حان الوقت للوقاية من سوء التغذية لدى الأطفال في منطقة الساحل

من المتوقع أن يرتفع معدل سوء التغذية لدى الأطفال دون سن الخامسة في منطقة الساحل مرة أخرى هذا العام، على الرغم من هطول كمية معقولة من الأمطار وتوقعات بأن يكون الحصاد في حدود المعدل المتوسط. وبينما يعكف المتخصصون على جمع أدلة قوية حول أنجع السبل لإنقاذ حياة 1.5 مليون طفل في المنطقة - تتجاوز توفير الغذاء لمعالجة الملاريا، وتعزيز الرعاية الصحية، وزيادة تغطية التحصين باللقاحات، وتحسين فرص الحصول على المياه النظيفة كجزء من حزم متكاملة - لا تزال الجهات المانحة متحفظة إزاء الالتزامات المالية.

ومن بين 6.9 مليون طفل دون سن الخامسة لقوا حتفهم في عام 2011، عاش أقل من النصف بقليل في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، وفقاً لتقرير وضع الأطفال في العالم لعام 2013، الذي أصدرته منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف). وحدثت ثلث هذه الوفيات في بوركينا فاسو وتشاد ومالي والنيجر ونيجيريا، حسبما ذكرت منظمة أطباء بلا حدود، وكان سوء التغذية هو السبب الكامن وراء نصف هذه الوفيات.

وأكد ستيفان دويون، منسق وحدة الطوارئ التابعة لمنظمة أطباء بلا حدود في غرب أفريقيا: "إنها مشكلة ضخمة. ولا يمكننا الفصل بين الوفيات وسوء التغذية هنا".

وتجدر الإشارة إلى أن عدد الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد الوخيم في منطقة الساحل ارتفع خلال العامين الماضيين إلى 1.5 مليون طفل في عام 2013. وبالإضافة إلى عدد الأطفال دون سن الخامسة والنساء الحوامل المصابين بسوء التغذية الحاد المعتدل (أو الذين يعانون من "الهزال")، يصل عدد من يعانون من سوء التغذية في المنطقة إلى 5 ملايين شخص.

ويوضح التحالف من أجل العمل الطبي الدولي (ALIMA)، وهو منظمة غير حكومية تختص بشؤون الصحة والتغذية، أن هناك أسباباً متعددة وراء ارتفاع حالات سوء التغذية هذا العام، من بينها ارتفاع أسعار المواد الغذائية، والصراع، وارتفاع معدلات الإصابة بالملاريا، وتحسن التغطية الإنسانية - الذي قد يعني تحسن الإبلاغ عن سوء التغذية لدى الأطفال. وتشمل الأسباب الهيكلية الأخرى ضعف النظم الصحية، والفقر المدقع، وسوء حالة شبكات المياه والصرف الصحي، وعدم كفاية إجراءات رعاية الرضع.

من جانبه، قال أوغستين أوجييه مدير مكتب التحالف من أجل العمل الطبي الدولي في غرب أفريقيا أن علاج الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية الحاد في العديد من بلدان الساحل قد وصل إلى المستوى "الأمثل" إلى حد كبير. وفي كثير من الأماكن، تعمل المنظمات غير الحكومية واليونيسف وبرنامج الأغذية العالمي والحكومات على مدار الساعة لإنقاذ الأرواح (ولكن هناك استثناءات رئيسية، مثل شمال نيجيريا، حيث يمثل الوصول إلى الأطفال تحدياً كبيراً).

ولكن الجهود الرامية إلى منع الأسباب الرئيسية لسوء التغذية غالباً ما تكون غير مدمجة بشكل كامل، بل "يتم حصرها" في مشاريع تجريبية أو "برامج رأسية" تركز على التطعيمات أو الرعاية الصحية أو التغذية، وتدير كل منها منظمة مختلفة.

علاج الملاريا لعلاج سوء التغذية

والملاريا هي القاتل الأكبر للأطفال دون سن الخامسة في منطقة الساحل، بحسب أبحاث منظمة أطباء بلا حدود، تليها التهابات الجهاز التنفسي الحادة والإسهال وسوء التغذية الحاد. وهذه الأمراض الأربعة مترابطة بالطبع – فعلى سبيل المثال يمكن أن يجعل سوء التغذية الأطفال أكثر عرضة للموت بمرض الملاريا، والعكس صحيح. "ينبغي عليك أن تأخذها جميعاً كحزمة واحدة،" كما أفاد دويون من منظمة أطباء بلا حدود.

وفي السياق نفسه، تغمر حالات الملاريا - أو المزيج من الملاريا وأمراض أخرى - مستشفيات المنطقة خلال موسم الأمطار، مما يشكل ضغطاً كبيراً يفوق قدرات الأطباء في المنطقة. وأكد دويون أن عدد الأطفال الذين تتولى منظمة أطباء بلا حدود علاجهم من سوء التغذية الحاد والوخيم في منطقة الساحل يزداد كل عام. وأضاف قائلاً: "نظراً لذلك، شعرنا بأنه ليس لدينا خيار آخر سوى اللجوء إلى الوقاية. لا يمكن أن نظل ننتظر هذه الموجة المرضية كل عام".

