الحلقة المفرغة لانخفاض وزن الأطفال عند الولادة في باكستان

بدت علامات الإرهاق في الصباح على الممرضات اللائي خرجن من غرفة الولادة في مستشفى جانجا رام في هذه المدينة التي تقع شرق باكستان، فقد أكملن فترة طويلة من العمل أشرفن خلالها على ولادة سيدتين.

وفي حديث مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) قالت إحداهن التي طلبت عدم ذكر اسمها: كان وزن أحد المولودين، وهو ذكر، قليلاً جداً، إذا لم يتعد الكيلوغرامين، ولذلك فإنه لن يعيش على الأرجح".

ويصنف الأطفال الذين يولدون بوزن يقل عن 2.5 كيلوغرام بأنهم من ذوي الوزن المنخفض عند الولادة– وهو تصنيف ليس بعيداً عن المألوف في باكستان.

ويفيد تقرير وضع الأطفال في العالم لعام 2013 الصادر عن منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) أن باكستان تضم ثاني أعلى معدل مسجل في العالم (32 بالمائة)، بعد موريتانيا التي تبلغ فيها هذه النسبة 34 بالمائة (لا تتوفر معلومات عن أفغانستان).

وطبقاً لمنظمة اليونيسف "يعد الوزن عند الولادة مؤشراً جيداً، ليس على صحة الأم وحالة تغذيتها فحسب، ولكن على فرص المولود الجديد في البقاء على قيد الحياة والنمو والتمتع بالصحة على المدى الطويل والنمو النفسي والاجتماعي كذلك".

وتشير الاختبارات إلى أن الأطفال ذوي الأوزان المنخفضة سيعانون من مستويات ذكاء أقل بنسبة 5 بالمائة في المتوسط.

ولكن لا تتضح تماماً الأسباب الدقيقة لإحصاءات انخفاض وزن الأطفال عند الولادة التي تنذر بالخطر في باكستان.

وقالت سامينا أحمد، وهي طبيبة نساء وتوليد عملت لأكثر من عشرين عاماً في عيادة خيرية للنساء في لاهور، أن "المشكلة أكثر شيوعاً بين الأسر الأكثر فقراً، على الرغم من أن هذه الأسر تحصل في العادة على قدر معقول من الغذاء – ولذلك فإن التغذية ليست العامل الوحيد".

وأضافت أن "كثرة مرات الحمل تستنزف جسم الأم وربما يعود السبب إلى عدم القدرة على الحصول على وسائل منع الحمل".

وتشير الأدلة المتاحة إلى أنه على الرغم من معرفة 96 بالمائة من النساء اللائي تزوجن بوسيلة واحدة على الأقل من وسائل منع الحمل، إلا أن أقل من نصفهن فقط يستخدمن هذه الوسائل نظراً لعدم قدرتهم على الحصول عليها وعدم توفر المشورة بشأنها.

ليس الفقر فقط

كما تشير الأبحاث التي أجراها المعهد الباكستاني لاقتصاديات التنمية، ومقره إسلام أباد، أن الفقر بمفرده ليس السبب في انخفاض أوزان المواليد.

وبالفعل يصعب على الخبراء شرح هذه الظاهرة حيث قام المعهد الباكستاني لاقتصاديات التنمية في دراسة أجراها في يوليو 2012 بالربط بين انخفاض وزن الطفل عند الولادة ومجموعة متنوعة من العوامل تشمل مؤشر كتلة الجسم للأمهات ومكان الولادة بالنسبة للطفل والحصول على الرعاية الصحية لكل من الأم والطفل.

وأشارت الدراسة إلى أنه "من المرجح أن تكون حالة التغذية لدى الأطفال متجذرة في مرضهم وحالة التغذية لأمهاتهم والعوامل البيئية والمجتمعية وليست ناجمة عن الفقر فقط".

وطبقاً للدراسة الوطنية للتغذية، يبلغ معدل وقف النمو (انخفاض الطول بالنسبة للعمر) للأطفال الأقل من خمس سنوات 43.7 بالمائة على مستوى البلاد.

