التفاوت الطبقي في مخيم الزعتري في الأردن

منذ نحو أكثر من عام مضى، نصبت آلاف الخيام على مقربة من الحدود الأردنية- السورية لكي تأوي "بشكل مؤقت" اللاجئين السوريين الذين فرّوا من العنف الدائر في وطنهم. ومنذ ذلك الحين تتدفق موجات اللاجئين على المخيم الصحراوي، حتى غدا الزعتري الآن أكبر رابع مدينة في الأردن ورابع أضخم مخيم على مستوى العالم، حيث يسكنه نحو 120,000 لاجئ سوري.


وتلبية لاحتياجات السكان، نشأ سوق على طول الطريق الرئيسي في مدخل المخيم، يمتد على مسافة عدة كيلومترات، يضم متاجر بقالة ومحلات للملابس ومطاعم ومخابز ومقاهي ومحلات لبيع الأدوات الإلكترونية والحلاقة.


وقد خلق زخم التجارة في هذا السوق رابحين وخاسرين، مشترين وبائعين، أغنياء وفقراء، تجار صادقين ولصوص لا يخجلون من نهب غيرهم من سكان المخيم.


وقد أدت مثل هذه التباينات إلى خلق حالة من الاستياء، لاسيّما أنه يُنظر إلى أولئك الأثرياء على أنهم يستغلون نظام المعونة على حساب الذين يعيشون على الكفاف، في بيئة تفتقر إلى الأمن والنظام.


وتضم منطقة الشرق الأوسط أكثر من 2.1 مليون لاجئ سوري، وتتوقع الأمم المتحدة أن تستمر هذه الأعداد في الارتفاع بشكل مطرد خلال العام المقبل.


"إنها غابة"


وفي محل صغير بُنيّ من الصفيح والخشب، يبيع محمد الحريري ملابس مستعملة يتراوح سعر القطعة الواحدة من دينار إلى دينارين (أي ما يعادل 1.40 إلى 2.80 دولار).


وفي حوار مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، قال: "إنها لليائسين الذين يريدون أي شيء يسترون به أجسادهم، عندما تبلى ]الملابس التي جاؤوا بها["


وعلى بعد بضعة أمتار قليلة، يجلس أشرف خليل داخل "كرفان"، أو مقطورة مسبقة الصنع، كان قد اشتراها وحوّلها إلى متجر لبيع الملابس الرجالية. ويتراوح سعر القطعة الواحدة في "محله" ما بين 8 إلى 20 دينارا أردنياً (11 إلى 28 دولار).


وقال أشرف وهو يُقلِّب القنوات التلفزيونية وفي زاوية المقطورة مروحة تدور الهواء- وهي رفاهية نادرة في المخيم: "بعض الناس يستطيعون شراء هذه الملابس. إنها أرخص من أي محل في عمّان [العاصمة الأردنية]".  



ويقول اللاجئون أن هؤلاء الذين قدموا في العام الماضي قد استولوا بسرعة على أفضل الأماكن ويقومون الآن بتأجير محلاتهم أو حتى بيعها إلى تجار آخرين. وعلى الرغم من أن جميع الأشخاص يحصلون على المساعدة نفسها والرعاية الطبية ذاتها من وكالات المعونة، إلا أن بعض اللاجئين يتمكنون من جني الأموال فيما لا يستطيع البعض الآخر ذلك.


ويؤجر بعض الأشخاص محلاتهم بنحو 50 ديناراً (70 دولاراً) في الشهر، ويبيعونها مقابل ألف دينار (1,412 دولاراً)، حسبما ذكر فادي أبودياس، صاحب محل صرافة.


وتعليقاً على هذا الوضع، قال في حوار مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "يمكنك القول أننا نعيش في غابة. القوي يأكل الضعيف".


