العاملون في المجال الإنساني يحاولون اللحاق بركب التقدم التكنولوجي

وفرت الابتكارات الحديثة مجموعة كاملة من الأدوات الحديثة للمجتمع الإنساني. لذلك يستخدم الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر الإصدار الأخير من تقريره السنوي عن الكوارث في العالم لتسليط الضوء على بعض التطورات التكنولوجية التي دخلت حيز الاستخدام في حالات الطوارئ، من أجل فتح باب النقاش حول فوائدها وأوجه قصورها المحتملة.

ويكشف التقرير، الذي صدر هذا الشهر، عن كيفية استخدام البيانات الأولية المأخوذة من شركات الهاتف في تعقب التحركات المفاجئة للسكان، وكيفية استخدام صور الأقمار الصناعية لتوضيح الآثار المادية الناجمة عن الكوارث الطبيعية في المناطق التي كان سيصعب الوصول إليها لولا وجود هذه التقنيات. ويستخدم الأطباء من شتى أنحاء العالم برنامج "سكايب" لتوجيه العلاج الطبي في بعض مناطق سوريا التي لا يمكنهم السفر إليها، كما يتم استخدام برنامج "غوغل بيرسون فايندر" لجمع شمل العائلات– وهو تطبيق عال التقنية للقيام بواحدة من أقدم مهام الصليب الأحمر.  
 
وتؤدي زيادة درجة التشبع بالهاتف النقال أيضاً إلى تغير علاقة العاملين في مجال المساعدات الإنسانية بالمستفيدين منها. وبحلول العام القادم، من المتوقع أن يكون عدد المشتركين في خدمات الهاتف النقال مساوٍ لعدد سكان الأرض. وتستخدم وكالات المعونة الهواتف المحمولة في الوصول إلى الأشخاص المحتاجين، وفي التحويلات النقدية، وفي التحذير من المشاكل الوشيكة، وكذلك في تحديد هوية الذين قتلوا أو أصيبوا بشدة في الكوارث- ويستخدم متلقو المساعدات هواتفهم لمحادثة عمال الإغاثة.  

وفي كل حالة طوارئ جديدة، تعج الموجات الهوائية بالبيانات، حيث يقوم الناس بإرسال رسائل بشكل محموم إلى ذويهم وأحبائهم، وإلى السلطات والعالم من خلال مواقع مثل "الفيسبوك" و"تويتر". وتقوم هذه البرامج بنقل الأخبار وطلبات المساعدة وصور الأضرار التي وقعت. والآن نشأ جيش من المتطوعين الرقميين، الذين يعرضون العمل على مقارنة تلك البيانات وترجمتها، وعند الضرورة، يعملون على تحديد الموقع الجغرافي لهذا السيل من البيانات.

قم بنفسك بعمل الإغاثة في حالات الكوارث

إنه تطور مثير ولكنه أيضاً مخيف خاصة لعمال الإغاثة الذين يتمتعون بقدرة ذهنية محدودة في التعامل مع التكنولوجيا، وفي الاجتماع الذي عقد الأسبوع الماضي في معهد التنمية الخارجية في لندن كان هناك مزيج من الحماس والتوتر بشأن هذا الأمر.

فعلى الرغم من أن التقنيات الجديدة أسفرت عن بعض التغيرات في الاستجابة للكوارث وعن الكثير من إعادة التفكير، إلا أن العديد من أفراد مجتمع الإغاثة الإنسانية ليسوا من الأوائل في تبني تلك التقنيات. واليوم بات من الشائع أن تصل إلى مكان وقوع الكارثة وتجد أن السكان المحليين قد سبقوا الوكالات الإنسانية في استخدام التكنولوجيا المتاحة الأنسب لحالتهم.

وقال ايموجين وول، المنسق العالمي للاتصالات مع المجتمعات في مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) أن "الطريقة التي تنتقل بها المعلومات الآن مختلفة بشكل جوهري. فنحن معتادون على ما يمكن أن تسميه نموذج السيطرة والقيادة ولكن ما يفعله الفيسبوك وتويتر هو تبادل المعلومات بين عدد كبير من الناس. فالناس يمكنهم الذهاب إلى تجمع ضخم من المعلومات والحصول على ما يحتاجونه لأنفسهم".

وعلى سبيل المثال، أشار تقرير الاتحاد الدولي للصليب الأحمر والهلال الأحمر إلى تطبيق يسمح للناس بتقديم أو طلب المساعدة ويقوم بتنسيق الطلبات مع العروض متجاوزاً بذلك المستجيبين التقليديين للكوارث ومقدماً نوعاً من طريقة "قم بنفسك بعمل الإغاثة في حالات الكوارث".

