تحليل: المياه والصرف الصحي في مرحلة ما بعد الأهداف الإنمائية للألفية

أصدر مركز أبحاث رائد في مجال المياه الأسبوع الماضي دعوة لوضع هدف تنموي متعلق بالمياه لفترة ما بعد عام 2015، يرمي إلى تحسين الاستفادة من إمدادات المياه الشحيحة، وإدراك الحق الإنساني في الحصول على مياه الشرب الآمنة وخدمات الصرف صحي، وزيادة قدرة المجتمعات على الصمود في مواجهة حالات الجفاف والفيضانات بحلول عام 2030.

وقد جاءت المناشدة، التي أطلقها معهد استوكهولم الدولي للمياه، في أعقاب أسبوع من المناقشات والمشاورات مع وكالات المعونة ومنظمات تنموية وخبراء في مجال المياه بشأن كيفية البناء على ما قد تحقق من الأهداف الإنمائية للألفية، التي حددت عام 2015 هدفاً لتحسين سبل الوصول إلى مياه آمنة للشرب ومرافق صرف صحي أساسية.

وفي هذا الصدد، قال ميشيل جارو، رئيس لجنة الأمم المتحدة المعنية بالموارد المائية أن "الأهداف الإنمائية للألفية وضعت تركيزاً هائلاً على أجندة التنمية الدولية وكانت بمثابة صيحة في وقت يشهد فيه الدعم للأهداف الدولية تراجعاً". وأضاف أن "الفقراء هم أكثر من عانى من المشكلات المتعلقة بالمياه-  ولذلك هذا هو المجال الذي ينبغي أن تركز عليه جهودنا. نحن بحاجة الآن إلى البناء على ما تحقق لدينا بالفعل والبحث في كيفية تحسين الأهداف المقبلة".

وقد كانت هذه القضية إحدى موضوعات نقاش الأسبوع العالمي للمياه الذي انتهت أعماله الأسبوع الماضي في استوكهولم. ويُنظر إلى الـ 12 شهراً المقبلة على أنها ضرورية لتحقيق هدف المياه والصرف الصحي، الأمر الذي سيساعد في توجيه جهود الإغاثة والتنمية على مدار الـ 15 عاماً المقبلة.

وعلى الرغم من المؤشرات الإيجابية من الفريق الرفيع المستوى حول جدول أعمال التنمية لما بعد عام 2015، إلا أن إدراك الهدف الخاص بالمياه والصرف الصحي ليس مضموناً، إذ يخشى خبراء المياه من مواجهة سنوات صعبة في حال فشل العملية. وقد كانت هناك علامات في قمة ريو + 20  التي عقدت في العام الماضي على أن قادة العالم قد يكونون غير متحمسين لتقديم تعهدات جديدة بشأن المياه.

 عدم وجود هدف للمياه سوف يعقد مهمتنا في الإبقاء على المياه في صدارة أولويات الأجندة العامة

إلى ذلك، قال بارت ديفوس من برلمان الشباب العالمي للمياه أن "عدم وجود هدف للمياه سوف يعقد مهمتنا في الإبقاء على المياه في صدارة أولويات الأجندة العامة".

نتائج مختلطة للأهداف الإنمائية للألفية

ومنذ العام الأول للأهداف الإنمائية للألفية، أي عام 1990، حصل 2 مليار شخص على الأقل على مصدر لمياه الشرب المُحسّنّة. ومع ذلك، لا يزال نحو 800 مليون شخص تقريباً محرومين منها، يعيش 40 بالمائة منهم في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى.

وفي هذا الإطار، قال مايك مولر، من كلية الإدارة العامة والتنمية بجامعة ويتووترزراند لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "كانت الأهداف الإنمائية للألفية بشأن المياه مفيدة لأنها جعلت الحكومات تفكر في الجهود التي تبذلها ومدى جودة تلك الجهود. ولكنها واجهت أيضاً بعض العقبات وتعلمت منها دروساً ... فعندما اعتقد الوزراء أن كل ما عليهم فعله هو وضع مواسير مياه في الأرض وتوصيل صنابير في نهايتها، ركزوا جهودهم على توفير البنية التحتية فقط، واستطاعوا القول أنهم وفروا البنية التحتية لملايين الناس. ولكن كانت هناك مشكلة واحدة فقط في كثير من الحالات وهي أن البنية التحتية لا تعمل".

