تحليل: معضلة العودة تحير النازحين داخلياً في باكستان

هناك معركة مسلحة تدور رحاها في المنزل الصغير الذي يستأجره عزيز خان وشقيقيه في بيشاور، بالقرب من الحدود الباكستانية مع أفغانستان. يشهر وارث، ابن عزيز البالغ من العمر سبع سنوات، بندقية شبه آلية من البلاستيك ويطارد أبناء عمومته وأصدقاءه المسلحين بلعب مماثلة، وجميعهم يصدرون ضجيجاً عالياً عندما يتظاهرون بأنهم يطلقون النار.

وقال عزيز في حديث مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): هذه هي اللعبة المفضلة لديهم. لقد نشأوا وترعرعوا في خضم الصراع".

تركت عائلة عزيز منطقة بارا تهسيل (وحدة إدارية) في ولاية خيبر، إحدى المناطق القبلية الخاضعة للإدارة الاتحادية (FATA)، في مارس 2012 وكانوا من بين 100,000 شخص على الأقل فروا عندما اندلع قتال مكثف بين الجماعات المسلحة والقوات الحكومية.

لكن عزيز يواجه معضلة الآن حيث قال: "لا أعرف ما إذا كان يجب أن نعود أم لا. إن المعيشة هنا مكلفة للغاية، ونحن ندفع ما يقرب من 15,000 روبية [حوالي 150 دولاراً أمريكياً] في الشهر إيجاراً لهذا المنزل - ولكن من ناحية أخرى، الأمور في بارا ليست جيدة، وفكرة العودة إليها مخيفة".

كما يؤكد الأشخاص الذين عادوا إلى ديارهم أنها ليست هادئة أو آمنة حتى الآن.

وقال عبد الغفار، وهو أب لثلاثة أطفال، في تصريح من قريته في منطقة اكاخيل التابعة لبارا: "لقد عدنا إلى بيتنا في شهر يونيو من هذا العام حتى نتمكن من استئناف الزراعة. ولايزال بيتنا قائماً، ولكن القتال مستمر".

وأضاف أن "المدارس لا تزال مغلقة، وتُغلق الطرق في بعض الأحيان. كما يصعب الحصول على أي نوع من الرعاية الطبية لوالدي المسن الذي يعاني من مرض في القلب".

وتجدر الإشارة إلى أن النزوح هو إحدى حقائق الحياة في شمال باكستان. وبالإضافة إلى التحركات المتكررة للسكان الفارين من القتال بين الجيش والجماعات المسلحة في المناطق القبلية، تعتبر هذه المنطقة موطناً للكثير من اللاجئين الأفغان في باكستان البالغ عددهم 1.6 مليون لاجئ، مما يجعلهم من أكبر تجمعات اللاجئين في العالم.

وفي وقت سابق من هذا العام، أدى هجوم شنه الجيش على المناطق القبلية إلى نزوح 130,000 شخص، ولكن على الرغم من تحقيق انتصارات مؤقتة، لم يتم التصدي للأسباب الكامنة وراء عدم الاستقرار حتى الآن.

"لقد شهدنا هذا من قبل؛ يعود النازحون بسبب الصراع إلى ديارهم ليجدوا الأحوال لا تزال غير مستقرة نظراً لاستئناف القتال أو الظروف القاسية للغاية،" كما أوضح رحيم الله يوسف زاي، وهو محلل مقيم في بيشاور يتابع مشكلة النزوح منذ سنوات، في حوار مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين). وأضاف أن هذه العوامل خلقت "موجة بعد أخرى" من النزوح.

كما أفاد أن "الحياة ليست طبيعية في ولاية خيبر في الوقت الراهن. فعلى الرغم من أن الجيش قد أعاد فتح الطرق، إلا أن المستشفيات والمدارس مغلقة والمرافق العامة مدمرة، والناس لا يشعرون بالأمان".

الاستمرار بدون عمل

ويؤثر الافتقار إلى سبل العيش أيضاً بشدة على النازحين داخلياً العائدين إلى مناطقهم الأصلية، كما قال يوسف زاي، مضيفاً أن "الناس عادوا مرة أخرى إلى ولاية وزيرستان الجنوبية، ولكنهم لم يجدوا عملاً هناك. وما لم يتم الانتباه إلى هذه القضايا، فإن حياة الناس الذين يعودون إلى ديارهم ستكون صعبة. فقد رحل العائدون في الماضي مرة أخرى بسبب عدم الاستقرار وانعدام الأمن".