إعادة بيع المساعدات


وتُباع الخيام والكرفانات وقواعد الحمامات والبطانيات وغيرها من المواد التي تُوزع كمساعدات بشكل علني في مخيم الزعتري. ويُشار إلى أن دول الخليج قد تبرعت بهذه الكرفانات لكي تحل محل خيام الأمم المتحدة، الأكثر عرضة للتأثر بعوامل الطقس، لكنها لا تكفي للجميع. وفي حالة انتقال اللاجئين من المخيم إلى العيش في المدن والبلدات الأردنية، يفترض أن يقوموا بإعادة خيامهم وكرفاناتهم إلى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، إلا أنهم يقومون ببيعها مقابل 200 دينار (282 دولاراً)، حسبما ذكر أبودياس.


وفي الوقت الذي لا تستطيع فيه بعض الأسر السورية الفقيرة شراء هذه الكرفانات، تمتلك بعض الأسر أكثر من كرفان. وتعليقاً على هذه النقطة، قال كيليان كلينشميت، الذي يدير المخيم نيابة عن مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين: "بعض اللاجئين يبيعون بطاقات ]تسجيلهم[ (التي تمنحهم الحق في الحصول على المساعدة) قبل أن يعودوا إلى سوريا". وأضاف أن "آخرين يستخدمونها للحصول على المزيد من المساعدات، بما في ذلك الكرفانات، ثم يقومون ببيعها".


جهزّ أبو لينا الحوراني، الذي كان يعمل تاجراً في المملكة العربية السعودية، الكرفانات الثلاث التي اشتراها بالسجاد، وتلفزيون موصّل بالقمر الصناعي، وثلاجة، وغسالة ملابس وموقد. كما وضع الكرفانات على شكل (U) للحصول على "ما يشبه الحديقة" كالتي في منزله في سوريا. وبنى حماماً من الطوب مجهزاً بقاعدة مرحاض.


وتعليقاً على ذلك، قال الحوراني وهو يغلق البوابة المعدنية للكرفانات الثلاث: "نحن لسنا هنا لأننا جوعى أو فقراء، بل لأننا نريد فقط مكاناً آمناً. أريد أن تنام بناتي في مكان يصون كرامتهن ويوفر لهن الخصوصية". ويدير ابنه مشروعاً صغيراً لنقل البضائع، مثل الزبادي، في شاحنة مبردة.


ويقدر أبو دياس عدد محلات الصرافة في مخيم الزعتري بما لا يقل عن 50 إضافة إلى المحل الذي يمتلكه. وذكر أن الكثير من السوريين يأتون إلى الأردن "بأموال كثيرة"، والبعض يستغلها في إقامة مشاريع تجارية في المخيم. لدى العديد من السوريين، خاصة سكان محافظة درعا في جنوب سوريا، أقارب يعملون في دول الخليج وفي بعض الأحيان يرسلون إليهم أموال.


وأشار إلى أن "هذا ساهم في خلق انقسام طبقي" في المخيم.


ووفقاً للبنك الدولي، بلغ الدخل القومي الإجمالي للفرد الواحد في سوريا 5,200 دولار في عام 2012.


ويوزع برنامج الأغذية العالمي مجموعة من حصص الإعاشة الجافة كل أسبوعين على كل أسرة من أسر اللاجئين، تتكون من البرغل والأرز والسكر والعدس، والملح والزيت النباتي. 


يمكنك القول أننا نعيش في غابة. القوي يأكل الضعيف

ولشراء الخضراوات ومنتجات الألبان والدواجن، يقوم اللاجئون ببيع المواد الغذائية التي يحصلون عليها من برنامج الأغذية العالمي إلى أصحاب المحلات في المخيم، الذين يقومون بدورهم ببيعها إلى الأردنيين، وهو أمر قانوني ويحدث في العديد من مخيمات اللاجئين حول العالم.


وتعليقاً على ذلك، قال جوناثان كامبيل، منسق حالات الطوارئ في برنامج الأغذية العالمي لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن "السوريين يأتون من دولة ذات دخل متوسط نسبياً، لذا فإنهم لا يتناولون الفاصوليا والأرز بشكل يومي".


