المهاجرون وطالبو اللجوء يغيرون مسارهم لتفادي اليونان

تؤدي الظروف الاقتصادية الصعبة، والتدابير الأمنية المشددة، وتضخم رسوم التهريب، والخوف من العنف ضد الأجانب إلى إلغاء سفر المهاجرين المحتملين وطالبي اللجوء إلى اليونان. وبالنسبة إلى هؤلاء الذين يسافرون عن طريق البر من الشرق الأوسط وآسيا الوسطى وأفريقيا، يبدو أن بلغاريا أصبحت الآن هي الخطوة الأولى في رحلتهم الأكبر إلى دول غرب أوروبا الغنية.

وقد سجلت وزارة الداخلية البلغارية، والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، والوكالة الأوروبية لمراقبة الحدود الخارجية للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي (فرونتكس)، تزايداً في أعداد المهاجرين وطالبي اللجوء إلى بلغاريا.

ويأمل محمد إبراهيمي البالغ من العمر 35 عاماً أن يكون واحداً من هؤلاء.

وإبراهيمي هو لاجئ فلسطيني من جنين في الضفة الغربية، اجتاز طريقه عبر سوريا التي قطعت الحرب أوصالها مسافراً "من مسجد لآخر دون الحديث في السياسة أو إبداء أي رأي".

ويسعى إبراهيمي الآن إلى جمع قدر من المال في اسطنبول يمكنه من السفر إلى بلغاريا، حيث قال: "عندما لا يكون لدينا ما نخسره، فإننا نتحمل الكثير من المخاطر".

وينوي إبراهيمي أن يعبر الحدود التركية- البلغارية في الشرق مشياً على الأقدام، مستغلاً غطاء الغابات الكثيفة، قبل أن يمضي في رحلته إلى صربيا والمجر والنمسا.

وأضاف قائلاً: "أحاول أن ينتهي بي المطاف في بلد جيد... فلست أول ولا آخر من يفعل ذلك بتلك الطريقة".

ومن الممكن جداً أن يفشل، فقد وقعت النمسا اتفاقية مع صربيا والمجر عام 2011 للحد مما أطلقوا عليه "الهجرة غير الشرعية" إلى الاتحاد الأوروبي. كما اشترك عدد من دول الاتحاد الأوروبي في ما أصبح يعرف "بالاستعانة بالخارج"- حيث عقدت اتفاقيات مع الدول المجاورة للاتحاد الأوروبي مثل المغرب وليبيا وصربيا للتأكد من استحالة وصول المهاجرين إلى بلدانهم.

ووفقاً لنائب رئيس الوزراء تسفيتلين يوفتش، حاول 5,815 شخصاً عبور الحدود إلى بلغاريا بطريقة غير رسمية في الشهور التسعة الأولى من عام 2013. ويمثل ذلك زيادة بمقدار سبعة أضعاف نفس الفترة من العام السابق. وفي شهر سبتمبر وحده، تم احتجاز 2,377 شخصاً على الحدود التركية- البلغارية؛ منهم 1,635 سورياً.

وقالت ميليسا فليمينج المتحدثة باسم المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في بيان إعلامي في 17 سبتمبر أنه "حتى الآن من هذا العام تلقت بلغاريا حوالي 3,000 طلب لجوء، معظمها من الشرق الأوسط وأفريقيا". وأضافت أن "هذا الرقم يفوق المتوسط السنوي للعقد الماضي بثلاثة أضعاف. وشهد شهر أغسطس ارتفاعاً حاداً يصل إلى حوالي 50 وافداً جديداً (من الأسر السورية بصورة رئيسية) يومياً".

وفي تحليل المخاطر لعام 2013 أشارت فرونتكس إلى زيادة أعداد المهاجرين الذين اختاروا بلغاريا كدولة مضيفة حيث ذكرت أن "عمليات رصد عبور الحدود في عام 2008 عند الحدود التركية البلغارية كانت منخفضة. وهذا الوضع تغير في عام 2012 عندما تم إلقاء القبض على أربعة أضعاف عدد المهاجرين في 2008. وترتبط هذه الزيادة بتشديد إجراءات ضبط الحدود التركية اليونانية". 

