ليبيا تناشد الاتحاد الأوروبي مساعدتها في التصدي للمهاجرين غير الشرعيين

مع نهاية الحرب الأهلية الليبية منذ عامين، تحولت ميلشيا مسلحة يطلق عليها "لواء بن سليمان" من قتال القوات الموالية للقذافي إلى الاعتناء بأكثر من 200 نوع من الحيوانات، بما في ذلك الأسود والتماسيح وأفراس النهر في حديقة الحيوان في العاصمة الليبية طرابلس.

ولكن الزيادة في أعداد المهاجرين الذين يسافرون إلى ليبيا أملاً في عبور البحر المتوسط إلى أوروبا وفرّت لقواته مهمة جديدة - وهي احتجاز المهاجرين غير الشرعيين والتعامل معهم.  

وتعليقاً على هذه الزيادة في أعداد المهاجرين، قال سليمان، رئيس المجموعة المسلحة في مقره بحديقة الحيوان، في حوار مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "الزيادة لا تُصدق. يبدو وكأنه في كل مرة نقوم فيها بترحيل 10 مهاجرين، يأتي 100 غيرهم. والسبب في ذلك هو عدم وجود حراسة على الحدود وبالتالي أصبح من السهل جداً أن يعودوا".

ويتم إرسال قرابة الـ 50 مهاجراً جديداً إلى مركز الاحتجاز في الحديقة يومياً، حيث يتم احتجاز نحو 17 شخصاً في كل زنزانة. وعادة ما يتم احتجاز هؤلاء لمدة تتراوح من ساعة إلى 8 ساعات، وعقب استجوابهم يتم إطلاق سراحهم أو نقلهم إلى مركز احتجاز آخر.

وتعمل مجموعة بن سليمان تحت إشراف القسم الخاص بالهجرة التابع لوزارة الداخلية، وتقوم بشن حملات أمنية متكررة على القوارب التي تعتزم الانطلاق إلى أوروبا من الشواطئ حول طرابلس، وفي الكثير من الأحيان تؤدي الحملة الواحدة إلى احتجاز ما لا يقل عن 150 شخصاً.

وأضاف سليمان قائلاً: "في الحملة الأخيرة، وجدنا بين الركاب نساءً حوامل وطفلاً لم يبلغ من العمر سوى بضعة أشهر. لا يهاب هؤلاء الناس المخاطر بل يخاطرون بكل ما لديهم. وكل ما يشغل أذهانهم هو الوصول إلى أوروبا".  

ومع تفاقم مشكلة الهجرة، تم توسيع صلاحيات هذه المجموعة المسلحة لتشمل القضايا المتعلقة بالهجرة، كما تم فتح مركز للاحتجاز. وفي السابق، ساعد أحد أفراد الميليشيا، ويدعى تيبو وينحدر من جنوب البلاد، ناقة في عملية مخاض صعب- حيث قضى ثلاثة أيام في رعايتها. أما الآن فأصبحت عقولهم موجهة نحو التركيز على البشر المحتجزين في حديقة الحيوان.

وعلى الرغم من احتجاز هؤلاء المهاجرين في ذات الموقع الذي توجد فيه بعض من الحيوانات الأكثر خطورة في أفريقيا، إلا أن الظروف في حديقة الحيوان هذه تعتبر أفضل بكثير من العديد من مراكز الاحتجاز الأخرى في ليبيا. فالمحتجزون يمكثون في غرف مكيفة، وقال أولئك الذين تحدثت إليهم شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أنهم يلقون معاملة جيدة، وبدوا بصحة جيدة.

وتمتد حديقة الحيوان على مساحة واسعة، ولهذا السبب يقول سليمان أنه قد تم اختيارها كموقع جيد للاحتجاز. وتشمل الحديقة أيضاً على مبنى تحت الأرض، كان عبارة عن قاعدة عسكرية في عهد نظام القذافي، لكنه أصبح الآن مغموراً بالمياه. وكانت تلك القاعدة العسكرية الوحيدة التي لم يقصفها حلف الناتو، حسبما ذكر سليمان، على اعتقاد أن الحلف ربما لم يرغب في قتل الحيوانات.

مناشدة لتقديم المساعدة

وتناشد ليبيا أوروبا مساعدتها في وقف تدفق المهاجرين عبر أراضيها، حيث يتم احتجاز العديد من الذين يتم إلقاء القبض عليهم، في مراكز احتجاز تفتقر إلى اللوائح التنظيمية، أو يتم احتجازهم على أيدي ميليشيات وعصابات تهريب.

وقال رئيس الوزراء الليبي علي زيدان، في حديث له في 13 أكتوبر، Hنه كان "مصمماً" على التصدي لهذه المشكلة، وطلب السماح باطلاع ليبيا على نظام الأقمار الصناعية للاتحاد الأوروبي من أجل مساعدة السلطات الليبية في مراقبة المهاجرين الذين يسعون للوصول إلى أوروبا. وقال زيدان أيضاً أنه يجري التحقيق في مزاعم تشير إلى أن قارب المهاجرين قد تعرض لإطلاق نار من قبل بعض الميليشيات.  

وقد فشلت الحكومة الانتقالية في ليبيا في إنشاء قوة فعالة من الشرطة أو الجيش، تاركة حدودها مفتوحة، الأمر الذي يتيح بدوره فرصة مربحة لمهربي البشر.

من جهتها، تقول وكالة حماية الحدود التابعة للاتحاد الأوروبي (فرونتكس) أن عدم وجود مثل هذه الضوابط يجعل من ليبيا نقطة الإنطلاق "المفضلة" للمهاجرين الراغبين في الوصول إلى أوروبا.  