في نفس الوقت، غالباً ما يعاني عمال الإغاثة من طريقة استخدام مثل تلك التقنيات الجديدة. وقالت ليز هيوز من منظمة ماب أكشن أنه "حينما نفكر بشأن استخدام التقنية في الاستجابة للكوارث نحتاج إلى التفكير في قاعدة المهارات في مجتمع الإغاثة الإنسانية نفسه. فنحن نقوم بالتدريب على استخدام نظام تحديد المواقع العالمي (جي بي إس) ومن المدهش أن هذا الشيء البسيط مثل القدرة على تحديد المواقع الجغرافية مازال يمثل تحدياً. ولا تزال هناك فجوة بين الاحتمالات المتاحة وما نحن فيه الآن".

مشاكل الثقة

وتقدم التقنية أحياناً معلومات مفيدة لا تعرف وكالات الإغاثة ما الذي تفعله بها. ويشير التقرير إلى مشروع في جمهورية أفريقيا الوسطى قام بإنشاء خارطة أزمة لحظية يتم تغذيتها عن طريق شبكة من المؤسسات الإعلامية المحلية ومراسلي المجتمع. ويقول التقرير أن "العاملين في المجال الإنساني لعبوا دوراً سلبياً بشكل أساسي. فقد قاموا بأخذ مشورة التقارير والخرائط ولكن مساهمتهم بها كانت ضئيلة. والمعلومات المأخوذة من الخريطة لم تؤثر بشكل مباشر على القرارات أو الإجراءات. وهذا يرجع بصورة جزئية إلى اعتمادهم على شبكات المعلومات الخاصة بهم وإلى عدم ثقتهم في وسائل الإعلام والبيانات التي جمعها الجمهور على أساس مدى صدقيتها والمخاطر المترتبة عليها".

وتعتبر مسألة الثقة قضية هامة لأنه حرية البيانات تأتي مع لاعبين غير مدربين على مراعاة معايير الحيادية والنزاهة والاستقلالية. وأحياناً يتم تحديد هوية المتطوعين الرقميين من خلال أسمائهم فقط كمستخدمين للإنترنت، وهؤلاء الذين يعرضون التدقيق فيما يرد من تغريدات على موقع تويتر أو تقارير الخريطة في حالات الطوارئ قد يقوموا بذلك بدافع التزامهم بالانحياز إلى جانب أحد أطراف النزاع. فالهواة المتحمسون قد لا يكونون على دراية بالتداعيات الممكنة التي يمكن أن يواجها ناقلو الخبر إذا كانت مصادر المعلومات عامة أو يمكن تتبعها.

ولكن هناك طرق للتحقق من البيانات التي يكون مصدرها الجمهور. فعلى سبيل المثال، يوجد لدى هيئة الإذاعة البريطانية (البي بي سي) وحدة تعمل على التحقق من المحتوى الذي يقوم المستخدم بتقديمه منذ عام 2005 قبل أن تبدأ خدمة تويتر. كما أن خدمات الطوارئ تضطر دائماً إلى التعامل مع نسبة من المكالمات والتحذيرات الكاذبة.

ويمكن أن يخلق الإفراط في الاعتماد على التكنولوجيا مشاكل أيضاً، طبقاً لما ذكره التقرير. فغالباً ما تتوقف شبكات الهاتف والكهرباء عن العمل أثناء الكوارث على سبيل المثال. وقد أظهرت الكوارث في اليابان والولايات المتحدة أن الاعتماد على الحلول والتطبيقات التقنية لنشر المعلومات وتوصيل مساعدات الإغاثة يمكن أن يستثني كبار السن والفقراء والأشخاص الأقل تعليماً- وهم غالباً الفئات الأكثر حاجة إلى المساعدة.

مع ذلك، فإن العالم يتغير وعلى العاملين في المجال الإنساني أن يتكيفوا مع هذا التغير. وقال بول كونيلي من الاتحاد الدولي للاتصالات في اجتماع لندن: "في النهاية، لا يتعلق الأمر بالتكنولوجيا ولكنه يتعلق بالناس. ليس لدينا أي عذر بعد الآن. فالتكنولوجيا موجودة لضمان أن المجتمعات أنفسها تأخذ زمام المبادرة والعاملون في المجال الإنساني موجودون لكي ييسروا لهم الأمور ويساعدوهم".

eb/rz-hka/dvh