وفي مركز كونسيغويلا الصحي بمنطقة كوتيالا في إقليم سيكاسو في مالي، تسعى منظمة أطباء بلا حدود جاهدة للوقاية من سوء التغذية من خلال التصدي لسلسلة من الأسباب ذات الصلة. وقد أعطت المنظمة أقراصاً مضادة للملاريا لجميع الأطفال - سواء كانوا مصابين بالمرض أم لا - خلال موسم الملاريا الذي يستمر لمدة أربعة أشهر، وذلك كجزء من برنامج مدته سنتان. كما وزعت ناموسيات، ووفرت اختبارات الملاريا السريعة وعلمت العاملين في المجتمعات المحلية كيفية قياس فقدان الوزن باستخدام قياس محيط الذراع. ونتيجة لذلك، انخفضت حالات الملاريا بنسبة 67 بالمائة، وانخفضت الوفيات الناجمة عن الملاريا بنسبة 72 بالمائة، وانخفضت حالات الاحتجاز بالمستشفيات لجميع الأمراض، بما في ذلك سوء التغذية، بنسبة 63 بالمائة.

كما قام البرنامج بتطعيم الأطفال ضد أمراض المكورات الرئوية، وأعطى أملاح الإماهة الفموية للأطفال المصابين بالإسهال، ووفر الكلور لتنقية المياه، وقدم المكملات الغذائية وزيارات المتابعة العادية المجانية التي يقوم بها العاملون الصحيون.

منذ بدء البرنامج قبل عامين، انخفضت حالات التقزم في كونسيغويلا بنسبة الثلث ووفيات الأطفال بمقدار النصف. ووصف دويون هذه النتائج بأنها "مذهلة".

كما تم تنفيذ نهج متكاملة مماثلة في أجزاء من تاهوا ومارادي وزيندر في النيجر وفي بلدة ماساكوري في تشاد.

وقال دويون أن المذهل أيضاً هو استمرار 97 بالمائة من الأمهات في البرنامج. ففي كثير من الأحيان، تنسحب الأمهات من البرامج الصحية لأنهن لا يستطعن العودة إلى العيادة لإجراء جميع الفحوصات الطبية، والحصول على دعم التغذية والتطعيمات المطلوبة، ولكن هذا البرنامج، الذي قدم كل هذه الخدمات في آن واحد، كان أكثر قابلية للتنفيذ.

كما أظهر برنامج متكامل للوقاية من سوء التغذية نفذه المشروع الدولي للمكملات الغذائية القائمة على الدهون (iLiNS) نتائج إيجابية.

من جانبه، أشار روبرت بايبر، منسق الشؤون الإنسانية في منطقة الساحل، إلى أن المنطقة تحتاج إلى مثل هذه النهج الجديدة - وليس فقط قطاع التغذية. وأضاف أن "هذا هو الوقت المناسب لإجراء هذه المناقشات. فالمشكلة تكاد تخرج عن سيطرتنا، ونحن بحاجة إلى أفكار وحلول جديدة".

توسيع النطاق

والمطلوب الآن هو توسيع النطاق، حيث قال أوجييه من التحالف من أجل العمل الطبي الدولي أن على الجهات المانحة أن تبدأ في تمويل هذا النوع من النهج.

وقد حسبت منظمة أطباء بلا حدود التكاليف التقريبية، ووجدت أنها ستبلغ 201.25 دولاراً تقريباً لكل طفل على مدى عامين (على افتراض أن بعض أجزاء من هذا المبلغ ستتم تغطيتها من قبل الجهات الممولة الحالية، مثل اليونيسف ومؤسسة غيتس)، ولكن يمكن خفض العديد من جوانب هذه التكلفة بمرور الوقت، بحسب تقديرات دويون، بما في ذلك تكلفة الأغذية التكميلية - الأطعمة الغنية بالمغذيات الدقيقة التي يحتاج إليها الأطفال - التي تبلغ 113 دولاراً من المبلغ الإجمالي. وأضاف أن توسيع النطاق سيؤدي في نهاية المطاف إلى خفض الأسعار.

في الوقت نفسه، تشير تقديرات بعض الوكالات الإنسانية إلى أن نفقات علاج سوء التغذية الحاد الوخيم تتراوح بين 80 دولاراً و100 دولار.

ولا تستطيع الحكومات الوطنية تنفيذ هذه البرامج بمفردها حتى الآن. ففي النيجر، سوف يحتاج نحو 20 بالمائة من 377,000 طفل يعانون من سوء التغذية الحاد هذا العام إلى ثمانية أيام من العلاج في المستشفى في المتوسط. وهذا يتطلب ملء 1,500 سرير في المستشفيات بالمرضى الذين يعانون من سوء التغذية الحاد، بحسب تقديرات أوجييه، ولكن في مدينتي زندر ونيامي، لا يوجد سوى 80 سريراً لكل منهما. وشدد أوجييه على أن "الناس يتحدثون عن نقل المسؤولية عن علاج سوء التغذية إلى الحكومات، ولكنها ببساطة لا تملك الموارد اللازمة لتنفيذها. لا يمكن تنفيذ نفس نوع المشروع الذي تنفذه منظمة أطباء بلا حدود على نفس النطاق في جميع أنحاء النيجر".

