لقاح جديد للملاريا ينعش الآمال

في الوقت الذي أعلن فيه باحثون عن إمكانية توفر لقاح جديد للملاريا بحلول عام 2015، يواصل التهديد الذي يشكله المرض في الازدياد وذلك بسبب مقاومة طفيليات الملاريا للأدوية الأكثر فعالية ومقاومة البعوض لأحدث المبيدات الحشرية. وقد توقف تمويل الجهات المانحة لمكافحة الملاريا عن الزيادة في وقت تكافح فيه الدول الإفريقية من أجل تمويل الارتقاء ببعض التدخلات الحاسمة.

وخلال الأسبوع الماضي، عقد مؤتمر المبادرة الإفريقية السادسة المتعددة الأطراف المعنية بمكافحة الملاريا، الذي يعد أضخم مؤتمر في العالم بشأن الملاريا، في مدينة ديربان بجنوب أفريقيا. وأظهرت نتائج التجارب السريرية الأكثر تقدماً التي استغرقت أكثر من 18 شهراً، أن اللقاح الجديد الذي يعرف اختصاراً بـاسم (RTS, S ) قد نجح في خفض عدد حالات الإصابة بالملاريا في الأطفال الصغار إلى النصف تقريباً وخفض عدد حالات الإصابة بالملاريا في الأطفال الرضع بنحو الربع.

من جهتها، قالت شركة جلاسكو سميث كلاين(GSK) ، عملاق الصناعات الدوائية، عقب الإعلان عن هذه النتائج الأخيرة أنها "تعتزم الآن التقدم بطلب إلى الوكالة الأوروبية للأدوية في عام 2014، للحصول على ترخيص للقاح الجديد". والجدير بالذكر أن الشركة قد قضت ثلاثة عقود في تطوير اللقاح.

ويهدف اللقاح الجديد إلى منع طفيليات الملاريا من إصابة الكبد والنمو والتكاثر فيه، إذ عادة ما تسعى الطفيليات بعد ذلك إلى إعادة دخول مجرى الدم وإصابة خلايا الدم الحمراء، مما يؤدي إلى ظهور أعراض المرض.

الفعالية

وحقيقة أن اللقاح فعّال بشكل جزئي فقط، كما قال ديفيد كاسلوو، نائب رئيس تطوير المنتج في منظمة باث (PATH) الصحية في مقابلة مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) "تحكي جزءاً فقط من القصة عندما ننظر إلى تأثيره في الصحة العامة". إذ تكمن القصة الحقيقية في عدد حالات الإصابة بالملاريا التي يمكن تفاديها. فقد تم منع نحو 941 حالة ملاريا سريرية لكل 1,000 طفل من الأطفال الذين تم تطعيمهم، بينما انخفضت حالات الملاريا الحادة بنسبة 36 بالمائة. علاوة على ذلك، انخفضت حالات دخول المستشفيات للعلاج من مرض الملاريا بنسبة 42 بالمائة.

من ناحية أخرى، تراجعت فعالية اللقاح على مر الزمن، إذ وجد الباحثون في 2011، بعد سنة واحدة أن اللقاح قد خفض خطر الإصابة بالملاريا السريرية- أي الحالة التي يتطلب المرض فيها الخضوع للعلاج الطبي- بنسبة 56 بالمائة في الأطفال الصغار وبنسبة 31 بالمائة
في الأطفال الرضع.

وأشار كاسلوو إلى أن "تراجع فعالية اللقاح مع مرور الزمن ليست أمراً غير متوقع. لكن الأمر الذي لا نعرفه الآن هو تداعيات ذلك وما الذي سيحدث على المدى الطويل". وسوف تقدم النتائج الإضافية، التي من المتوقع أن تصدر بحلول عام 2014، مزيداً من المعلومات حول مستوى الحماية التي يقدمها اللقاح المرشح على المدى الطويل وحول أثر الجرعة المعزِّزة، التي تُعطى بعد 18 شهراً من الثلاث جرعات الأولى من اللقاح.