عقب ذلك، تم تعديل المؤشرات في محاولة للتأكد من أن خدمات المياه الفعالة فقط هي التي يتم إدراجها في الإحصائيات.

 وعلى الرغم من أنه قد تم تحقيق الهدف العالمي للمياه في عام 2010، أي قبل موعده بخمس سنوات، إلا أن الصرف الصحي ظلّ هدفاً أكثر صعوبة، إذ لا يزال نحو 2.5 مليار شخص يفتقرون لمرافق صرف صحي محسنة. ويعد الإسهال ثاني أكبر سبب للوفاة في الكثير من الدول النامية، كما أن نحو 1.1 مليار شخص مازالوا يتغوطون في العراء.

ومن المرجح أن يتنامى التحدي الذي يشكله الصرف الصحي وذلك في ظل ازدياد عدد سكان المناطق الحضرية، حيث تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن 70 بالمائة من سكان الصين سيقطنون في البلدات والمدن بحلول عام 2030.

 

الأهداف الإنمائية للألفية
الهدف رقم 7: كفالة الاستدامة البيئية
الهدف رقم 7 أ: إدماج مبادئ التنمية المستدامة في السياسات والبرامج القطرية ‏وانحسار فقدان الموارد البيئية 
الهدف رقم 7ج: تخفيض نسبة الأشخاص الذين لا يمكنهم الحصول باستمرار على ‏مياه الشرب المأمونة وخدمات الصرف الصحي الأساسية إلى ‏النصف بحلول عام 2015

وقد ساعد الهدف الإنمائي للألفية الخاص بالمياه والصرف الصحي في تحفيز الدول والجهات المانحة ووكالات المعونة على العمل، فقد كان هدفاً طموحاً، وقابلاً للقياس والإبلاغ عن ما تحقق بصدده.

لكن الأمر الذي لم يكن يسير على نحو جيد هو معالجة قضية عدم المساواة، حيث يأمل النشطاء أن تحظى هذه المسألة بمزيد من التركيز في أهداف ما بعد عام 2015، التي يطلق عليها اسم أهداف التنمية المستدامة.

ولكن هذا التحدي قد يكون أكثر صعوبة، لاسيما في ظل الأهداف العالمية للمياه والصرف الصحي التي تخفي التباينات الإقليمية. إلى ذلك، قالت أماندا مارلين من المجلس التعاوني لإمدادات المياه والصرف الصحي أنه ينبغي ألا ترمي تلك الأهداف إلى تحقيق النتائج السهلة فقط.

وأضافت أنه "على الرغم من أن الأهداف الإنمائية للألفية قد ساعدتنا، إلا أننا نريد أن نحقق الأفضل في مرحلة ما بعد عام 2015. لا نريد أن نقتصر على قطف الثمار السهلة فقط، المتمثلة في مجرد محاولة تقليص أعداد الذين يعانون، ونترك القطاعات التي يصعب الوصول إليها كما في السابق".

ما الذي ينبغي أن نصبو إليه

وبخلاف الأهداف الإنمائية للألفية، انطوى إعداد أهداف التنمية المستدامة على عملية واسعة النطاق ومشاورات محيرة في بعض الأحيان، الأمر الذي ترك مجالاً لممارسة الضغط وإبداء التعليقات من كافة أطراف القطاع.

وعلى الرغم من أن جميع الأطراف تنظر إلى المياه والصرف الصحي على أنهما قضيتان أساسيان، إلا أن هناك آراء متباينة حول الاستراتيجية المثلي التي ينبغي تبنيها.

ويدفع الكثيرون، بما في ذلك هؤلاء الذين يقفون خلف بيان ستوكهولم الذي صدر الأسبوع الماضي، باتجاه تبني هدف مستقل يرمي إلى تحقيق مجموعة متنوعة من الأهداف. ومن بين الاقتراحات الرئيسية هدف لإنهاء قضاء الحاجة في العراء وهدف اتاحة المياه والصرف الصحي للجميع.