الخيارات القاسية في اليونان

وقالت يلينا فويانوفيتش عالمة الانثربولوجيا الصربية المتخصصة في الهجرة والتي تعمل في مركز حماية المهاجرين في سالونيك، ثاني أكبر المدن اليونانية، أنه منذ خمسة أعوام مضت كان يمكن للمهاجرين أن يجدوا وظائف وإقامة لائقة في اليونان بطريقة سهلة نسبياً.

وذكرت فويانوفيتش أنه "منذ عام 2011 بدأت الأمور في التغير حيث أصبحت اليونان مكاناً خطيراً بالنسبة لطالبي اللجوء واللاجئين"، مضيفة أن المهربين بدؤوا في طلب المزيد من الأموال لأنهم رأوا أن المزيد من الناس يتوجهون إلى هناك. كما بدأ المهاجرون في الخوف من الهجمات التي يشنها حزب الفجر الذهبي اليميني المتطرف الذي يواجه قياداته حالياً تهماً بالقتل على خلفية موت الموسيقار المناهض للفاشية.

وقالت فويانوفيتش أن "حزب الفجر الذهبي لديه ألة دعائية ضخمة ضد كل هؤلاء المهاجرين واللاجئين. ويقول الحزب أن المهاجرين دمروا هذا البلد ولكن لا يرى أن ذلك خطأهم بل خطأ النظام إذ لا يوجد نظام ولا يوجد محام لهم ولا أحد ليقوم بالترجمة لهم. فعندما تكون لاجئاً في اليونان تكون البلاد بالنسبة لك كمحطة لأن اليونان ليس البلد الذي تريد العيش فيه". 

وأضافت أن اللاجئين وطالبي اللجوء العالقين في اليونان يواجهون خيارات قاسية، حيث قالت: "لديك خياران إما أن تموت هنا - لأنه لن يساعدك أحد بسبب عدم وجود مؤسسات عامة أو منظمات غير حكومية أو أي شيء - أو تحاول البقاء على قيد الحياة. ولذلك إما ستسرق في الشارع أو ستبيع بضائع السوق السوداء.

حركات عبور الحدود

وطبقاً لما ذكرته فويانوفيتش، فإن الأنباء التي انتشرت حول وضع اليونان كبلد بلا أفاق مستقبلية أدت إلى تراجع المهاجرين المحتملين إما أثناء طريقهم إلى الشمال أو في دولهم الأصلية فاختاروا الذهاب إلى أماكن أخرى.

ويكون الطريق إلى أوروبا بالنسبة لغالبية المهاجرين عبر البحر. وأفاد إيوا مونشير، المسؤول الصحفي لدى فرونتكس، أن ما يزيد عن 20,000 مهاجر سلكوا طرقاً محفوفة بالمخاطر من شمال أفريقيا حيث هبطوا على جزيرة لامبيدوسا الإيطالية الصغيرة قبالة تونس وعلى جزية صقلية هذا العام. ولكن بالنسبة للمهاجرين عبر البر فإن الاتجاه أكثر ما يكون نحو بلغاريا.

ويميل المهاجرون وطالبو اللجوء المسافرون عبر البر من الشرق إلى أوروبا إلى اتباع مسارين رئيسيين. الأول يشمل السفر من أفغانستان أو باكستان أو إيران أو العراق أو سوريا عبر تركيا إلى بلغاريا أو اليونان ثم إلى دول البلقان وايطاليا وفي نهاية المطاف إلى أوروبا الغربية. وفي المسار الثاني يعبر المهاجرون رومانيا إلى المجر أو النمسا أو سلوفاكيا وجمهورية التشيك وفي نهاية المطاف إلى ايطاليا وألمانيا.

وفي كلا السيناريوهين تكون تركيا الجسر البري بين الشرق والغرب والنقطة التي يختارها المهاجرون لمواصلة الرحلة عبر بلغاريا أو اليونان.

وقالت أرياني رومري المتحدث الرسمي باسم مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين لوسط أوروبا أن "طالبي اللجوء في بلغاريا الذين وصلوا حديثاً لا يذهبون عبر اليونان، مضيفة أن معظم العبور يتم عن طريق تركيا حيث يقضون عدة أيام للترتيب مع مهرب في اسطنبول أو أضنة التي تقع على بعد 240 كيلومتراً شمال غرب اسطنبول. وبعد ذلك يتم أخذهم 10 كيلومترات داخل الحدود وفي الغالب إلى قرية كابيتان أندريفو شرق الحدود البلغارية. ومعظم حركة السير على الأقدام من تركيا تصل الآن بالقرب من قرى بلغارية مثل الهوفو وبوليارافو على بعد 30 كيلومتراً الحدود. وأضافت رومري أنهم "يعبرون بلا مرشدين".

