مجموعة الـ 33 تستأنف المحادثات في منظمة التجارة العالمية بشأن الإعانات

تهدد التأثيرات المجتمعة للتباطؤ الاقتصادي العالمي وتنامي الصدمات المناخية الأمن الغذائي في الدول النامية، ما يدفع الكثير من الدول لاستئناف محادثات منظمة التجارة العالمية بشأن حدود الدعم للمزارعين.

وفي هذا الصدد، تطالب مجموعة من الدول النامية- تعرف باسم مجموعة الـ 33 - بتجاوز حدود الدعم المحلي المتفق عليها عند شراء وتخزين وإمداد الحبوب والأغذية الأخرى بغية تعزيز الأمن الغذائي بين الفقراء، حيث تريد استثناء هذه التغييرات من أي طعن قانوني.

وترغب هذه الدول بشكل أساسي في حرية شراء الحبوب بأسعار محددة من المنتجين، واستخدام تلك الحبوب في تكوين مخزونات للتوزيع. والجدير بالذكر أن قواعد منظمة التجارة العالمية لا تفرض حدوداً على كمية الأغذية التي يمكن شراؤها بأسعار السوق بالنسبة للمخزونات الغذائية، كما أنها لا تحدد كمية المواد الغذائية التي يمكن تقديمها كمعونات غذائية محلية بأسعار مدعومة بل تعمل فقط على ضبط عملية شراء الحبوب بأسعار تحددها الحكومات.

وسيتم مناقشة المقترح في الاجتماع الوزاري لمنظمة التجارة العالمية المقرر انعقاده في بالي بإندونيسيا في شهر ديسمبر.

ويساور الدول المتقدمة وبعض الدول النامية مخاوف من أن يؤثر مقترح مجموعة الـ 33- الذي تدعمه كل من الهند والصين وإندونيسيا- على الأمن الغذائي في الدول المجاورة. كما تخشى من إمكانية أن تؤدي هذه التدابير إلى حدوث فوائض في المخزونات ومن ثم يمكن للدول الأعضاء في مجموعة الـ 33 إغراق السوق العالمية بها، والإخلال بالأسعار العالمية.

من جانبه، يرى أشوك جولاتي، رئيس لجنة "تكاليف وأسعار المواد الزراعية (CACP) في الهند، أن الهند تريد مرونة أكبر في تقديم الدعم للمزارعين والمستهلكين لأن الحكومة الهندية تدشن خطة ضخمة للأغذية المدعومة من خلال نظام توزيع عام يهدف للوصول إلى ثلثي سكان الدولة- أي إلى قرابة 800 مليون شخص. وقال لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن إمكانية أن تصبح الهند في وضع يجعلها تتجه للتخلص من المخزونات الفائضة "تحدث مرة واحدة كل 10 سنوات" مضيفاً أن "الإخلال الأكبر سيكون على المستوى المحلي،" في إشارة إلى الاختلالات في الأسواق المحلية.

من ناحية أخرى، قال ممثل من إحدى دول مجموعة الـ 33 في منظمة التجارة العالمية، فضّل عدم ذكر اسمه، أن المقترح لا يحظى بدعم جميع أعضاء المجموعة. "فالهند هي بالفعل أكبر مصدر للأرز في العالم... وصغار المصدرين سوف يفقدون قدرتهم التنافسية بسبب الإعانات الهندية... إن أسعار الأرز آخذة في التراجع بالفعل، وفي ظل ضخ المزيد من الإعانات يمكن أن تؤدي إلى انهيار الأسعار".

 على الرغم من أن الأسواق الزراعية قد تطورت بشكل كبير منذ عام 2007، إلا أن قواعد التجارة العالمية لم تتطور

 وقال أن الدعم المُقدم لإنتاج الأرز في الهند- سواء في شكل مدخلات زراعية ومشتريات- يصل إلى مليارات الدولارات وأن ضخ المزيد من الدعم يمكن أن "يدمر" استدامة الزراعة و"يخلق حالة من انعدام الأمن الغذائي بدلاً من الأمن الغذائي" في المنطقة.

وقد انتقد جولاتي علانية خطة الحكومة الهندية الخاصة بتخزين الحبوب الأساسية بسبب تأثيراتها المحتملة على الأسعار في الأسواق المحلية، وذلك وفقاً لمقابلات مع صحيفة "إيكونوميك تايمز" اليومية الهندية ووكالة الأنباء الرقمية (DNA).

ويرى أن الاستغناء عن الأغذية المدعومة لن يعالج سوء التغذية، الذي يمثل مشكلة كبيرة في الهند، حيث يعاني ما يقرب من نصف عدد الأطفال من سوء التغذية. ويعتقد جولاتي أن السبيل الوحيد لحل هذه المشكلة يكون من خلال المعالجة الشاملة لمختلف أبعاد انعدام الأمن الغذائي، مثل زيادة فرص الحصول على المياه النظيفة وتحسين وضع المرأة.

