إدارة المخاطر هي مفتاح التنمية المستدامة

في تقريره عن التنمية في العالم لعام 2014 (WDR)، الذي تم تدشينه في 6 أكتوبر 2013، يضع البنك الدولي إدارة المخاطر وبناء القدرة على الصمود في صميم نهجه نحو التنمية.

ويشير التقرير عن التنمية في العالم إلى أن "عملية مواجهة المخاطر، والتأهب لها، والتكيف مع آثارها" توفر فرصة لا غنى عنها لتحقيق النمو والازدهار والتنمية.

وقال توم ميتشل، رئيس برنامج المناخ والبيئة في معهد التنمية الخارجية (ODI)، في مقال رأي أن "تركيز التقرير [عن التنمية في العالم] على 'الخطر كفرصة' هو من أعراض التغيير الجذري الذي حدث في العامين أو الثلاثة الماضية، حيث تحولت الاستثمارات في إدارة المخاطر من مرحلة التجاهل كما لو كانت نوعاً من العبء الإضافي الذي يتحمله المرء على مضض، إلى كونها جزءاً لا يتجزأ من التنمية المستدامة والنمو الاقتصادي".

وأضاف قائلاً: "عندما تضافرت أزمات الغذاء والوقود والنقد في عام 2008 لتسبب انخفاضاً حاداً في النمو الاقتصادي في العديد من الاقتصادات المتقدمة، تم إطلاق العنان لطوفان من الاهتمام بإدارة المخاطر من خلال تعزيز القدرة على الصمود، والحماية الاجتماعية، ومرافق الصدمة، والأمن الغذائي والتغذوي، ونظم الإنذار المبكر، من بين أمور أخرى".

الخطر كفرصة

وفي الواقع، يشير تقرير التنمية في العالم صراحة إلى أن "مخاطر التراخي قد تكون الخيار الأسوأ على الإطلاق،" ويقترح أن "الحل لا يكمن في رفض التغيير من أجل تفادي الخطر، بل في التأهب للفرص والمخاطر التي ينطوي عليها التغيير".

وفي مجال الزراعة، يستخدم المزارعون في البلدان المتقدمة مدخلات مثل الأسمدة أكثر بكثير من نظرائهم في البلدان النامية، وبالتالي فإنهم ينتجون أكثر. ويرى التقرير أنه يمكن في الغالب تفسير الفرق في استخدام مثل هذه المدخلات بأنه ناتج عن تفاوت مستويات النفور من المخاطر؛ فالعديد من المزارعين في البلدان النامية لا يجدون ضماناً لوجود سوق جاهزة أو تمويل مستقر، ويواجهون خطر فشل المحاصيل، وبالتالي فإنه من غير المرجح أن يستثمروا في مدخلات تحسين الإنتاج.

وقد تم توثيق فوائد التأهب لمواجهة الكوارث والتخفيف من آثارها جيداً: يمكن أن تسفر المكملات المعدنية، التي تهدف إلى معالجة سوء التغذية، عن فوائد أكبر 15 مرة على الأقل من تكلفة العلاج، وفقاً لتقرير التنمية في العالم، في حين أن كل دولار يتم إنفاقه لمنع الدول من الفشل يمكن أن يتيح للمجتمع الدولي توفير 4 دولارات، بحسب دراسة أجريت عام 2004.

مع ذلك، لم يتجاوز الإنفاق على التأهب للكوارث خلال الفترة من 1980 إلى 2009 مبلغ 3.3 مليار دولار، بينما بلغت الخسائر الناجمة عن الكوارث 3.5 تريليون دولار بين عامي 1980 و2011، وفقاً للبنك الدولي. وقد وقعت معظم الكوارث في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل.

وعلى الرغم من ذلك، كما يحذر ميتشل من معهد التنمية الخارجية، فإن كيفية التغلب على العوائق التي تحول دون إيجاد حوافز دائمة لتنفيذ إدارة المخاطر على مستوى السياسات ليست واضحة تماماً.

الحواجز التي تعوق إدارة المخاطر

ويعد نقص الموارد والمعلومات والمعارف الحواجز الرئيسية التي تعوق إدارة المخاطر بالنسبة للأفراد، فضلاً عن التحيز في السلوك والعوامل التي تخرج عن سيطرتهم.

