المدارس تبدأ من جديد بعد سنوات من الاضطراب في جنوب اليمن

يأمل المعلمون وأولياء الأمور والمسؤولون عن التعليم في عدن، ثاني أكبر مدينة في اليمن، أن يكون العام الدراسي الذي بدأ مؤخراً هو الأول منذ ثلاث سنوات الذي يمر دون انقطاع بسبب الأزمات الإنسانية أو الاضطرابات السياسية أو الصراعات.

يأتي هذا التفاؤل في أعقاب عودة ما لا يقل عن 162,253 نازحاً داخلياً إلى محافظة أبين المتضررة من الصراع، بعد أن كان العديد منهم يتخذون مأى لهم في المدارس في محافظات مجاورة مثل عدن منذ عام 2011، عندما طرد مقاتلون على صلة بتنظيم القاعدة قوات الجيش من أبين، معلنين قيام الخلافة الإسلامية، مما تسبب في فرار أعداد كبيرة من السكان، بما في ذلك جميع سكان زنجبار عاصمة المحافظة تقريباً.

وقد لقي النازحون ترحيباً في عدن في البداية، لاسيما من جانب متظاهري الربيع العربي بقيادة الشباب الذين كانوا يدعون إلى تغيير النظام، والذين فتحوا أبواب المدارس للنازحين. كما لقي النازحون دعماً من قبل السلطات في وقت لاحق، ولكن ما كان من المتوقع أن يكون حلاً طارئاً مؤقتاً تحول إلى أكثر من عامين من إغلاق وتعطيل المدارس.

وبالإضافة إلى احتجاجات الربيع العربي والصراع في أبين، ظهرت مشكلة ثالثة هذا العام عندما اندلعت مظاهرات العصيان المدني المنتظمة التي تدعو لها حركة تطالب باستقلال الجنوب.

وقال محمد الأبي، مسؤول التعليم في منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) في عدن: "كانت فترة مؤسفة بالنسبة للأطفال بسبب الربيع العربي، ثم النازحين وبعد ذلك العصيان المدني. والآن، يعود الكثير من الأطفال إلى المدارس، ويمكننا أن نرى الأشياء تتحرك قُدماً على الأقل هذا العام".

ولكن لا تزال هناك تحديات كبرى، إذ يواصل بعض النازحين احتلال المباني المدرسية، ولا تزال العديد من المدارس التي تمت إعادتها إلى السلطات التعليمية بحاجة إلى إصلاحات كبيرة. وقد يحدث المزيد من التعطيل الناجم عن تأخر العملية الانتقالية السياسية الحالية في اليمن، وخاصة إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق بشأن الدستور الجديد.

وتجدر الإشارة إلى أن سنوات الاضطراب أثرت بالفعل على تعليم الأطفال، حيث قال الأبي: "لدينا الآن أطفال في الصفين الثالث والرابع لا يستطيعون القراءة والكتابة".

ووفقاً لتقديراته، تم تدريس حوالي 60 بالمائة فقط من المناهج الدراسية في العام الدراسي 2010-2011، وبالكاد 40 بالمائة في السنة التالية و60 بالمائة العام الماضي. وقد ألقت شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) نظرة فاحصة على هذا الوضع:

لماذا لجأ النازحون إلى المدارس في المقام الأول؟

عندما أحكمت جماعة أنصار الشريعة التي كانت على صلة بتنظيم القاعدة سيطرتها على محافظة أبين في عام 2011، فرت أعداد كبيرة من الناس باتجاه الغرب. وقد لجأ العديد منهم، الذين افتقروا إلى الموارد الكافية لاستئجار أماكن للإقامة، إلى العيش في المدارس العامة. وتحولت 74 مدرسة حكومية في محافظة عدن، و39 في محافظة لحج إلى ملاجئ للنازحين في ذروة موجة النزوح.

وعلى الرغم من أن مدينة عدن لديها بعض المباني العامة الفارغة منذ أن كانت عاصمة لليمن الجنوبي المستقل - بين عامي 1967 و1990 – إلا أن القليل منها كان في حالة مناسبة لإيواء النازحين داخلياً. وبالتالي، بدت المدارس، التي كانت مغلقة أثناء عطلة صيف 2011 عندما بدأ وصول أعداد كبيرة، كخيار واضح لتوفير مأوى مؤقت.