ووفقاً للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، عادت 12,163 عائلة نازحة بسبب النزاع إلى ديارها في يوليو من هذا العام - 80 بالمائة منها إلى منطقة كورام - كجزء من برنامج العودة المنظم الذي ساعدت المفوضية في تنفيذه.

وفي تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، قالت شاندانا سعد، الموظفة المشاركة في كتابة التقارير بمكتب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في بيشاور، أن "المفوضية والمجتمع الإنساني الأوسع يعملان معاً لضمان توفير الظروف المناسبة في كافة مناطق العودة، وقبل أن تحدث أي عودة، تخضع منطقة العودة المحتملة لعدد من التقييمات الإنسانية والأمنية".

وأضافت أن "التقييمات تأخذ في الاعتبار حالة الإسكان والبنية التحتية الرئيسية المحيطة، بما في ذلك المباني المدرسية والمرافق الصحية".

وقد استفادت بعض الأسر من هذه المخططات، حيث قالت أمينة بيبي، التي تبلغ من العمر 50 عاماً والتي نزحت من قريتها في منطقة بارا تشامكاني في ولاية كورام في شهر مايو الماضي: "لم تكن لدينا أدنى فكرة عما إذا كنا سنتلقى أي مساعدة بعد وصولنا إلى هنا".

وأفادت أن عائلتها المكونة من ثمانية أفراد تلقت بعض الإمدادات الغذائية والمستلزمات لإصلاح الجزء التالف من منزلنا، وبعض المواد الأساسية مثل الصابون والدلاء وغيرها. وأضافت إنها سعيدة بعودتها.

ولكن العائدين الآخرين ليسوا متأكدين بنفس الدرجة، حيث قال محمد علم، من وادي تيراه في ولاية خيبر، الذي نزح مع حوالي 40,000 شخص آخر بسبب النزاع في شهر أبريل الماضي: "قمت بزيارة منزلنا. إنه ببساطة ليس في حالة ملائمة للسكنى. لقد تم كسر أنابيب المياه، والناس يشعرون بالخوف، والحطام يتساقط من حولهم، وأنا ببساطة لا أريد أن أجلب عائلتي إلى هنا". ويوجد حالياً نحو 80,000 نازح من تيراه. 


 تحولت المنطقة التي توجد بها قريتنا إلى قفار، ويمكن رؤية أكوام من الأنقاض بوضوح في العديد من الأماكن

كان علم ينوي البقاء في بلدته، ويترك أسرته مؤقتاً في بيشاور، لكنه يقول بعد زيارة تيراه، أنه غير رأيه وعاد إلى بيشاور.

وفي السياق نفسه، أوضح محمد فضل، وهو مدرس متقاعد وكاتب في وانا، وهي بلدة في ولاية وزيرستان الجنوبية أن "الأحوال هنا قاتمة بصفة عامة. المدارس تعمل، ولكن المعلمين فروا".

وأضاف أن "المحلات التجارية تعاني من ضعف المخزونات لأن الطرق ليست مفتوحة دائماً، كما أن العديد من أصحاب المحلات قد فروا، والعيادات والمستشفيات في حالة يرثى لها، والناس الذين عادوا ووجدوا أن منازلهم أو أراضيهم حاق بها الدمار وأنه لا يمكنهم كسب لقمة العيش، ولذلك يفكرون في الرحيل مرة أخرى إلى بيشاور أو مردن أو غيرها من الأماكن، أو حتى إلى كراتشي البعيدة. ولا تزال الأسر التي عادت إلى منازلها المدمرة في بعض الحالات تعيش في خيام في ظل ظروف مروعة".

العودة الطوعية؟

وقد أعلنت الحكومة أن 270,000 شخص نزحوا بسبب الصراع سيعودون إلى مناطقهم الأصلية بحلول نهاية العام، وفي بيشاور وكذلك كوهات، أفاد النازحون أنهم يشعرون بضغط من جانب السلطات الرسمية.