وقد أوضحت منظمة الصحة العالمية (WHO)، بحسب شركة جلاسكو سميث كلاين، إلى أنها قد توصي باستخدام لقاح RTS, S في أقرب وقت في عام 2015 إذا دعمّ المنظمون في الوكالة الأوروبية للأدوية طلب الترخيص. عندئذ، سيصبح الأمر متروكاً لأن تقرر الحكومات الأفريقية ما إذا كانت ترغب في إدخال اللقاح في نظمها الصحية العامة.

ومع ذلك، فإن لقاحاً معتدل الفعالية يمكن أن يكون له تأثير هائل في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، التي تمثل نحو 70 بالمائة من وفيات الملاريا سنوياً- معظمهم من الأطفال. إلى ذلك، قال دانكن إيرلي، مدير الشراكة من أجل مكافحة الملاريا وتقييم أثرها في أفريقيا (MACEPA)، للمندوبين في المؤتمر أنه عندما تم جمع الإحصاءات منذ ثلاث سنوات، كانت هناك 219 مليون حالة مبلغ عنها بالإصابة بالملاريا أدت إلى وفاة 660,000 شخص. 
 
وأضاف أن "قرابة نصف عدد سكان العالم معرّضون لخطر [الإصابة] بالملاريا. تحدث معظم حالات الإصابة بالملاريا والوفيات الناتجة عنها في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. مع ذلك، تتأثر أيضاً آسيا وأمريكا اللاتينية، وإلى حد أقل، الشرق الأوسط وأجزاء من أوروبا".

المخاطر المستقبلية

كما استمع المؤتمر أيضاً إلى كيف أن "هناك تقارير متزايدة عن وجود قطاعات من البعوض المقاوم لجميع المبيدات الحشرية المتوفرة (بما في ذلك مادة الدي دي تي)"، الأمر الذي يثير مخاوف من أن 120,000 شخص غيرهم قد يلقون حتفهم من جراء هذا المرض كل عام.

وحذرت البروفيسور هيلاري رانسون من "كلية ليفربول للطب المداري" من أن الأثر المترتب على مقاومة المبيدات الحشرية قد يكون "مدمراً". وفي ظل عدم وجود مبيدات جديدة تلوح في الأفق لمكافحة الملاريا، حثت رانسون الحكومات في أفريقيا وغيرها من المناطق المعرضة لخطر الملاريا برصد مقاومة المبيدات الحشرية وكذلك تدوير مجموعة المبيدات الحشرية المختلفة المستخدمة للحد من انتشار هذا المرض.

على صعيد آخر، وصل التمويل العالمي لمكافحة الملاريا إلى متسوى أقل بكثير من المستوى المطلوب لتحقيق الأهداف الإنمائية للألفية المتعلقة بالصحة وغيرها من الأهداف المتفق عليها دولياً لمكافحة الملاريا حول العالم.

ويُقدر حجم التمويل المطلوب كل عام في الفترة ما بين عام 2011 و2020 لتوفير سبل الوصول العالمي للتدخلات اللازمة لمكافحة الملاريا في الدول الـ 99 التي تنتشر فيها عدوى الملاريا بنحو 5.1 مليار دولار. وفي حين أن العديد من الدول قد رفعت حجم التمويل المحلي لمكافحة الملاريا، إلا أن إجمالي التمويل العالمي المتاح في عام 2011 ظل عند مستوى 2.3 مليار - أي أقل من نصف المبلغ المطلوب.

قال حسن الحسن، الباحث في جامعة الجزيرة في السودان، في كلمة له في المؤتمر: "إننا نأمل من الدول الغنية أيضاً أن لا تكتفي بالحديث فقط بل تتبرع بسخاء لتمويل الصناديق التي تهدف إلى القضاء على هذا المرض. تواجه إفريقيا في الوقت الراهن أزمة تمويل، ويحدونا الأمل في أن تسهم الشركات أيضاً في تمويل هذه المبادرات".

cm/kn/rz-kab/dvh

"