ويتدفق المهاجرون من دول مثل سوريا والصومال وإريتريا وتشاد والنيجر ومصر ومالي، قاطعين مئات الكيلومترات من أجل استقلال رحلة بالقارب من ليبيا إلى أوروبا. وغالباً ما تتم مثل هذه الرحلات في قوارب صغيرة، مُحمّلة بأعداد تفوق طاقتها، ومزودة بمحركات رديئة النوع، وقباطنة قليلي الخبرة.

وفي السياق ذاته، تشير المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى أن عدد المهاجرين الذين يسافرون إلى أوروبا عبر ليبيا قد ازداد بنحو ستة أضعاف مثيله في العام الماضي. وتفيد المفوضية أيضاً بأن 4,619 شخصاً قد غادروا ليبيا في شهر سبتمبر الماضي مقارنة بنحو 775 خلال الشهر نفسه من العام الماضي.

وخلال هذا الشهر وحده، لقي مئات من المهاجرين حتفهم وهم يحاولون السفر في سلسلة من حوادث القوارب المنكوبة، حيث لقي 359 مهاجراً مصرعهم عندما انقلبت بهم إحدى تلك السفن قبالة سواحل لامبيدوسا بينما غرق 34 غيرهم في المياه المالطية في 11 أكتوبر الجاري، عِلماً بأن كلا السفينتين انطلقتا من ليبيا. وقد دفعت هذه الأزمة كلاً من إيطاليا ومالطا للضغط من أجل اتخاذ الإجراءات اللازمة لحل هذه القضية في الاجتماع المقبل للمجلس الأوروبي، المقرر انعقاده في 24 أكتوبر الجاري.

وفي هذا الصدد، قال إيمانويل جينياك، ممثل المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في ليبيا أن "كل شيء يشير إلى أن الوضع من حيث عدد المهاجرين الذين يدخلون ليبيا يزداد سوءاً، وأن السلطات تعجز عن التعامل مع الوضع على كافة المستويات".

 كل شيء يشير إلى أن الوضع من حيث عدد المهاجرين الذين يدخلون ليبيا يزداد سوءاً، وأن السلطات تعجز عن التعامل مع الوضع على كافة المستويات

 وأضاف أن الافتقار إلى الموارد، والاضطرابات السياسية، وتدهور الوضع الأمني كلها عوامل تقود إلى إخفاق السلطات في التصدي للعصابات التي تعمل في مجال تهريب البشر، وفي توفير ظروف إنسانية في مراكز الاحتجاز، أو التعامل بشكل صحيح مع اللاجئين السياسيين الشرعيين.

وقال جينياك أن السلطات "مترددة في التعاطي مع أي مبدأ أو إطار عمل يخص اللاجئين لأنها تعتقد بأن ذلك من شأنه أن يجتذب المزيد من المهاجرين إلى ليبيا". وأضاف: "لا أعتقد أن الأمر كذلك. هناك بالفعل الكثير من القادمين ولكنني لا أعتقد أن الأمر قد يصبح أكثر سوءاً".

وهكذا، يؤدي الموقف الذي تنتهجه ليبيا إضافة إلى التدفق المتنامي في أعداد المهاجرين إلى احتجاز غير محدد لآلاف اللاجئين وطالبي اللجوء.

أدلة على التعرض للتعذيب

وقد دعت منظمة العفو الدولية لوضع حد فوري لمثل هذه الممارسات في ليبيا، واصفةً إياها "بغير المقبولة". وقد زارت المنظمة سبعة مراكز احتجاز خلال شهري أبريل ومايو من هذا العام، ووجدت فيها أدلة تشير إلى سوء المعاملة والتعذيب. 

كما تم توثيق العديد من الحالات التي ذكر فيها المحتجزون، بما في ذلك النساء، أنهم تعرضوا للضرب الوحشي بخراطيم المياه والكابلات الكهربائية. كما أفاد مهاجرون في اثنين من مراكز الاحتجاز تلك بأنه قد تم إطلاق الرصاص الحي على بعض المحتجزين خلال أعمال شغب.

من جانبه، قال رئيس الوزراء المالطي في حديث له قبيل الاجتماع المرتقب للمفوضية الأوروبية، خلال رحلة قصيرة إلى ليبيا، أنه لا بد من معالجة هذه المشكلة وشدد على أهمية وجود "التزام سياسي واستراتيجية واضحة" مضيفاً أن ليبيا يجب أن تكون "جزءاً من الحل".  

من ناحية أخرى، يرى جينياك من المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أنه يتعين على الاتحاد الأوروبي أن ينظر إلى ما هو أبعد من ليبيا لكي يتمكن من التعامل بفعالية مع هذا الوضع: "سوف تقول أوروبا أن المشكلة الكبرى تكمن في الشمال لأنها نقطة الإنطلاق إلى المياه الأوروبية، ولكن المشكلة الحقيقية تكمن في جنوب ليبيا. ويشمل ذلك مصر، والسودان، وتشاد، والنيجر، والجزائر وتونس". 

وعلى الرغم من وجود بعثة خاصة تابعة للاتحاد الأوروبي بالفعل في ليبيا من أجل المساعدة في معالجة مشكلات الحدود، إلا أن أثرها لا يزال محدوداً نظراً لكبر مساحة الصحراء الليبية وحقيقة أن البعثة لم تحصل بعد على تصريح أمني لزيارة المنطقة الجنوبية من البلاد.

wc/jj/cb-kab/dvh

"