الأزمة الإنسانية في مالي ... مستمرة بعيداً عن الأضواء

لم تنته بعد الأزمة الإنسانية في المنطقة بعد مرور أحد عشر شهراً على طرد القوات الفرنسية للمليشيات الإسلامية من شمال مالي. وقد ارتفعت معدلات الجوع هذا العام عن العام الماضي، حيث وصلت مستويات سوء التغذية إلى مستويات الطوارئ في بلدة غاو وفي بوريم وأنسونجو. ويؤدي قطع الطرق إلى منع الرعاة في مختلف مناطق الشمال من الوصول إلى المراعي، كما يمنع انعدام الأمن بعض وكالات الإغاثة من الوصول إلى السكان المحتاجين في المناطق النائية.

وفي تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) من العاصمة باماكو، قال دافيد جريسلي، نائب الممثل الخاص لبعثة الأمم المتحدة لتحقيق الاستقرار في مالي أن "هذا الوضع هو أكثر الأوضاع التي شهدتها مالي تحدياً. ففي المناطق التي كانت خاضعة لسيطرة المتمردين في الماضي (في كيدال) كان الموقف متقلباً للغاية. فقد نزح نصف مليون شخص أثناء النزاع، ويعاني 200,000 طفل من سوء التغذية الحاد بينما يعاني 1.3 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي ويعتمدون على توزيع المواد الغذائية".

ووفقاً لجريسلي ومكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، فإن المناطق الساخنة التي تعاني من انعدام الأمن هي: جبال إيفوغاس في منطقة كيدال وتساليت شرق مدينة تمبكتو، وفي اتجاه الحدود مع موريتانيا، وغاو في المنطقة المحيطة بمناكا نحو الحدود مع الجزائر.

وفي تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، قال فرناندو أرويو، رئيس مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) في مالي أنه "يصعب التحرك خارج المناطق الحضرية، ليس في كيدال فحسب، وإنما في تمبكتو وغاو أيضاً، وفي المناطق التي كانت محتلة سابقاً حول موبتي. كما لا يمكننا الوصول أو بالكاد يمكننا أن نصل إلى مدن مثل تساليت". 

الجوع 

وقد توصل تقييم للأمن الغذائي قامت به الحكومة وبرنامج الأغذية العالمي ومنظمة الأغذية والزراعة (الفاو) في يوليو 2013 إلى أن ثلاث من أصل أربع أسر في غاو وتمبكتو وكيدال وفي المناطق التي كانت محتلة سابقاً في منطقة موبتي تعتمد على المساعدات الغذائية للبقاء على قيد الحياة. وقد باع نصف سكان هذا المناطق أو رهنوا أصولاً مهمة، مما يهدد الأمن الغذائي بصورة أكبر. وتنفق بعض الأسر ما يصل إلى 90 بالمائة من دخلها على الغذاء، بحسب ألكساندر بريتشر، المتحدث الرسمي باسم برنامج الأغذية العالمي في مالي.

وفي العام القادم، ومع استمرار عودة النازحين داخلياً إلى الشمال، قد يصل عدد الذين يواجهون الجوع في هذه المنطقة إلى 1.5 مليون نسمة، وفقاً لتقديرات التقييم.

ووفقاً لاستقصاء الرقابة والتقييم القياسي للإغاثة والظروف الانتقالية (سمارت) الذي أجرته منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونسف) وشركاؤها في مايو، فقد وصلت معدلات نقص التغذية الحاد في غاو إلى 13.5 بالمائة، وارتفعت إلى 17 بالمائة في منطقة بوريم.

وتقوم منظمة العمل ضد الجوع AAH)) وإدارة المساعدات الإنسانية التابعة للمفوضية الأوروبية والحكومة واليونيسف بالاستجابة إلى احتياجات سوء التغذية للأطفال في المستشفى الإقليمي في غاو والعيادات المحلية في غاو وبوريم.

ولم يتم إجراء استقصاء الرقابة والتقييم القياسي للإغاثة والظروف الانتقالية (سمارت) في تمبكتو أو كيدال بسبب المشكلات الأمنية، طبقاً لليونيسف.

