انعدام الأمن يعيق الجهود الإنسانية في شمال مالي

على الرغم من تحسن الأمن في بعض مدن شمال مالي، لا تزال الهجمات المتفرقة المتواصلة من قبل الجماعات المسلحة في تمبكتو وغاو، والقتال بين جماعات الانفصاليين الطوارق والقوات المالية في كيدال، تعرقل بعض عمليات الإغاثة وتمنع اللاجئين من العودة إلى ديارهم.

وقد وقعت آخر الهجمات في 21 نوفمبر، عندما أطلق المتشددون ثلاثة صواريخ نحو بلدة غاو من على بعد 10 كيلومترات، وفي يوم 20 نوفمبر في كيدال، عندما أصاب لغم أرضي ثلاث جنود فرنسيين خارج بلدة كيدال.

ويعد انعدام الأمن في كيدال الأسوأ في المنطقة الجبلية شمال إيفوغاس وحول بلدة تيساليت؛ أما في منطقة غاو، فالوضع أسوأ في مدن ميناكا وأنسونجو، على مقربة من حدود النيجر، وفقاً لديفيد جريسلي نائب الممثل  الخاص لبعثة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في مالي (MINUSMA).

وأفاد فرناندو أرويو، رئيس مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) في مالي، الذي يوجد لديه مكاتب في غاو وتمبكتو ولكن ليس في كيدال أن انعدام الأمن في هذه المناطق قد أعاق إيصال المساعدات قائلاً أن "هناك عدداً قليلاً جداً من الوكالات التي لديها إمكانية الوصول إلى شمال كيدال في الوقت الراهن".

قضايا الوصول

وقال موظفو منظمات الإغاثة أن تقييم الاحتياجات الإنسانية كان محدوداً أيضاً في كيدال، وأشاروا إلى أن تقييم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) للتغذية في مايو، على سبيل المثال، غطى غاو ولكن لم يقم بتغطية تمبكتو أو كيدال بسبب انعدام الأمن. كما أدى انعدام الأمن أيضاً إلى إبطاء العمليات، حيث تنتظر وكالات الأمم المتحدة قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في مالي لتأمين أو  حراسة المناطق قبل الذهاب إليها.

ولكن تقول بعض الوكالات أنها مستمرة في العمل في جميع أنحاء مناطق الخطر في الشمال - دون عوائق. وقال الطاهر مايغا من اللجنة الدولية للصليب الأحمر في غاو أن اللجنة تواصل العمل في كافة المقاطعات الـ11 في المنطقة. وأضاف في حديثه لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "لا توجد مناطق لا يمكننا الذهاب إليها".

وتعمل اللجنة الدولية للصليب الأحمر في مستشفى بلدة كيدال والعيادات الصحية في مختلف أنحاء المنطقة، إلى جانب أنشطة أخرى تقوم بها.

وقال يسوفو صلاح، رئيس البعثة منظمة أطباء بلا حدود في شمال مالي: "حتى الآن لم تكن هناك أي مناطق لم نكن قادرين على الوصول إليها".

وتعمل منظمة أطباء بلا حدود بشكل رئيسي في المستشفى الإقليمي لمدينة تمبكتو وافتتحت مؤخراً عيادة بالقرب من الحدود الموريتانية، كما أنها تعمل أيضاً في جميع أنحاء تمبكتو، وكذلك غاو، حيث تعمل في منطقة غوندام. وقال صلاح متحدثاً لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "تشكل القنابل المحلية الصنع أكبر مصدر للقلق بالنسبة لنا على الطريق، ولذلك علينا أن نكون حذرين للغاية ووأن نتشاور دائماً مع الماليين وبعثة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في مالي قبل أن نذهب في أي مهمة".

 وقد وقع الهجوم الأخير في تمبكتو في شهر سبتمبر، عندما قام أربعة انتحاريين، بقيادة شاحنة محملة بالمتفجرات، وفجروا أنفسهم خارج معسكر للجيش المالي، مما أسفر عن مقتل اثنين من المدنيين وستة جنود.

وقال مولاي سانغاري، وهو طبيب في المستشفى الإقليمي في مدينة غاو، أنه يخشى أنه لم يتم الوصول إلى بعض السكان المستضعفين في المناطق الريفية لأن كثيراً من الأسر تخشى مغادرة منازلها: "أخشى أن هناك المزيد من الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية والذين لم يتم علاجهم لأن أمهاتهم لا يمكنهن إحضارهم هنا إلى المستشفى".

