اللاجئون العائدون من دارفور يعيشون على الكفاف في تشاد

عاد آلاف التشاديين الذين فروا من النزاع في بلادهم خلال الفترة من 2004 إلى 2009 متوجهين إلى دارفور في دولة السودان المجاورة، إلى ديارهم في الأشهر القليلة الماضية في أعقاب أحداث عنف طائفي متفرقة.

وبحسب مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بدأ هؤلاء العائدون التشاديون، فضلاً عن آلاف اللاجئين الجدد من دارفور، في العبور إلى جنوب شرق تشاد في شهر يناير الماضي، هرباً من الصراع حول مناجم الذهب في شمال دارفور بين قبائل بني حسين والرزيقات.

وعبرت موجة أخرى من اللاجئين إلى الأراضي التشادية هربًا من العنف الطائفي بين قبائل السلامات والمسيرية في أم دخن بوسط دارفور.

وطبقاً لتقرير صادر عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، تم تسجيل تدفق 30,448 لاجئاً من دارفور علاوة على 20,640 عائداً تشادياً (لاجئين سابقين من تشاد في دارفور) في تيسي في جنوب شرق تشاد في عام 2013.

وتجدر الإشارة إلى أن المنطقة التي يسعى العائدون إلى اللجوء إليها، وهي قريبة من دارفور وشمال شرقي جمهورية أفريقيا الوسطى، تفتقر إلى وجود البنية التحتية الأساسية، وكانت حتى وقت قريب محظورة على عمال الإغاثة.

وقال برونو ميس، ممثل منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) في تشاد، أن "تيسي منطقة قاسية، والمنطقة الواقعة بين جمهورية أفريقيا الوسطى وتشاد والسودان هي منطقة ساخنة وخطيرة."

شهدت منطقة شرق تشاد غزو من قبائل الجنجويد في منتصف عام 2000، وانتهى تفشي انعدام الأمن هناك بعد تطبيع العلاقات بين السودان وتشاد (تبادلت الدولتان اتهامات في الماضي بمساندة مجموعات المتمردين في أراضيهما). كما أن المنطقة الشمالية من جمهورية أفريقيا الوسطى لا تخضع للقانون منذ فترة طويلة وتنتشر بها أعمال اللصوصية.

وأوضح صوفي قاسم، رئيس المنظمة الدولية للهجرة في تشاد، أن "معظم التشاديين الذين هربوا إلى السودان في هذه الفترة (منتصف عام 2000) فروا في الغالب بسبب التمرد. ولكن هناك أيضاً تشاديون هاجروا إلى السودان في نفس الفترة وقبلها بحثاً عن عمل (في مناجم الذهب)."

وأضاف قاسم أن "هذان سببان فقط من أسباب بقائهم الطويل نسبياً والمتواصل في السودان حتى اندلاع أحداث العنف الطائفي الأخيرة التي بدأت حول مناجم الذهب، والتي أجبرت الجميع على العودة إلى ديارهم، بغض النظر عن سبب الذي دعاهم إلى الهجرة من تشاد في المقام الأول."

ظروف محفوفة بالمخاطر

وقال ميس أن هؤلاء الذين وصلوا إلى تيسي - ما بين 80 و90 بالمائة منهم من الأطفال والنساء - جاءوا من منطقة أم دخان في دارفور تحت ظروف محفوفة بالمخاطر للغاية. 

وفي تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، قالت أشتا محمد عمر البالغة من العمر 21 عاماً في قرية تادجو، وهي أحد مواقع العائدين البالغ عددها 18 موقعاً في تيسي والمواقع المحيطة بها: "جئت من دارفور منذ شهرين. ومات زوجي قبل مغادرتنا دارفور بأربعة أشهر."

وأضافت عمر، وهي أم لطفلين يبلغ عمريهما ثلاثة أشهر و13 شهراً، "لا يوجد أحد ليعتني بالأطفال، وأنا أضطر إلى العمل معظم الوقت لدى أسر أخرى للحصول على المال من خلال المساعدة في الحقول."

كانت عمر وزوجها الراحل مزارعين في دارفور، ولكنها لا تمتلك أية أراضي في تيسي. وأوضحت قائلة: "لم تكن لدينا أية أراضي هنا حتى قبل أن نهرب إلى دارفور."

لا يجد طفلا عمر الحليب لأن الأسرة تمتلك فقط عنزة واحدة صغيرة. وتعيش الأسرة على العصيدة والأرز والخضروات، حسبما ذكرت عمر، مشيرة إلى أن طفليها غالباً ما يصابا بالإسهال بسبب نقص مياه الشرب النظيفة. وأضافت أنهما "يعانيان من بعض المشاكل في المعدة معظم الوقت."

ومن جانبه، قال اسحق محمد العائد إلى تيسي أن "الرعاية الصحية مجانية، ولكن عندما يذهب الأطفال إلى المستشفى يعطونهم دواء يتقيؤونه في نهاية المطاف لأنهم جوعى."

إن الحصول على الخدمات الأساسية في تيسي أمر صعب، حيث يعزى عدم وجود البنية التحتية إلى انعدام الأمن في الماضي.

وقال ميس من اليونيسيف أن "المياه هي المشكلة الرئيسية." يحصل ما يقرب من 15 بالمائة فقط من إجمالي 43,000 شخص في تيسي على مياه صالحة للشرب بينما يعتمد الباقي على مصادر أخرى.

وقالت سيدة لشبكة الأنباء الإنسانية بالقرب من مضخة مياه تابعة لليونيسيف في تيسي أن "الجانب الآخر (دارفور) أفضل من حيث الحصول على المياه."