"قام رجال الشرطة وبعض المسؤولين بزيارتنا، وقالوا أن علينا أن نعود بعد بضعة أسابيع، وأنه قد تم اتخاذ الترتيبات الخاصة بالعودة،" كما أوضح إيمان الله أفريدي، الذي نزح من وادي تيراه ويعيش حالياً في بيشاور مع أقاربه.

وأضاف قائلاً: "كانوا مهذبين، ولكننا شعرنا بالضغط". وقال أنه حسبما ذكر شقيقه، الذي لا يزال في تيراه، "تحولت المنطقة التي توجد بها قريتنا إلى قفار، ويمكن رؤية أكوام من الأنقاض بوضوح في العديد من الأماكن".

وتؤكد المفوضية السامية لشؤون اللاجئين أن جميع حالات العودة يجب أن تكون طوعية، لكن أحد العاملين في منظمة غير حكومية محلية تساعد النازحين يخشى أن يتم انتهاك هذا المبدأ. وقال العامل، الذي طلب عدم الكشف عن اسمه أن "النازحين لا يملكون سلطة، ولذلك من السهل إكراههم، حتى لو كان هذا ما يسمى 'إقناعاً'".

من جانبه، أكد المحلل يوسف زاي أن "هناك حالات من الضغط لإعادة النازحين إلى ديارهم. فعلى سبيل المثال، لا يبدي النازحون من خيبر استعداداً حقيقياً للعودة لأن الوضع الأمني هناك لا يزال سيئاً". وقال أيضاً أن المزاعم بأن الجماعات المسلحة طُردت من المنطقة ليست دائماً دقيقة.

وتصر الحكومة على أنها تشجع النازحين على العودة فقط عندما يصبح الوضع آمناً للقيام بذلك.

"وفقاً لخطتنا، سوف تبدأ العودة إلى ولاية خيبر يوم 15 من هذا الشهر،" كما أفاد عرفان الله خان، المتحدث باسم هيئة إدارة الكوارث في المناطق القبلية الخاضعة للإدارة الاتحادية، مضيفاً أن هذه العودة ستكون طوعية، وأن الظروف السائدة في مناطق العودة مواتية لعودة النازحين.

وأشار خان إلى أن "80 بالمائة من المنازل في ولاية خيبر سليمة، وسيتم توفير الملاجئ المصنوعة من صفائح عازلة للماء ومواد أخرى مناسبة للمناخ السائد لنحو 20 بالمائة من العائدين الذين تضررت منازلهم بشدة أو دمرت بالكامل". وأضاف أن 90 بالمائة من المنازل في كورام سليمة، بينما سيقدم برنامج الأغذية العالمي في خيبر المساعدات الغذائية للعائدين.

وفي حوار مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، قال أمجد جمال، المتحدث باسم برنامج الأغذية العالمي: "فور عودة النازحين من وادي تيراه، سوف يقدم البرنامج حزمة العودة لمدة تسعة أشهر في مواقع قريبة إلى مناطقهم الأصلية قدر الإمكان".

ولكن لا تشعر مثل هذه الخطط النازحين بالراحة لأنهم قلقون بشأن المستقبل. وقال أفريدي "أنا لا أصدق أي شيء يقوله المسؤولون الحكوميون أو وسائل الإعلام".

وأضاف أن "كل ما أعرفه هو أن الأوضاع في تيراه سيئة للغاية. لا يزال القتال مستمراً، والناس الذين ما زالوا هناك، أو عادوا مؤخراً للمطالبة باستعادة أراضيهم ومنازلهم خوفاً من أن يستولي عليها آخرون، يشعرون بالتعاسة".

يعيش محمد رحمت مع عمه في بيشاور منذ 18، وهذا هي المرة الثالثة الذي يضطر فيها إلى الفرار من منزله في بارا.

وشكا في حوار مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) قائلاً: "إنني أفتقد بيتي وقريتي وعائلتي الكبيرة، ولكنني ببساطة لا أعرف ما إذا كان يجب أن أعود مرة أخرى. من يدري، قد نضطر إلى النزوح مرة أخرى والبحث عن مأوى مع أشخاص آخرين مرة أخرى. إنها مخاطرة كبيرة".

kh/jj/rz-ais/dvh
"