وقد خرجت مالي للتو من موسم العجاف السنوي ولكن قد تمت عرقلة الحصول على الغذاء في الشمال بسبب تداعيات الجفاف عام 2011-2012 والاضطرابات ذات الصلة بالصراع. ويشمل ذلك النزوح الجماعي. وقال وانالهر أج أوالي من منظمة تساغت غير الحكومية في غاو أنه على الرغم من عودة البعض لجني المحاصيل أثناء موسم المطر، إلا أن العديد من الناس لم يقوموا بذلك.

وقد أدت هجرة التجار العرب من غاو وتمبكتو إلى الدول المجاورة إلى تعطل التجارة، كما ساهم في ذلك أيضاً اغلاق الحدود الجزائرية التي تعد مركزاً تجاريا أساسياً. وقالت الحكومة الجزائرية قبل أسبوعين أنها ستقوم بفتح الحدود لفترات محدودة من الوقت.

وفي تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) قال سوميلا سيسي الذي يعمل سائق شاحنة في غاو أن الطريق بين غاو وكيدال "مازال غير آمن. وكثيراً ما يقوم اللصوص بإيقاف السيارات الخاصة وسلب حمولة الشاحنات. وهذا هو السبب في عدم قدرتنا على تسليم البضائع إلى القرى شمال غاو". وأضاف أن بعض شركات النقل الموجودة في غاو توقفت عن تسليم البضائع إلى شمال مالي تماماً.

ولكن تحسنت أحوال الطريق جنوب غاو إلى نيامي في النيجر وعادت إلى مستويات ما قبل النزاع تقريباً.

وقد تأخرت عملية زراعة البذور في مناطق غاو وبوريم (الأرز هو المحصول الرئيسي في تلك المناطق) بسبب تأخر سقوط الأمطار وفيضان نهر النيجر الذي منع المزارعين من الوصول إلى الحقول. ومن غير المتوقع أن يكون حصاد الأرز في غاو وبوريم مبشراً هذا العام، طبقاً لما ذكره كريستيان مونيزيرو، مدير البرامج الإنسانية في منظمة أوكسفام في غاو.

وقال إيشاتون توري، وهو مزارع من منطقة غاو أنه "في مثل هذا الوقت من العام الماضي كان مخزن الحبوب ممتلئاً تقريباً بحبوب الدخن. ولكننا قمنا بالفعل هذا العام باستخدام كل مخزوناتنا ولن يكون لدينا أي حبوب حتى موسم الحصاد القادم. ولذلك ستكون الأشهر القادمة صعبة جداً".

وتأتي السلطات إلى منظمة أوكسفام وهي بحاجة ماسة إلى المساعدة في بعض المجتمعات.

وقال محمد كوليبالي، المدير القطري لمنظمة أوكسفام، أنه "إذا لم يتم تضخيم حجم المساعدات الحالي فربما نتجه نحو وضع أشد بكثير من أزمة غذاء عام 2012".

وتقوم أوكسفام حالياً بتقييم احتياجات الطوارئ في المناطق التي تعمل بها في غاو.

أعمال اللصوصية تحد من الرعي

وقال موسى الحاج بلال، وهو راعي من فورغو وهي قرية صغيرة على بعد 25 كيلومتراً من غاو، لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن العديد من الرعاة خائفون من هجمات اللصوص لدرجة أنهم لا يغامرون بالابتعاد عن قريتهم لمسافة أكثر من 10 كيلومترات، ولذلك فإن الرعاة متمركزون في منطقة صغيرة حيث ينفذ العشب بسرعة. 

وأضاف بلال أن "العشب أصبح بالفعل نادراً ويضطر الرعاة أحياناً إلى العبور إلى أراضي الرعي التي تنتمي إلى مجموعات رعوية أخرى. ولأن الأمطار شحيحة لا تمتلئ الآبار والأنهار بصورة ملائمة. وفي بعض المناطق يصبح الحصول على المياه مشكلة كبيرة".

وعلى الرغم من أن الوكالات قد عملت على إعادة تأهيل 70 بالمائة من نقاط المياه للماشية على طول مسارات الرعي التقليدية في منطقة غاو و50 بالمائة من نقاط المياه في بوريم، إلا أن منظمة أوكسفام أفادت أن نقص الموارد البشرية وقطع الغيار تجعل صيانة نقاط المياه صعبة.

وفي تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) قال وانالهر الحاج عوالي، من منظمة تساغت: "أخشى أن تصبح الأوضاع صعبة جداً إذ سيصبح العشب والمياه أكثر ندرة ومن المحتمل أن ينفدا في الأسابيع القادمة".