وقد وردت أيضاً تقارير عن تحركات سرية عبر الغابات العميقة على النصف الشرقي من الحدود التركية البلغارية إلى منطقة جبال ستراندزا. وطبقاً لما ذكره موقع بريس يوروب الإخباري فإن قرية جوليام ديرفنت الصغيرة التي تقع على مقربة من الحدود قد شهدت العديد من المهاجرين وطالبي اللجوء العابرين من خلالها وكان من بينهم سوريون.

والعراقيون والأفغان والماليون هم أيضاً من بين هؤلاء الذين يسافرون على هذه الطريق، وفقاً لرومري.

في طي النسيان في اسطنبول

وفي حديث مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، قال المهربون الأكراد أن الأسعار تتراوح ما بين 6,000 إلى 8,000 دولار للوصول إلى إيطاليا ومن 20,000 فما فوق لتأمين الوصول إلى المملكة المتحدة. وهذه الرسوم تشمل الوثائق المزورة والمواصلات. كما أفادوا أن ضباط الشرطة الفاسدين يقدمون الوثائق ولكن هذه المعلومة لم يتم التحقق منها بعد.

ويميل معظم المهاجرين عبر البر إلى امتلاك أموال أقل من هؤلاء الذين يدفعون مبالغ كبيرة للهجرة عبر الجو أو البحر. كما أنهم أقل عرضة لدفع أموال للمهربين للحصول على وثائق مزورة أو ميزة تأمين عبور الحدود المضطربة. ولكنهم أكثر عرضة لمخاطر أكبر تهدد الحياة مثل المشي لمسافات طويلة مع قلة الامدادات أو الاختباء في أماكن مغلقة مثل محركات السيارات حيث يخاطرون بالتعرض للتسمم بأول أكسيد الكربون.

وتشير عمليات الرصد التي قامت بها فرونتكس في عام 2013 إلى أنه غالباً ما يتم نقل هؤلاء المهاجرين الفقراء إلى بلغاريا - سواء بعلم أو من دون علم - من قبل العمال الأتراك الأجانب. ويتم القبض على ثلاثة أو أربعة أشخاص يومياً عند معبر الحدود أثناء فترة الذروة في موسم السفر في الربيع والصيف. ويصل هؤلاء الذين ينجحون في الوصول إلى بلغاريا إلى أفقر دولة عضو في الاتحاد الأوروبي حيث توصف الظروف هناك بأنها "غير آمنة ورهيبة،" طبقاً لما قالته فليمينج المتحدثة باسم المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

ترك برنابه بويا وهو لاعب كرة طموح يبلغ من العمر 28 عاماً، تعليمه في الالكترونيات الصناعية في موطنه بوركينا فاسو بسبب نقص الموارد على أمل أن يلعب كرة القدم في تركيا. وعن ذلك قال: "لقد بعت محصولي وبمساعدة من رجل نبيل في بوركينا قمت بترتيب أوراقي للسفر".

وقد تم اعطاء بويا عنوان مدير كرة قدم تركي قام بالاتصال به عند الوصول. وقد قيل له أنه يمكنه أن يؤمن لنفسه مكاناً في نادي كرة القدم عن طريق دفع أموال.

وأضاف بويا قائلاً: "لم أتردد. وقمت بإعطائه المال ولكنه أخذ المال واختفى".

وقد أصبح بويا يائساً على نحو خاص لأنه لم يستطع العثور على عمل منتظم. وهو يعزو السبب في ذلك إلى إعلانه عن ديانته المسيحية عندما يسأله أصحاب العمل المحتملين عن ديانته. وأضاف بويا قائلاً: "لقد أصبح كل شيء صعباً جداً بالنسبة لي. أشعر أنني بمفردي في هذه البلاد".

يبحث بويا الآن عن وسيلة لم يحددها بعد للتوجه شمالاً إلى المملكة المتحدة أو بلجيكا أو فرنسا.

mp/ha/cb-hka/dvh