وقد أعرب بعض السكان المحليين عن غضبهم لأنه لا يتم فعل المزيد لتأمين القرى والمناطق الريفية، فوفقاً لما يقوله السكان لا يزال أعضاء حاليون وسابقون في الجماعات المسلحة يختبئون في المنطقة.

وقال عثمان مايغا، عضو ائتلاف الشباب في غاو: "نحن نعلم أن هؤلاء الناس موجودون هناك. لنشعر بالأمان نحتاج للجيش للسيطرة على من يتحرك إلى داخل وخارج البلدة. لقد وافقت الحكومة بالفعل على التفاوض مع المتمردين. ولكن المشكلة هي أنهم لا يعرفون من هي الحركة الوطنية لتحرير أزواد (MNLA)، أو جماعة التوحيد والجهاد في غرب أفريقيا (MUJAO) أو تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي (AQIM). نحن نعرف من هم. ولذلك عندما تبدأ المفاوضات نود المشاركة".

وقالت الصحافية الإذاعية المقيمة في غاو إيمي إدريسا لشبكة الإنباء الإنسانية (إيرين) أن سكان بلدة غاو أصبحوا معتادين على الهجمات المستمرة، "فقد غادر المتمردون غاو واختبؤوا في الأدغال التي لا تبهد كثيراً عن هنا، ربما في القرية المجاورة أو عبر النهر. إنهم يحاولون العودة إلى البلدة منذ تحريرها".

وقال صوميلا كونيه، وهو سائق حافلة يعمل في غاو، أنه يشعر بالقلق عند العمل في المنطقة، ولكن ليس لديه الكثير من الخيارات: "فالعنف يسود منطقة الشمال ولذلك لا يمكن دخولها، كما تجوبها العصابات والجماعات المسلحة".

الصراع على السلطة في كيدال

وفي كيدال، كان من المتوقع أن يتحسن الأمن بعد اتفاق يونيو 2013 الذي وقعته الحكومة المالية، والحركة الوطنية لتحرير أزواد (MNLA) والحركة العربية الأزوادية (MAA) ولكن ذلك لم يتحقق.

ووسط استمرار الهجمات، كان هناك التباس حول من يتولى زمام الأمور؛ إذ يسيطر كل من القوات الفرنسية وقوات بعثة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في مالي ومتمردو الطوارق على أجزاء مختلفة من بلدة غاو. ولكن وفقاً لرئيس بلدية كيدال أرباكان الحاج أبزاياك "ليس هناك شك في أن المتمردين الطوارق هم الذين يسيطرون على كيدال".

وتركز القوات الفرنسية من خلال عملية سيرفال في كيدال على مكافحة الجهاديين، في حين تم تكليف بعثة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في مالي والقوات المالية بتأمين المدينة. وعلى الرغم من هذه الجهود، يحمل ثلثا السكان البالغين مسدساً للحماية. وقال الحاج أبزاياك لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) في باماكو، عندما كان زائراً: "الكل يفعل ما يشاء في ظل غياب الحكومة".

وقد تم السماح للجنود الماليين في العودة إلى كيدال في شهر يوليو فقط، وذلك بسبب المخاوف من وقوع اشتباكات بينهم وبين المتمردين الطوارق. ومنذ ذلك الحين "لم يغادروا معسكراتهم كثيراً،" وفقاً لرئيس البلدية.

وفي وقت سابق هذا الشهر، توحدت الحركة الوطنية لتحرير أزواد  والحركة العربية الأزوادية  والمجلس الأعلى لوحدة أزواد (HCUA)، لتشكيل جبهة موحدة في محادثات السلام مع السلطات في باماكو المقرر أن تبدأ هذا الشهر.

وفي أوائل نوفمبر عندما قام تحالف الحركة الوطنية لتحرير أزواد والحركة العربية الأزوادية والمجلس الأعلى لوحدة أزواد بتسليم مفاتيح المباني الإدارية لبعثة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في مالي استعداداً لتسلمها من قبل حكومة مالي، تجمع النساء والشباب أمام مكتب المحافظ، احتجاجاً على ذلك ودعماً للمتمردين.

وأضاف رئيس البلدية قائلاً: "حتى الآن لم يعد أي مسؤول حكومي، ولا أحد يعرف من يتولى زمام الأمور".

حاجة إلى المزيد من القوات

وبينما يتواجد في الشمال ضمن عملية سيرفال الفرنسية قوات من الجيش المالي وبعثة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في مالي، ليس هناك ما يكفي من القوات لتأمين هذه المنطقة الشاسعة، وفقاً للخبراء.