من جانبه، قال أبو فوزي، صاحب محل يبيع مواد المعونة، بما في ذلك أطقم المطبخ ومستلزمات النظافة العامة التي اشتراها من السوريين: "نحن لا نستغل أهلنا. نحن نساعدهم فقط في بيعها". وأضاف أنه "يمكنهم استخدام ثمنها في شراء احتياجاتهم الفعلية". عقب ذلك، يأتي التجار الأردنيون إلى المخيم لشراء هذه المواد بالجملة.


وفي الشهر الماضي، أدخل برنامج الأغذية العالمي نظام قسائم الشراء، التي يمكن أن يستخدمها اللاجئون في شراء احتياجاتهم من متجرين تديرهما منظمات مجتمعية.


أسعار مرتفعة رغم عدم دفع الضرائب


ويقول اللاجئون أن أصحاب المتاجر لا يدفعون ضرائب أو فواتير كهرباء، ومع ذلك فإن السلع في مخيم الزعتري تباع بنفس السعر الذي تباع به في الأسواق الأخرى في الأردن، بل في بعض الأحيان أعلى، خاصة الخضروات والفواكه.


ويشعر العديد من اللاجئين أنهم يتعرضون للسرقة من قبل التجار، على اعتبار أن التجار يراكمون المدخرات ولا يقومون بتدويرها لأنهم لا يدفعون الضرائب أو فواتير الكهرباء. كما لا يستطيع اللاجئون الخروج من المخيم إلا إذا "كفلهم" مواطن أردني (على الرغم من أن مسؤولي الأمن وعمال الإغاثة يقولون أن العديد من اللاجئين ذوي الاتصالات الجيدة يجدون سبلاً لتهريب الأشخاص والمواد إلى داخل وخارج المخيم). وهكذا، فإن زبائنهم يشكلون إلى حد كبير "سوقاً احتكارية".


وتعليقاً على هذا الوضع قالت أمينه الزعبي، التي جاءت إلى الأردن بلا شيء سوى طفلها وملابسها التي ترتديها: "عندما يتم توزيع أي شيء، يقفون ]اللاجئون الذين يجنون الأموال[ في الطابور نفسه مثلنا تماماً، ليحصلوا على أي شيء: غذاء، ملابس، أو أي شيء آخر". وأضافت "إنهم يستغلون إخوانهم وأخواتهم بدلاً من مساعدتهم".


وترسل الزعبي ابنها البالغ من العمر 13 سنة إلى العمل لكي تستطيع شراء البقالة من سوق الزعتري.


ويقف ابنها بعربة في وسط السوق، ويعرض على الناس نقل مشترياتهم أو مواد المعونة إلى منازلهم. واعتماداً على مسافة الرحلة، يكسب محمد خير ما بين 0.50 إلى 2 دينار (0.70 دولار-2.80 دولار) في الرحلة الواحدة.


وتعليقاً على ذلك، قال: "يجب أن نعيش. لا يمكننا أن نتناول البرغل والعدس كل يوم".


ويختلف الحوراني مع الزعبي في أن اللاجئين الأغنياء يستغلون نظام المعونة عندما يستفيدون من الخدمات المجانية، حيث قال: "هذه المساعدات مخصصة لنا. فلماذا ننفق أموالنا؟".


"مكاسب جيدة"


ولا شك أن السوق مفيدة، فهي المكان الوحيد الذي يمكن فيه للاجئين شراء المواد التي لا تقدمها وكالات المعونة، مثل الفواكه والخضروات واللحوم، والتوابل والحلويات السورية. كما أن السوق بالنسبة للكثيرين، يذكرهم بالحياة الطبيعية التي كانوا يعيشونها في وطنهم الأم قبل الحرب.


وقال أحد اللاجئين أنه "على الرغم من أنه يقع في وسط الصحراء، إلا أنه يشعر المرء بأن يتجول في سوق درعا"، في إشارة إلى المدينة السورية الجنوبية التي ينحدر منها العديد من اللاجئين.  


