدى الطويل.

وعن ذلك قال وحيد: "مشكلتي لا تقتصر على جرحي فقط، فلديّ مشاكل نفسية أيضاً ... في كل مرة أتذكر الهجوم أبدأ في البكاء، وفي كل مرة أذهب للمسجد أشعر بحالة نفسية سيئة. جميع الذين أصيبوا بجروح في الهجوم نفسه - يحتاجون للمعالجة من هذه المشكلة".

وتشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن 35.5 بالمائة من السكان في عام 2009 يعانون من اضطرابات عقلية، ولم يتلق العلاج سوى 6 بالمائة منهم فقط.

وقال الدكتور ديلان أحمد من مستشفى آزادي التعليمي: "رغم وجود وحدة للطب النفسي بالمستشفى، إلا أن عمليات المتابعة ضعيفة".

"وعندما يخرج المريض من المستشفى، لا نعرف ما آلت إليه حالته، من حيث الآثار النفسية... فليس لدينا برنامجاً لمتابعة حالة المرضى...وهذا أمر في غاية الأهمية،" كما قال.

co/ha/he-kab/dvh