كما أن كافة العقبات الاجتماعية - مثل عدم وجود بعض السلع والخدمات وانعدام فرص الوصول إلى المؤسسات الاقتصادية الرسمية، والعوامل الخارجية (تصرفات بعض الجهات الفاعلة تؤدي إلى زيادة المخاطر بالنسبة للآخرين)، والمعايير الاجتماعية والمخاطر الجماعية (مثل الأزمات المالية) - تسهم في الفشل في إدارة المخاطر. ويواجه العمل الجماعي بدوره عوائق تتمثل في نقص الموارد العامة والتنافس بين الاحتياجات والفشل في التنسيق.

"وحتى عندما تكون الموارد متاحة، قد يتردد السياسيون في تخصيصها لإدارة المخاطر لأن تكاليف إدارة المخاطر فورية ومركزة وملحوظة، في حين تكون فوائدها طويلة المدى وموزعة على نطاق أوسع، وغالباً ما تكون أقل وضوحاً،" كما أفاد التقرير.

وفي السياق نفسه، يستطيع الأشخاص الراغبون في تجنب إدارة المخاطر تحقيق التعبئة بسهولة، في حين أن أولئك الذين يمكنهم الاستفادة من الفوائد المستقبلية لتلك السياسة يكونون في بعض الأحيان غير مدركين للعواقب إلا بعد فوات الأوان. كما أن عدم وجود مؤشرات راسخة لإدارة المخاطر يجعل تمرير هذه السياسة أكثر صعوبة.

كما أن حالات عدم اليقين العميق - التي تنطوي على وجود استجابات سياسية غير واضحة ومتعددة - والتي تؤدي إلى الخلاف حول المسار الصحيح للعمل، يمكن أن تؤدي أيضاً إلى التقاعس عن العمل. ويشير تقرير التنمية في العالم إلى أنه "في ظل عدم اليقين العميق، ينبغي أن تكون السياسات قوية في طائفة واسعة من السيناريوهات المحتملة، وقابلة لإعادة النظر كلما اقتضت الظروف ذلك في المستقبل".

عمل مشترك

ويقترح البنك الدولي اتباع نهج شامل لإدارة المخاطر، بما في ذلك العمل المشترك من الفرد إلى الحكومة وأصحاب المصلحة المؤسسيين.

"فيما يتعلق بالزلازل، على سبيل المثال، يكلف تثبيت الأجهزة وتأمين الرفوف عدة مئات من الدولارات من أجل إنقاذ عدة آلاف من الدولارات بعد تفادي الضرر، ولكن هذا الطرح يفترض أن المبنى بأكمله سوف يصمد أمام الزلزال لأن تصميمه أخذ في الحسبان تدابير السلامة الزلزالية،" حسبما ذكر ايلان كيلمان وهو كبير الباحثين في مركز البحوث المناخية والبيئة الدولية (CICERO) في النرويج.

وتجدر الإشارة إلى أن الحكومات يمكن أن تساعد الأفراد على امتصاص الصدمة عن طريق منح الأسر إمكانية الوصول إلى المعلومات والمؤسسات المالية وأسواق العمل. 


من جهته، أفاد نورمان لوايزا، مدير تقرير التنمية في العالم لعام 2014، أن "الأسر لا تتصدى للمخاطر في الصوامع، بل تتخذ مجموعة متكاملة من القرارات بشأن كيفية وكمية الاستثمار في المساكن والرعاية الصحية والتعليم والهجرة والوظائف، وهلم جرا. كما تحتاج الأسر إلى صلات بالأسواق والمجتمعات حتى تتعامل مع المخاطر (والفرص) التي يواجهونها بأفضل طريقة ممكنة".

وبالتالي تصبح المجتمعات نفسها آليات إدارة مخاطر حيوية بالنسبة للأفراد الذين يستخدمون وسائل الاتصال للربط فيما بينهم في حالات الإنذار المبكر والاستجابة للكوارث. ويمكن للمجتمعات أن تصبح أيضاً بمثابة وكلاء التأمين والحماية والدعم للأشخاص الذين يعانون من أزمة ما.