في السياق ذاته، هناك ورقة عمل جديدة، صدرت من قبل كل من "المركز الدولي للتجارة والتنمية المستدامة" (ICTSD) ومقره جنيف ومنظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، تتبنى وجهة نظرة متعاطفة مع مواقف كلا الجانبين، وتستخدم هذا الاقتراح كجرس إنذار حول الحاجة إلى إصلاح قواعد التجارة الزراعية العالمية. وترى الورقة أنه حدث إصلاح ضئيل جداً في قواعد التجارة الزراعية منذ ما يعرف "بجولة الأوروجواي" للمفاوضات المتعددة الأطراف التي قادت إلى إنشاء منظمة التجارة العالمية منذ عقدين.

وتشير الورقة إلى أنه "يمكن النظر إلى مقترح مجموعة الـ 33 على نطاق أوسع باعتباره يقدم مؤشرات على التحديات التي تواجه العديد من الدول في تصميم السياسات الرامية إلى تحقيق أهداف الأمن الغذائي في بيئة الأسعار الجديدة".

وأضاف أنه "على الرغم من أن الأسواق الزراعية قد تطورت بشكل كبير منذ عام 2007، إلا أن قواعد التجارة العالمية لم تتطور".

دعم أو لا دعم

وتشكل الإعانات الزراعية نقطة خلافية منذ سنوات، ذلك أن منظمة التجارة العالمية قد وضعت حدوداً قصوى للمبالغ التي يمكن أن تنفقها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في تقديم الإعانات الزراعية التي تخل بالتجارة، ومع ذلك ترى جماعات ناشطة في مجال حقوق الغذاء أن هذه الحدود لا تزال مرتفعة إلى حد ما.

وأشار المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية (IFPRI) إلى أن موجه الجفاف التي ضربت الولايات المتحدة الأمريكية في عام 2012 وتقلب أسعار المواد الغذائية قد قاد واضعي السياسات هناك وفي الاتحاد الأوروبي إلى إعادة التفكير في حماية مزارعيهم وتقديم الدعم لهم.

وتجدر الإشارة إلى أن السياسة الزراعية في الولايات المتحدة الأمريكية يحكمها قانون يعرف بـ "قانون المزارع"، يجري تحديثه مرة كل أربع سنوات، ولكن تم تمديد تشريع عام 2008 إلى سبتمبر 2013، عندما فشل الطرفان- الديمقراطيون والجمهوريون- في التوصل إلى اتفاق بشأن الأغذية المدعومة للفقراء في البلاد. ويوصي مشروع القانون المقترح بتدشين برنامج تأمين موسع يشمل إعانات تأمين لمحاصيل جديدة، يكفل للمزارعين الحصول على إعانات عندما تتراجع إيرادات بعض المحاصيل دون المستوى المستهدف. كما يحدد أسعار مستهدفة أعلى للمحاصيل التي تؤدي لتقديم إعانات عندما تنخفض الإيرادات لعدة سنوات متتالية. ومن المرجح أن يتم البدء في مناقشة مشروع القانون هذا في غضون الأسابيع المقبلة.

وعلى الرغم من أن الاتحاد الأوروبي قد تخلى إلى حد كبير عن تقديم إعانات التصدير لدعم التخلص من فائض الإنتاج في الخارج، إلا أن السياسة الزراعية المشتركة للاتحاد الأوروبي لا تزال تضمن مستويات عالية من الدعم المباشر للمزارعين وتعمل على حماية أسواق الاتحاد الأوروبي. وفي حين أن الاتحاد الأوروبي قد أدخل إصلاحات كبيرة على الدعم الزراعي على مدار السنوات الماضية بغية الحد من آثاره على التجارة والإنتاج، إلا أن البعض يتساءل عما إذا كان الدعم المقدم لايزال يعطي المنتجين الأوروبيين ميزة على المنافسين في الأماكن الأخرى.

من ناحية أخرى، أجبر التباطؤ الاقتصادي وتأثيره على العملات المحلية الدول النامية، مثل زامبيا، على إلغاء الإعانات المقدمة للمزارعين والمطاحن لأنه ينظر للإنفاق على أنه استنزاف للموارد المحدودة للدولة.

المزيد من الاختلالات؟

وإذا كانت الدول الأكثر ثراء تعزز دعمها لمزارعيها بينما تخفض الدول الأفقر دعمها، هل يقود هذا لتزايد الاختلالات؟

في هذا الصدد، قال جيمي موريسون، أحد كبار الاقتصاديين في منظمة الأغذية والزراعة والمؤلف المشارك لورقة العمل المشتركة المشار إليها آنفاً، أنه بصفة عامة عند النظر في تقديم الدعم للمزارعين في أوقات الكوارث، ينبغي على الدول مراعاة نوع الدعم الذي يجب أن تقدمه. ففي الدول الغنية، يوجد لدى المزارعين فرص للحصول على التأمين والاستفادة من شبكات الأمان الأخرى، وهي أمور قد لا تتوفر في الدول النامية.