كما أن هناك رغبة في أن يتم تجاوز الاهتمام بالكم إلى الاهتمام بالجودة – كالإجابة على الأسئلة: إلى أي مدى المياه آمنة، وهل هي خالية من التلوث؟ وهل لا تزال المراحيض التي بنيت تعمل؟ وهل ينبغي أن يكون هناك هدف محدد فيما يتعلق بتركيب مرافق المياه والصرف الصحي في المدارس والمراكز الصحية؟ وهل ينبغي أن يتم إدراج عنصر المساواة؟

وفي هذا الصدد، قال جيرارد باين، من المجلس الاستشاري للأمين العام للأمم المتحدة بشأن المياه والصرف الصحي: "نحتاج إلى أهداف مقنعة، ونحتاج إلى أن تكون تلك الأهداف قائمة على مؤشرات قابلة للقياس. وهذا لم يتحقق بعد. فكثير من الناس يقترحون عدداً كبيراً جداً من الأهداف، أكثر مما يمكن تحقيقه".

ومن بين الاقتراحات الأخرى تقليص المياه العذبة لكي تناسب إمدادات المياه المستدامة، وأهداف تتعلق بغسل اليدين والنظافة الصحية في فترة الطمث عند النساء.

ويحتاج كل هدف إلى وسيلة للتأكد من تحقيقه، هو شرط يجعل بعض الأهداف أقل قابلية للتطبيق لأن قياس المؤشر غير الصحيح قد يؤدي إلى نتائج غير مقصودة أو حتى سلبية.

وحول هذه النقطة، أوضح مولر أن "هذه المؤشرات والأهداف يمكن أن تكون مفيدة فعلياً، ويمكن  أن تجعل الناس يركزون على ما يحاولون تحقيقه. ولكن ينبغي أن نعلم أيضاً أنه يتوجب علينا صياغتها بعنايه شديدة، وإلا سيكون لدينا حوافز خاطئة وبالتالي يبدأ الناس في القيام بأمور خاطئة".

وأعرب مولر عن خشيته من أنه إذا لم يتفق المهتمون بالمياه في المناقشات على رأي موحد في وقت مبكر من العام القادم، فربما ينتهون إلى نتيجة لا ترضي أحداً.

وفي هذا السياق قال: "سيكون من الأفضل أن نذهب إلى هذه المناقشات بمجموعة أهداف مصاغة جيداً. وإلا فإن ما سيحدث- وهذا ما حدث في حالة الأهداف الإنمائية للألفية-هو أننا سنذهب بقائمة كبيرة من الأهداف، وهو أمر لا معنى له، فالجميع متفقون على ضرورة التوصل إلى هدف، حينها سيضطر شخص ما بإعداده في اللحظات الآخيرة، وهذا حل وسط سيء".

هدف مستقل؟

وتتمثل إحدى الصعوبات التي يواجهها القطاع في أن المياه ترتبط بوضوح بعدة قطاعات إنسانية وتنموية مثل الصحة والتعليم- وهي راوبط لم يتم أخذها في الاعتبار في الأهداف الإنمائية الأصلية للألفية مطلقاً.

ويرى البعض، من أمثال مولر، أنه ربما يكون من الأفضل أن يتم إدراج أهداف المياه والصرف الصحي ضمن مجالات أخرى مثل الصحة، من أجل توزيع الالتزامات والموارد.

وحول هذه النقطة، قالت نينا أودنوايلدر، من الجمعية الألمانية للتعاون الدولي: "يجب أن ندرك أنه لا يمكننا تحقيق كل شيء بمفردنا ... نحتاج لتقاسم المسؤوليات، ويجب أن تحظى الروابط البينية بين المجالات بمزيد من المناقشة".

لكن الكثيرين يخشون من أن يؤدي التخلي عن وضع هدف مستقل إلى تقسيم القطاع، حيث قال ديفوس: "إذا تم توزيع الأهداف المعنية بالمياه على أهداف أخرى، فسوف يقود ذلك إلى خلق منافسة هائلة على الموارد المائية بين تلك القطاعات".