ويعترف أيضاً بعض من سكان المخيم بأنهم يستفيدون من المشروعات التي يقيمها اللاجئون الأكثر ثراءً، حيث يحصل البعض، على سبيل المثال، منهم على أجر معقول.



وقال نادل أن المطعم الذي يعمل به يحقق أرباحاً تصل إلى 200 دينار (282 دولاراً) أسبوعياً، من بيع السندويتشات والدجاج المشوي.  


وقال سوري آخر، تحدث شريطة عدم ذكر اسمه، أنه يحصل على نحو 15 ديناراً (21 دولاراً) في اليوم من عمله في مقهى يملكه أحد اللاجئين السوريين "الأثرياء" الذين يعيشون خارج المخيم. وقال لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "إنه أجر جيد، خاصة عندما لا يكون المرء مضطراً لدفع ثمن الإيجار أو أي شيء آخر".


وعود بالتغيير


وإضافة إلى وجود تفاوت في الطبقات الاجتماعية في المخيم، يقول اللاجئون أن بعض السكان شكلوا جماعات تشبه المافيا متورطة في جرائم منظمة في المخيم.  


كما يقولون أن أقلية صغيرة من سكان المخيم يحدثون فوضى في المخيم- وذلك من خلال القيام بأعمال شغب ومهاجمة مسؤولي الأمن، والعاملين في وكالات المعونة أو غيرهم من اللاجئين-وأنهم يستفيدون من حالة إنعدام الأمن حيث يقومون بسرقة مواد المعونة وإعادة بيعها، مثل الكرفانات والخيام والمعدات من المراحيض العامة.


وتعليقاً على هذا، قال عيسى لافي الذي يبلغ من العمر 20 عاماً أن "بعض هؤلاء يستعينون بالشبيحة" في إشارة إلى الميليشيات التي تدعم الرئيس السوري بشار الأسد في قتاله ضد الثوار في سوريا "الذين يستأجرونهم لسرقة الأغراض من المخيم في الليل ثم يبيعونها".


وفي ليلة واحدة، تم سرقة 1,000 كرفان، والشرطة "لا تجرؤ على القيام بأي إجراءات"، بحسب ما ذكره لاجئون وأفراد أمن لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين).


في السياق ذاته، قال مسؤول أمني رفيع المستوى، طلب عدم ذكر اسمه، لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أنه من الصعب جداً السيطرة على المخيم.


وأضاف أن اللاجئين "يرفضون التعاون...عندما نحاول إيقاف السيارات التي تقوم بتهريب السوريين للعمل في المفرق، يبدؤون بقذفنا بالحجارة، حتى الأطفال منهم". وفي مرات عديدة، قام اللاجئون بطعن أفراد قوات الأمن الأردنية أو ضربهم بالعصي والحجارة.


من ناحية أخرى، يقول اللاجئون السوريون أن من يتعاونون مع الشرطة وقوات الأمن الأردنية يصبحون "منبوذين اجتماعياً" من قبل سكان المخيم.


وقد أعربت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين منذ فترة طويلة عن قلقها إزاء إنعدام القانون والنظام في المخيم، حيث قال كلينشميت: "نحن قلقون بالطبع بشأن عدد الأشخاص الذين يعملون داخل المخيم في ظل كل هذه التقارير عن جماعات المافيا".


وقال كلينشميت أنه من خلال تحسين الإدارة العامة للمخيم واستحداث هيكل للإدارة، "نأمل" أن يتم "حل" تلك المشكلات قبل نهاية العام.  


وتقضي الخطة الموضوعة بأن يتم تقسيم المخيم إلى مناطق، مع تحديد أسماء للشوارع وممثلين محليين، بحيث يمكن لعمال الإغاثة التواصل معهم.


وختاماً، قال أن "تعزيز الحكم المحلي سوف يساعدنا في توفير سيطرة أفضل على كل منطقة في المخيم". وفي مرحلة تالية، من المتوقع أن يدفع أصحاب المحلات رسوماً لتراخيص المحلات وفواتير الكهرباء.


aa/ha/rz/am-kab/dvh