واضاف أن الدول الغنية تستخدم التمويل العام "لكي تأمن الخسائر المحتملة [للمزارعين] في الأماكن التي قد تكون فيها مؤسسات التأمين في القطاع الخاص أقل استعداداً لتغطيتها. ويعتبر هذا النوع من الدعم أقل إخلالاً بالأسواق والتجارة".

ولكن الدول النامية تميل إلى التدخل بشكل مباشر في السوق من أجل تثبيت الأسعار للمنتجين مع تزويد المستهلكين "بمستوى معين من الحماية ضد ارتفاع أسعار المواد الغذائية"، حسبما أفاد موريسون. وهذا يؤدي في العادة إلى شراء الحبوب بأسعار أعلى من القيمة السوقية وإدارة التجارة عبر الحدود. وهذا الدعم لا يتسبب في استنزاف خزينة البلاد فقط، بل "يعتبر عامل اختلال في الأسواق والتجارة".

كما أن هذه الإعانات، سواء كانت في شكل مدخلات زراعية أرخص أو أسعار أعلى للمنتجات، لا تصل في الغالب إلى المزارعين المستهدفين الأشد فقراً، بل غالباً ما تكون مدفوعة بالانتهازية السياسية- أي استرضاء أغلبية السكان في الدول النامية الذين يعتمدون على الزراعة في الحصول على الدخل والغذاء. 

قد يكون الدعم المباشر للمزارعين بالنسبة للعديد من الدول أمراً ضرورياً لتسهيل التحول الزراعي وربما يكون "الخيار العملي المتاح فقط نظراً لضعف المؤسسات العامة الأخرى التي يمكن أن تدعم الإنتاج

 إلى ذلك، قال جولاتي، الذي كان يرأس في السابق مكتب آسيا في المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية: "الإعانات للأسمدة والطاقة والري ليست موجهة. وقد ارتفعت الإعانات بصورة أسرع بكثير من الاستثمارات العامة في الزراعة [في الهند]. فهامش العائد من الإعانات أقل من ربع هامش العائد الذي يتأتى من الاستثمارات. ومع ذلك فإن الإعانات تتضاعف نظراً لأنها تحقق مكاسب سياسية أعلى. والهند تريد كسب المزيد من النفوذ مقابل تقديم مثل تلك الإعانات".

ولكن موريسون يرى أن الدعم المباشر للمزارعين بالنسبة للعديد من الدول "قد يكون أمراً ضرورياً لتسهيل التحول الزراعي" وربما يكون "الخيار العملي المتاح فقط نظراً لضعف" المؤسسات العامة الأخرى التي يمكن أن تدعم الإنتاج. وأضاف أن "زيادة استخدام نظام أكثر اعتماداً على الأدوات القائمة على السوق قد يساهم في الاستفادة من الموارد على نحو أكثر كفاءة، ولكنه قد يكون غير عملي في الوقت الحالي".

أما جوناثان هيبورن، مدير برنامج الزراعة مع المركز الدولي للتجارة والتنمية المستدامة فقال أن "قواعد منظمة التجارة العالمية يجب أن تأخذ في الاعتبار حقيقة أن كل دولة تختلف عن الأخرى، ولدى بعضها موارد أقل لتحقيق أهداف السياسة العامة".

التفاوض

وأشار هيبورن إلى أن مجموعات التفاوض في منظمة التجارة العالمية، قد سعت في الآونة الأخيرة، للحصول على معاملة تفضيلية. فعلى سبيل المثال، تتفاوض الدول الأقل نمواً على أن تحظى ببعض المرونة في تنفيذ التعريفة الجمركية على المنتجات الزراعية. مع ذلك، تواجه الدول الأقل نمواً قيوداً على كميات وأنواع الإعانات التي تقدمها-على الرغم أن العديد منها يفتقر إلى الموارد اللازمة لتوفير مبلغ دعم المزارع الذي يعتبر حداً أقصى وفقاً لقواعد منظمة التجارة العالمية.

ويرى هيبورن أن جزءاً من المشكلة التي تعرقل الاتفاق على قواعد جديدة للتجارة هي "تحقيق توازن بين الحقوق والمسؤوليات لمجموعات مختلفة من الدول- خاصة وأن المشهد الاقتصادي العالمي قد تطور بشكل كبير خلال العقد الماضي".

وتشير منظمة التجارة العالمية إلى أنه في شهر ديسمبر المقبل، قد تقرر الدول "إعفاءً مؤقتاً" (إعفاء قانوني يسمح لبعض الدول الأعضاء بتجاوز حدودها)، وهو بيان سياسي غير ملزم من قبل رئيس المؤتمر أو حل وسط بين الأمرين. وفي بعض الأحيان، يطلق على المرونة في هذه السياسات مصطلح "بند السلام" أو "ضبط النفس الواجب"، نظراً لأن الأعضاء سوف يتجنبون الدخول في منازعات قانونية ضد الدول النامية في ظل هذه الظروف.

jk/rz-kab/dvh