وبغض النظر عن ذلك، يرى الخبراء أن الشراكات عبر القطاعات ستشكل عنصراً هاماً في تحسين سبل الوصول إلى خدمات المياه الأساسية.

وهناك دفعة قوية أيضاً للبحث في إدارة مياه الصرف الصحي وإدارة الموارد المائية، التي لم تُعالج بشكل صحيح في الهدف الإنمائي للألفية الخاص بالمياه. وقال يواكيم هارلين، مستشار أول للموارد المائية في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي: "هذه ليست أعمالاً غير منتهية ولكنها أعمال لم نهتم بها بعد بشكل صحيح". وقال أنه يتم تصريف ما يُقدر بنحو 80 بالمائة من المياه المستعملة في المياه المفتوحة.

ولكن إدراج الهدف الخاص بالمياه المستعملة في أهداف التنمية المستدامة للمياه لا يروق للجميع، إذ يقول البعض أنه يمكن للبيئة الطبيعية أن تتعامل في الغالب مع كمية محددة من المياه المستعملة، وأن البنية التحتية للمياه المستعملة تميل إلى خدمة النخب فقط، وأن شركات المياه الكبرى يمكن أن تكون الجهة التي تضغط لتحقيق هذا الهدف.

ويشعر آخرون بالقلق من أنه قد يكون من غير المفيد تقسيم القطاع إلى أهداف منفصلة للمياه والصرف الصحي والنظافة الصحية، وإدارة الموارد والمياه المستعملة.

إلى ذلك، قال مولر: "إذا بدأنا الآن فصل نوعية المياه عن كم المياه، فسوف نفكك التكامل الذي سعى الناس لتحقيقه خلال الـ 40 عاماً الماضية. لذا أعتقد أنه نهج قصير النظر حقاً".

البيانات والمسؤولية

وتعد البيانات هي مكون حيوي لأي نظام قائم على الأهداف، فالأهداف القابلة للقياس تحقق المساءلة وتجذب التمويل.

مع ذلك، تظل هناك درجة كبيرة من حالة عدم اليقين بشأن كمية المياه المتوفرة ومن يستخدمها. وعلى الرغم من أن البيانات التي يتم الحصول عليها من خلال الاستشعار عن بُعد باستخدام الأقمار الاصطناعية يمكن أن توفر بعض المعلومات، إلا أن إمكانية تطبيقها لا تزال محدودة.

ويجب أن تعكس الأهداف الأمور التي يمكن أن تتوفر في الدول النامية أو الجوانب التي قد تتوفر لديها القدرة على قياسها، بما في ذلك الرصد على مر الوقت.

إلى ذلك، قال فرانز ماريه من وزارة التعاون الاقتصادي والتنمية الفيدرالية في ألمانيا: "أنا متشكك جداً في الإحصاءات، على الرغم من أنني أؤمن بشدة بمعرفة ما نقوم به".

كما يقترح بعض خبراء المياه وضع هدف بناء على جمع البيانات المائية.

وتبقى التعاريف الأساسية في انتظار توضيح - فعلى سبيل المثال، هل تُعتبر البئر نقطة مياه آمنة؟

وقالت أودنوايلدر من الجمعية الألمانية للتعاون الدولي: "يجب أن تكون الأهداف مناسبة للعمل. يجب أن تقدم رسالة واضحة بشأن ما الذي يتوجب القيام به وأن تكون واضحة بشأن الملكية. كما يجب أن تكون قابلة للتحقيق، ويجب أن نعرف إذا ما كنا نسير على الطريق الصحيح أم أننا قد خرجنا عنه".

ويكمن التحدي النهائي في السؤال حول من سيكون مسؤولاً عن تحقيق هذا الهدف ومن سيدفع التكاليف.

وتساءلت أورسولا أوشي إيد من المجلس الاستشاري للأمين العام للأمم المتحدة قائلة: "من الذي يقوم بالرصد؟ ومن الذي يدفع تكاليفه؟ وأين؟ ومن الذي يقوم بكل هذا العمل؟" وأضافت قائلة: "أخشى من أنه إذا تدخل الجميع في شأن المياه، فلن يكون هناك مسؤول محدد عنها".

jj/rz-kab/dvh