ولكن في نهاية العطلة الصيفية، لم يتم العثور على حل جديد لإقامة النازحين، وبالتالي اضطر المسؤولون إلى دمج طلاب المدارس في مبان مشتركة وإدخال نظام الفترتين أو حتى الثلاث فترات من أجل استمرار العملية التعليمية.

وفي عام 2012، أدى اندلاع القتال من جديد إلى نزوح المزيد من سكان أبين، ودفع بالمزيد من النازحين إلى مدارس عدن.

ومن ثم، انخفضت جودة التعليم، وفقاً لشكاوى المسؤولين، الذين اضطروا إلى إلغاء قبول أطفال جدد في الصف الأول كما كان مخططاً، وهو قرار يصعب تقبله في مدينة تفخر بوجود واحدة من أقدم النظم التعليمية الحديثة في المنطقة.

وقد قامت الحكومة بتسجيل النازحين داخلياً. وبعد انتهاء الصراع في يونيو 2012، بدأ بعض النازحين يعودون إلى ديارهم، وانخفض عدد المدارس التي كانت تستخدم لإيوائهم تدريجياً حتى وصل إلى مدرسة واحدة فقط في كل مديرية من 8 مديريات تتكون منها محافظة عدن، مما سمح للمدارس التي أُفرغت بالعودة تدريجياً إلى العمل كمرافق تعليمية.

لماذا لا يزال بعض النازحين في المدارس؟

كانت فترة مؤسفة بالنسبة للأطفال بسبب الربيع العربي
شهدت الأسابيع القليلة الماضية تصاعداً في التوتر بين السلطات التعليمية، التي تريد إخلاء جميع المدارس من النازحين، في الوقت الذي لا يزال ما يزيد قليلاً عن 90 عائلة نازحة تعيش في حفنة من المباني المدرسية، من بينها مدرسة ثانوية تضم عادة حوالي 1,000 طالب.

"في البداية، كانوا [السكان] مرحبين للغاية وفتحوا بأنفسهم المدارس وقدموا المساعدات،" كما أوضح عبد الله فضل سالم، وهو مسؤول أمني متقاعد تحول إلى نازح من زنجبار ولا زال يعيش في مدرسة في عدن لأنه يعتقد أن الوضع ليس آمناً بما يكفي لعودته إلى داره.

وأضاف قائلاً: "كان أي حل مقبولاً، ولهذا جئنا إلى عدن، ولكن الأغلبية لم تكن تملك أموالاً تكفي لاستئجار منازل، ولذلك أنشأنا الخيام والمخيمات في المدارس".

كما شكا من الارتفاع الأخير في وتيرة المضايقات من جانب السلطات المحلية التي ترغب في استخدام المدارس: "نحن لسنا حيوانات ينبغي ارغامها قسراً، أو القاؤها في الشوارع. نحن لا نشعر بالراحة، نريد حلولاً تحدد لنا الأماكن التي سنذهب إليها".

وفي تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، قال رئيس الوحدة التنفيذية الحكومية المختصة بشؤون النازحين في جنوب اليمن، العقيد عبد الله محمد الدهيمي، أن النازحين فقدوا بعض حسن النية الذي قوبلوا به فور وصولهم. وأفادت الوحدة التنفيذية أن النازحين الباقين في المدارس لا يحق لهم البقاء هناك، وقد تلقى العديد منهم رسائل تنذرهم بوجوب المغادرة.

وبناءً على طلب من الحكومة، توقف برنامج الأغذية العالمي عن توزيع حصص غذائية على النازحين المتبقين في عدن في شهر فبراير الماضي، مما شجع العديد منهم على العودة إلى أبين، حيث لا يزال توزيع المساعدات مستمراً. وقال بعض النازحين الموجودين في عدن لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أنهم يسافرون إلى أبين لاستلام الحصص الغذائية، ويبيعونها للحصول على المال ثم يعودون إلى عدن.

وفي السياق نفسه، يشكو بعض النازحين الذين ما زالوا في عدن من أن الأموال المخصصة لإعادة الإعمار والمقدمة للعائدين إلى أبين ليست كافية لإعادة بناء حياتهم. كما أفادوا أنهم فقدوا مصادر رزقهم بسبب الصراع أو أن عودتهم لا تزال غير آمنة. وفي كثير من الأحيان، يكونون من بين الفئات الأكثر ضعفاً؛ حيث كان العديد منهم يعيشون في مساكن مستأجرة في أبين ويعتمدون على العمل اليومي، الذي يعتبر أكثر وفرة في عدن.