ويمثل القطاع غير الرسمي أيضاً شريان حياة بالنسبة للفقراء، الذين لا يستطيعون الوصول إلى المؤسسات الرسمية مثل البنوك في أغلب الأحيان، ولكنه يحتاج إلى تعزيز، وفقاً لروهيني باندي، أستاذة السياسة العامة في جامعة هارفارد، وذلك لضمان المساءلة لأن المرابين الريفيين يمكن أن يكونوا استغلاليين، مما يؤدي إلى زيادة الخطر على أشد الناس فقراً.

وفي هذا الصدد أيضاً، يتطلب العمل المشترك تنسيقاً، ولكن خلال التأهب لمواجهة أزمة، تكون وكالات عديدة غير قادرة على العمل معاً بسرعة وكفاءة في كثير من الأحيان. وقد يساعد إنشاء المجالس الوطنية لمواجهة المخاطر في التغلب على التحديات المتعلقة بالتنسيق.

"فمن خلال تكليف هيئة إشرافية واحدة كهذه بتقييم المخاطر، يمكن للحكومات تنسيق تدابير السياسة في مختلف الوزارات وتحديد أولويات العمل،" كما أوضح جون إريك رنتشلر، وهو محلل البحوث الخاصة بتقرير التنمية في العالم 2014، في إحدى المدونات.

دور أكبر للمجتمع الدولي

ووفقاً لتقرير التنمية في العالم، أحرز المجتمع الدولي تقدماً محدوداً في إدارة المخاطر العالمية - وبالتالي فإن هناك حاجة إلى بناء القدرات، وتحسين التنسيق، وحشد أموال إضافية لأغراض التأهب وتخفيف الآثار والتكيف والتعافي.

ويشير تقرير التنمية في العالم إلى أن مساعدة المجتمع الدولي أمر حتمي للحد من المخاطر أثناء الأزمات الإنسانية والاقتصادية الحادة، والأزمات التي تعبر حدود البلدان (مثل تغير المناخ وفيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز). ويضيف أنه في حالة البلدان المنخفضة الدخل والبلدان المتوسطة الدخل، يمكن أن تصل قيمة الأضرار الناجمة عن كارثة ما إلى 127 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي، وبالنسبة للدول الجزرية الصغيرة، يمكن أن ترتفع هذه النسبة إلى 365 بالمائة.

وبالنظر إلى أنه من المقرر أن ينتهي العمل بإطار عمل هيوغو الحالي في عام 2015، يقوم مكتب الأمم المتحدة للحد من مخاطر الكوارث حالياً بإجراء محادثات عالمية حول مستقبل الاتفاقات الدولية المتعلقة بالقدرة على الصمود والحد من مخاطر الكوارث. ويتركز الأمل على أن الخطة الجديدة ستوسع نطاق الدعم المقدم لبرامج بناء القدرة على الصمود وإدارة المخاطر، وسوف تحظى بمساهمة أكبر من قبل الجماعات المحلية والمجتمعية.

ولكن التمويل المخصص للوقاية من الكوارث لا يزال ضعيفاً بشكل يرثى له، فإنفاق منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية - لجنة المساعدة الإنمائية (OECD-DAC) على الوقاية من الكوارث والتأهب لها كان أقل من 4.7 بالمائة من إجمالي المساعدات الإنسانية المقدمة سنوياً بين عامي 2005 و2011.

وفي الفترة من 1980 إلى 2009، بلغت نسبة الإنفاق على التأهب للكوارث 3.6 بالمائة فقط من إجمالي الأموال المخصصة للمعونة المتعلقة بالكوارث، وفقاً لتقرير سنداي 2012.

وقد حذر تقرير التنمية في العالم من أن "هذا التقاعس الجماعي عن العمل يطرح تحديات كبيرة تعوق تحقيق الأهداف التي يهدف المجتمع الدولي لحمايتها؛ من القضاء على الفقر إلى استعادة السلام، وبناء القدرة على الصمود والازدهار، وتحقيق توزيع أكثر عدلاً للدخل في جميع أنحاء العالم".

وأضاف لوايزا، مدير تقرير التنمية في العالم لعام 2014، قائلاً: "في الكلمة الصينية التي تعني أزمة، وي جي، المقطع الأول يعني الخطر الناتج عن مخاطر، بينما يعني المقطع الثاني ضمناً وجود فرصة. ويحدونا أمل في أن تمهد الأزمات التي شهدها العالم في الآونة الأخيرة الطريق إلى تحقيق إصلاحات تخلق فرصاً جديدة".

aps/aw/cb-ais/dvh
"