أنا حامل مرة أخرى وخائفة لأن حملي الثالث نجم عنه طفلة ماتت عندما كان عمرها أسابيع قليلة. وقد أخبرني الأطباء هنا في العيادة أنها كانت ضعيفة
وقد أشارت دراسة المعهد الباكستاني لاقتصاديات التنمية أيضاً إلى زيادة في معدل وقف النمو والهزال (انخفاض الوزن بالنسبة للطول) على مدى العقد الماضي ولكنها أوضحت أيضاً أنه من الصعب شرح السبب في حدوث ذلك. ولاحظت الدراسة عدم وجود علاقة مباشرة بين الفقر وحالة التغذية، خاصة وأن الفقراء الذين يسكنون في المناطق الريفية غالباً ما يكونون قادرين على زراعة بعض غذائهم على الأقل.

وتظهر الدراسات الوطنية للتغذية أن معدلات سوء تغذية بين الأطفال (التي يتم قياسها عن طريق الهزال) ارتفعت من 11 إلى 15 بالمائة بين 1985-1987 و2011.

وقال محمد سليم الدين، وهو طبيب في بلدة جارانوالا الذي يعاين أيضاً الأشخاص القادمين من القرى المجاورة في البنجاب: "لا أستطيع القول لماذا يحدث ذلك ولكن كطبيب يعمل في منطقة ريفية أستطيع القول أنه ربما تكون جودة الغذاء الذي يحصل عليه الأطفال متردية حيث يحصلون على المزيد من الأطعمة المعبأة والمصنعة".

وينجم عن مستويات التغذية المتردية حلقة من البالغين الذين يعانون من سوء التغذية والذين ينجبون أيضاً أطفالاً يعانون من سوء التغذية، مع توفر عدد قليل من الخدمات الصحية لمساعدتهم على كسر هذا النمط.

وقال تقرير صدر مؤخراً عن حكومة إقليم السند أن "عواقب عدم كفاية الخدمات الصحية للنساء الحوامل على المستوى الوطني مقترنة بتناول كميات غير كافية من الطعام وانعدام الخدمات بالنسبة للفتيات والزواج المبكر كلها أمور خطيرة لها تبعات سلبية على الحمل".

صحة الأم

ويعتقد الخبراء أيضاً أن هناك أهمية كبيرة للعلاقة بين صحة الأم وانخفاض وزن الطفل عند الولادة. وفي مقال صحفي قال ذو الفقار بوتا، وهو طبيب يرأس قسم صحة النساء والأطفال في جامعة أغاخان في كراتشي، أنه "على الرغم من وجود جدل بين السياسيين وخبراء الاقتصاد حول تعريفات الفقر، فإن العديد من النساء يعانين من نقص الخدمات ويحرمن في كثير من الأحيان من الحقوق الأساسية ومن الحصول على الخدمات الصحية والتعليمية والتغذية الكافية".

وأشار بوتا إلى أنه "على النقيض من أمريكا اللاتينية والعديد من بلدان جنوب شرق آسيا فإن التقدم في التدخلات الأساسية- مثل تعليم الإناث وتمكين المرأة ورفع سن الزواج والحمل الأول والحصول على خدمات تنظيم الأسرة- لا يزال بطيئاً بشكل يبعث على الأسى".

وتشهد على ذلك نساء مثل شهيدة جبين التي تعيش في بلدة موريدكي شبة الريفية على مشارف لاهور.

وقالت جبين التي ستلد طفلاً هذا الشتاء في منتصف ديسمبر تقريباً أنها تخشى من أن يعاني طفلها من مصير مماثل، وأضافت قائلة: "لقد تزوجت في عمر 17 عاماً والآن وبعد ثمانية أعوام لدي أربعة أطفال. وأنا حامل مرة أخرى وخائفة لأن حملي الثالث نجم عنه طفلة ماتت عندما كان عمرها أسابيع قليلة. وقد أخبرني الأطباء هنا في العيادة أنها كانت ضعيفة".

وتلوم جبين نفسها على موت طفلتها قائلة: "لم يكن لدي ما يكفي من الحليب لأنني كنت أرضع أيضاً طفلي الذي كان عمره عاماً واحداً وقتها".

وقالت سامينا أحمد أن "هذا وحده لن يسبب انخفاض وزن الطفل عند الولادة لدى الأم التي تتمتع بصحة جيدة. ولكن عند اقترانه بعوامل أخرى مثل كثرة مرات الحمل والتغذية المتردية وخلافه فمن يعرف حينها ماذا سيحدث".

kh/jj/cb-hk/dvh
"