ونادى بايبر بأن تكون الحكومات الوطنية في مقعد القيادة، لكنه اعترف بأن توفير القدرات المطلوبة "أمر صعب للغاية".

"فأنت بحاجة إلى القيام بذلك [توسيع النطاق] بالآليات المتاحة داخل الحكومات بالفعل ... باستخدام قاعدة بيانات عن الفئات الضعيفة،" كما أشار سيبريان فابر، رئيس رئيس فرع المكتب الإنساني للجماعة الأوروبية (إيكو) التابع للمفوضية الأوروبية في غرب أفريقيا. وتقوم حكومات مثل زيمبابوي وإثيوبيا بتوسيع نطاق برامجها بالفعل، ولكن منطقة الساحل لم تصل إلى هذا المستوى حتى الآن.

كما لابد أن توافق الجهات المانحة وتشارك أيضاً، ولكن البعض يخشون أن هذا سيحدث ببطء. "عندما يتعلق الأمر بالجهات المانحة، نحن بحاجة إلى التزام قوي بتحقيق هذا الهدف،" كما أوضح أوجييه.

ويتفق المكتب الإنساني للجماعة الأوروبية، الذي يعد واحداً من أكبر الجهات الممولة للتغذية في منطقة الساحل، تماماً مع مبدأ التكامل. وأكد فابر أن "هذا ما كنا نقوله منذ فترة طويلة". يدعم المكتب الإنساني للجماعة الأوروبية بالفعل بعض أعمال التكامل ويراقب الأعمال الميدانية لمعرفة أي مجموعة من البرامج تنجح في تحقيق الهدف - سواء كانت نقدية أو لقاحات أو مدخلات زراعية أو غيرها من المساعدات.

لكن دويون أفاد أن الدليل على نجاح برامج الوقاية واضح بالفعل، مؤكداً "أننا نفعل ذلك [الوقاية المتكاملة] بالفعل في كل مكان - في أمريكا اللاتينية وأوروبا والولايات المتحدة. إنها ليست أمراً جديداً. لقد أدينا عملنا ووثقنا النتائج وتولينا التمويل بأنفسنا. والآن ليست لدينا القدرة على القيام بذلك بأي طريقة مختلفة".

الالتزامات لا تزال غامضة

وتدعم الجهات المانحة الإنسانية هذا النهج من الناحية النظرية، على الرغم من أنها لم تغير استراتيجياتها التمويلية حتى الآن.

وسوف تشمل حزم التكامل تنسيق الجهات المانحة. فعلى سبيل المثال، يمكن أن تركز بعض الجهات المانحة على الملاريا، وبعضها الآخر على اللقاحات، لكن كجزء من حزمة مجمعة ومتفق عليها يتم تسليمها إلى كل طفل. ولكن فابر حذر من أن "تنسيق [الجهات المانحة] ليس بالأمر اليسير ... فلكل واحدة منها قواعدها وأنظمتها الخاصة. ومن الصعب ايقافها في صف واحد".

من جهتها، تدرس وزارة التنمية الدولية البريطانية (DFID) تمويل برامج متكاملة للوقاية من سوء التغذية كجزء من استراتيجيتها للفترة من 2014 إلى 2017، لكنها لم تضع اللمسات الأخيرة على خططها حتى الآن، كما أشارت نادية جين غيلين، مستشارة الشؤون الإنسانية لمنطقة الساحل في وزارة التنمية الدولية.

ولم تحدد الوكالة الأميركية للتنمية الدولية ما إذا كانت ستتبع نهجاً متكاملاً في مجال التغذية نظراً لعدم قدرة الموظفين على الإدلاء بتصريحات بسبب إغلاق الحكومة الامريكية. مع ذلك، فإنهم ينفذون برامج دعم القدرة على الصمود من خلال الجمع بين برامج التغذية والأمن الغذائي والزراعة والصحة.

في الوقت نفسه، أظهر تحول الأمم المتحدة إلى نداء تمويل يستمر لمدة ثلاث سنوات في منطقة الساحل "أننا نعترف بالحاجة إلى نهج جديد للتعامل مع هذه القضايا المزمنة. كما يؤكد تطبيق الدروس المستفادة،" بحسب تصريحات بايبر.

ولكن لكي يكتسب مثل هذا النهج المزيد من الزخم، يجب على الجهات المانحة في مجال التنمية أن توافق على المشاركة سواء بالمال أو باتباع أسلوب الاستهداف.

وأوضح بايبر أنه "في الأساس، ينبغي على جميع الوكالات المعنية الاتفاق على مجموعة مشتركة من العملاء،" مضيفاً أنه عادة ما يحدث تداخل بين عملاء الوكالات الإنسانية، ولكن "ينبغي أن تكون هذه الأسر نفسها في صميم استراتيجيات مخططي التنمية. هذا هو التغيير الجذري الذي نحتاج إليه".

aj/rz-ais/dvh