من ناحية أخرى، لم تعد قوات الشرطة حتى الآن إلى أبين، وبالتالي أصبحت المسؤولية الأمنية إلى حد كبير في أيدي ما يسمى باللجان الشعبية - وهي جماعات مسلحة تدعمها الحكومة لمنع عودة المتشددين الإسلاميين إلى المحافظة.

وأكد عبد الله صالح، وهو أحد النازحين المتبقين في عدن أن "السلام لم يتحقق حتى الآن لأننا نقع تحت سطوة اللجان الشعبية. إنهم قد يأخذون أطفالك اليوم ثم يقولون في اليوم التالي أنهم ليسوا الفاعلين. لن نعود إلى دارنا لأننا لا نريد أن نعود ونعيش في وضع صعب".

من جانبها، قالت إيناس محمد علي، وهي نازحة وأم لستة أطفال صغار، أن زوجها أصبح مختلاً عقلياً أثناء الصراع في أبين، ولم يعد قادراً على إعالتهم، ولذلك تقوم هي بتنظيف بيوت الناس في عدن لإعالة أسرتها، التي لا تزال تعيش في مبنى مدرسة.

ماذا حدث للمدارس التي أفرغت من النازحين داخلياً؟

رحبت السلطات بعودة الغالبية العظمى من النازحين في عدن ولحج، على الرغم من تجريد المدارس الفارغة من معظم الأدوات والتجهيزات الأساسية، مثل الصنابير والأنابيب، في كثير من الأحيان. وغالباً ما كان يتم تقسيم الفصول الدراسية إلى غرف نوم، وإحراق العديد من الأبواب الخشبية للتدفئة. وفي العديد من المدارس، غمرت المياه المراحيض ومرافق الصرف الصحي بسبب الاستخدام المفرط، مما تسبب في مخاطر صحية.

وبحلول شهر نوفمبر، كانت جميع المدارس المحتلة سابقاً من قبل النازحين مفتوحة في لحج، بينما بدأت 48 من أصل 76 مدرسة في عدن تعمل من جديد.

كما يقوم الصندوق الاجتماعي للتنمية التابع للحكومة بإعادة تأهيل ما يقرب من 100 مدرسة متضررة من الأزمة في تلك المنطقة، من بينها 40 في عدن و30 في لحج و22 في أبين.

وقد أجرت منظمة اليونيسف أيضاً إصلاحات طفيفة في 32 مدرسة في عدن، وتقول أنه من المقرر تدشين برنامج إعادة تأهيل كبير في الأسابيع المقبلة بتمويل من صندوق الشراكة العالمية للتعليم. وستعطى الأولوية لأعمال البناء الداخلية بغرض الحد من تعطيل السنة الدراسية الحالية.

ما الخطر الذي لا يزال يشكله العصيان المدني والاضطرابات السياسية؟

فرض نشطاء في الحركة من أجل استقلال الجنوب، المعروفة باسم الحراك، عصياناً مدنياً لمدة يومين من كل أسبوع منذ بدء عملية الحوار الوطني في شهر مارس الماضي.

وتشير التقديرات الصادرة عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) في مايو، أن الاحتجاجات منعت ما يقدر بنحو 50,000 طفل في محافظة عدن من الذهاب إلى المدارس، وأصابت المعلمين بالخوف من التعرض لهجمات، بعد دخول بعض المتظاهرين المسلحين إلى المباني المدرسية.

كما أدت المظاهرات إلى تأخير اصلاح المباني المدرسية.

وبعد مفاوضات بين المتظاهرين والسلطات التعليمية في شهر مايو الماضي، وافقت حركة الحراك على السماح لـ 255,730 طالباً من عدن ولحج وأبين بتأدية امتحانات نهاية العام.

وفي هذا العام الدراسي، سمح المتظاهرون بفتح المدارس في أيام العصيان المدني، الذي يبدأ في الساعة الثامنة والنصف صباحاً، أي بعد ذهاب الأطفال إلى مدارسهم.

jj/rz-ais/dvh
"