خدمات أساسية

وتبقى قدرة الحكومة على مواجهة تلك المشكلات محدودة جداً، وفقاً لمسؤولي الإغاثة، على الرغم من إدخال العديد من التحسينات على خدمات الدولة. فقد تمت استعادة جزء كبير من شبكات المياه والكهرباء في غاو وتمبكتو على سبيل المثال.

وتم إعطاء حوافز لموظفي الحكومة تصل إلى 400 دولار للعودة إلى الشمال، ولكن العديد منهم لم يعودوا مما أجبر المكاتب الحكومية الإقليمية في غاو وتمبكتو على العمل بصورة جزئية فقط. وما زالت العديد من المستشفيات والمدارس والخدمات الاجتماعية الأساسية لا تعمل بشكل كامل وهو ما يجعل السكان يعتمدون على مساعدة المنظمات الإنسانية الموجودة في الميدان.

وعلى الرغم من أن هناك 480 مدرسة مفتوحة بصورة رسمية في غاو وتمبكتو، إلا أنها تفتقر إلى الكتب والمقاعد الدراسية والمواد التعليمية كما يفتقر العديد منهم إلى المدرسين. ولم يتم بعد إعادة فتح أي مدارس في كيدال.

وأفاد كلودي دان منسق حالات الطوارئ لدى اليونيسف في مالي أن المستشفيات الرئيسية تعمل بمساعدة الشركاء وأن 80 بالمائة من العيادات الطبية مفتوحة الآن في تمبكتو و94 بالمائة في غاو و66 بالمائة في كيدال، بالرغم من افتقار العديد منها إلى العاملين والمعدات.

وقال عمدة كيدال أرابكاني أج أبزاياك أن الرعاية الصحية تعتبر مشكلة في هذه البلدة مضيفاً أن "اللجنة الدولية للصليب الأحمر والمنظمات غير الحكومية الأهلية تقوم بتقديم الرعاية الصحية. ومازال الناس في الصحراء والقرى البعيدة من كيدال يضطرون إلى الذهاب إلى تمنراست وتين زوتين في جنوب الجزائر من أجل العلاج الطبي".

الوصول إلى المناطق المحتاجة

وعلى الرغم من أن بعض الوكالات مثل اللجنة الدولية للصليب الأحمر استطاعت التفاوض لتوصيل المساعدات الإنسانية في جميع المناطق الشمالية الثلاثة، ذكرت وكالات أخرى أن وصولها إلى تلك المناطق كان محدوداً.

وقال الطاهر مايجا، الموظف لدى اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن الصليب الأحمر هو المنظمة الإنسانية الوحيدة الموجودة في المناطق الـ 11 في كيدال.

وأضاف أنه "لا توجد مناطق لا يمكننا العمل بها. فقد تواجدنا في جميع المناطق منذ تحرير الشمال في يناير. وأثناء الاحتلال عملنا مع القيادات المحلية للوصول إلى كل من غاو وكيدال. ونحن نعمل بصورة وثيقة مع القوات المالية وبعثة الأمم المتحدة لتحقيق الاستقرار في مالي ونقوم بإخطارهم عندما نذهب إلى مناطق حساسة حول أنسونجو وميناكا وغرب تمبكتو في اتجاه الحدود مع موريتانيا".

وقالت منظمة أوكسفام أنه يمكنها الوصول إلى منطقة غاو ولكنها تراقب باستمرار تطور المخاطر الأمنية. ويوجد لدى منظمة أطباء بلا حدود عمليات وموظفون في تمبكتو وغاو ولكنها لا تتواجد في منطقة كيدال. كما تعمل منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) في غاو وتمبكتو ولكنها غير متواجدة في كيدال، في حين يقدم برنامج الأغذية العالمي الغذاء في كيدال عن طريق اللجنة الدولية للصليب الأحمر وبعض الشركاء المحليين. 

وفي تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية قال جريسلي أن وكالات الأمم المتحدة سوف تعود إلى الاستعانة بمرافقين عسكريين كملاذ أخير، مضيفاً أن "البيئة متقلبة ونحن نعمل على زيادة الوصول الإنساني إلى المناطق النائية من دون الاعتماد على الجنود".

kh/aj/rz-hka/dvh