وينتشر حوالي 1,800 من الـ 2,000 جندي فرنسي المتبقين في مالي في الشمال - معظمهم في غاو، والباقون في تمبكتو وبلدة كيدال وتيساليت.

وبعد مقتل صحفيين فرنسيين اثنين في أوائل نوفمبر - والتي ادعى تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي (AQIM) مسؤوليته عنها - عززت فرنسا من وجود قواتها في كيدال ليصل إلى 350 جندياً، وفقاً للمتحدث باسمها، هوبرت دي كويفريكورت. ولكن لا يزال من المقرر الاستمرار في تخفيض عدد قواتها إلى 1,000 جندي بعد الانتخابات التشريعية.

وكان من المفترض لهذه العملية أن تتزامن مع رفع تعداد بعثة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في مالي إلى 12,600 جندي - ولكن حتى الآن يتواجد 5,162 فرداً من هذه البعثة فقط في مالي.

وهناك أسباب متعددة لهذا التواجد الضعيف من ضمنها انسحاب القوات النيجيرية نظراً للأزمة الأمنية الخاصة بها، وخفض الالتزام من قبل تشاد عقب الخسائر الثقيلة التي منيت بها قواتها في القتال في الشمال وتصاعد العنف في جارة تشاد، جمهورية أفريقيا الوسطى.

ويوجد الآن 2,675 جندياً من بعثة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في مالي في غاو وتيساليت وأغويلهوك وكيدال وميناكا وأنسونجو؛ كما يتمركز 1,823 جندياً لتأمين تمبكتو وجوسي ودوينتزا وسيفاري وغوندام وديابالي؛ في الوقت الذي يخدم فيه 664 جندياً في قوات الجيش والشرطة في كيدال.

ومن المتوقع أن يصل قريباً المزيد من قوات الجيش والشرطة من بنجلاديش وبوركينا فاسو وكمبوديا والصين وهولندا ورواندا، وفقاً لما قاله كويفريكورت.

ووسط هذه الإمكانيات غير الكافية، يقوم الجيش المالي تدريجياً بتعزيز وجوده، فيما يحاول المدربون القادمون من الاتحاد الأوروبي تأهيل تلك القوات لهذا الغرض. وقال رئيس القوات في الشمال، العقيد عبد الله كوليبالي أنه حتى الآن، قامت القوات بتعزيز نقاط التفتيش والدوريات خارج تمبكتو وغاو وزادت من وجودها باتجاه الحدود الموريتانية وفي جورما-راروس على حدود النيجر، حيث يحتفظ المتمردون بوجود لهم بعد عدة أشهر من تحرير الشمال.

وقال كوليبالي أن الجيش يواصل كفاحه في حربه ضد الخلايا النائمة في المدن والمناطق الريفية. فتفجيرات تمبكتو والهجمات الصاروخية في غاو، في رأيه "قد تلقت مساعدة من أشخاص داخل غاو ومحيطها. إنهم أزواج وأبناء وأخوة مواطنين من غاو وتمبكتو، ولهذا السبب نطلب من السكان مساعدتنا في تعقب هؤلاء المجرمين".

وأضاف قائلاً: "قلقي الرئيسي ليس بخصوص عدد قوات حفظ السلام المتواجدة على الأرض ولكن أين يتم نشرها".

وقال كوليبالي أنه على الرغم من أن بعض النازحين داخلياً يعودون طوعاً، ولكن إذا لم يتحسن الوضع الأمني، فمن المرجح عودة عدد قليل من اللاجئين الماليين البالغ عددهم 140,000 في الدول المجاورة.

 وضمن سكان تمبكتو الذين يعيشون كلاجئين في مخيم مبيرا في موريتانيا، تنتشر عدم الثقة على نطاق واسع. وتوجد لدى القليلين منهم خططاً وشيكة للعودة. وقال محمد الحاج عدنان، من طوارق تمبكتو لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أنه لا يثق في أي من القوات الموجودة على الأرض.

 وأضاف قائلاً: "إذا كانت لديك بشرة فاتحة [إذا كنت من الطوارق أو العرب]، سيهاجمونك في الشمال".

وقال كوليبالي أن العودة معقدة جداً وأضاف: "تعتبر عودة [النازحين داخلياً واللاجئين] إلى جانب إعادة فتح العيادات والمدارس والمؤسسات الحكومية كلها أمراً مهماً لتحسين الأمن ومنع الإرهابيين من استعادة بعض المناطق".

kh/aj/rz-aha/dvh