كما أن التغوط في العراء شائع أيضاً، مما يؤدي إلى تزايد مخاطر الإصابة بالأمراض.

مطلوب المزيد من المساعدة

تنتشر أمراض مثل الملاريا والإسهال في تيسي بسبب الأمطار الأخيرة وتردي مستوى النظافة ونقص مياه الشرب. وتعتبر أمراض الجهاز التنفسي مشكلة كبيرة أيضاً.

وذكرت كورين غرانت منسقة مشروع أطباء بلا حدود في تيسي أن الملاريا سوف تنتشر بسبب استمرار موسم الأمطار (يوليو- سبتمبر). وأضافت في 10 أغسطس أن هناك 30 حالة ملاريا بين الأطفال دون سن الخمس سنوات، وأن "هناك حاجة إلى مزيد من الوقاية، والناموسيات المعالجة بالمبيدات، والتوعية بالأعراض."

وتعمل اليونيسيف إلى جوار منظمة أطباء بلا حدود والشركاء الآخرين في تيسي منذ شهر أبريل الماضي. وقامت المنظمة في وقت سابق بالتخزين المسبق لامدادات الطوارئ لأن الوصول إلى الطرق عادة ما يكون متعذراً أثناء موسم الأمطار.

ولا يزال انعدام الأمن أمراً مثيراً للقلق، حيث يتم تسجيل اشتباكات في دارفور منذ عدة أسابيع وسط مخاوف من تجدد أعمال العنف. وقالت امرأة في تيسي لشبكة الأنباء الإنسانية: "سوف نعود إلى دارفور إذا طلب منا أزواجنا المحاربون ذلك،" مضيفة أن زوجها فر معها إلى تيسي.

السكان المضيفون في تيسي يعانون من الضعف 

أكدت غرانت أن "السكان المضيفين هم أيضاً مدعاة للقلق، ومع ذلك فإن الكثير من برامج المعونة تركز على العائدين واللاجئين. من نعتبرهم سكاناً مضيفين هم العائدون السابقون الذين عادوا في 2009، ثم أن هناك العائدين الجدد في عام 2013."

ومع احتمال تكرار الصراع في دارفور، من الممكن أن تستقبل تيسي مزيداً من الوافدين الجدد عندما تتحسن فرص الوصول إلى المنطقة بعد انتهاء موسم الأمطار.

وفي حوار مع شبكة الأنباء الإنسانية، قال عثمان مصطفى إسماعيل نائب محافظ تيسي أن "الموارد ليست كافية، والناس هنا كانوا يعانون من الضعف من قبل. والأشخاص الذين حضروا تسببوا في زيادة الاحتياجات. لدينا بعض الخبرة في رعاية اللاجئين بالفعل ويمكننا تدبر الأمر، ولكن بدعم من المنظمات غير الحكومية."

وقال قاسم من المنظمة الدولية للهجرة أنه "بالرغم من أن حركة السكان النازحين (اللاجئون والعائدون) من السودان وتقديم المساعدات إلى نفس الأشخاص قد تباطأت بسبب الأمطار، فإن تدفقهم بأعداد صغيرة مازال مستمراً وربما يزداد مرة أخرى بعد انتهاء موسم الأمطار نظراً لأن السبب الدافع لم يتلاشى بعد."

تحديات أخرى

يشكل عدد العائدين في تيسي تحدياً مؤكداً، ولكنه ليس التحدي الوحيد. فهناك تحركات كثيرة من قبل السكان في تشاد، وفقاً لما ذكره قاسم.

على سبيل المثال، منذ منتصف يوليو وصل 4,125 لاجئاً من جمهورية أفريقيا الوسطى إلى منطقة مويصالا جنوب تشاد، وفقاً لتقارير مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

الجدير بالذكر أن جمهورية أفريقيا الوسطى شهدت أزمة انسانية متنامية منذ استيلاء المتمردين على السلطة في مارس الماضي، وهذا ما جعل جميع السكان البالغ عددهم 4.6 مليون بحاجة إلى مساعدات.

وفي بيان موجز صدر عن مجلس الأمن في 14 أغسطس بشأن جمهورية أفريقيا الوسطى، قالت وكيلة الأمين العام ومنسقة الإغاثة الطارئة فاليري أموس: "خلال الأشهر الماضية، تدهورت الأوضاع الإنسانية بشكل كبير وتحولت من كونها أزمة فقر طويلة الأمد وضعف مزمن إلى حالة طوارئ معقدة تتسم بالعنف والاحتياجات الشديدة وقضايا الحماية الخطيرة."

كما حذرت من أنه "إذا لم يتم التصدي لتلك الأزمة بالقدر الكافي، فإنها تهدد بالانتشار خارج حدود جمهورية أفريقيا الوسطى وزيادة زعزعة استقرار منطقة تواجه بالفعل تحديات كبيرة."

وذكر قاسم أنه "إذا ازداد الموقف سوءاً في جمهورية أفريقيا الوسطى، فإنه قد يعني عودة المزيد من التشاديين أيضاً." ويُعتقد أن عدداً كبيراً من التشاديين يقيمون في جمهورية أفريقيا الوسطى لممارسة النشاط التجاري.

وأضاف قاسم أن "انعدام الأمن في جمهورية أفريقيا الوسطى تسبب في تدفق اللاجئين والعائدين على حد سواء، وخاصة في جنوب تشاد (مارو)... وهناك أيضاً تشاديون فروا من العنف في جمهورية أفريقيا الوسطى وعادوا إلى تيسي (منطقة سيلا) في شرق تشاد."

 

aw/cb-hk/ais