تحليل: مشكلة المساعدات في مالي

هناك القليل من البنية الأساسية الاقتصادية البادية للعيان على الطريق الذي يمتد لمسافة 635 كيلومتراً من العاصمة المالية باماكو إلى بلدة موبتي في وسط البلاد، حيث لا يوجد سوى بعض المطبات الصناعية ونقاط التفتيش التي يتجمع حولها الباعة المحليون لاستهداف السيارات عندما تبطئ سرعتها. وتنتشر في الأدغال يافطات الجهات المانحة الدولية التي يعلوها الصدأ ولافتاتها التي اختفت شعاراتها، والتي تعلن عن مشاريع تنموية أهملت منذ زمن بعيد أو لم تبدأ أساساً.

ويصعب التوفيق بين الفقر والاختلال الوظيفي في مالي ووصف النجاح التنموي قبل النزاع وقبل الانقلاب، وهو النجاح الذي تتبناه المنظمات المتعددة الأطراف والمنظمات غير الحكومية الدولية على حد سواء. فإلى أن تمت الاطاحة بالرئيس أمادو توماني توري في مارس 2012 كانت مالي الواقعة في غرب أفريقيا- والتي أشيد بها لاجتيازها سلسلة من التحولات الديمقراطية الناجحة منذ عام 1991- بمثابة الابن المدلل في مجتمع المساعدات الإنسانية.

ولكن البيانات تحكي قصة مختلفة، إذ يمكن القول، كأفضل تقدير، أن المساعدات التي حصلت عليها مالي كانت غير فعالة من المنظور الاقتصادي أو من منظور التنمية المؤسسية، حيث أدت إلى استشراء الفساد، وقوضت إرادة الحكومة وقدرها على زيادة الإيرادات من خلال الوسائل الإنتاجية أو فرض الضرائب، كما أدت هذه المساعدات إلى تحصين الحكومة من المساءلة أمام الشعب، وفقاً لما ذكره المحللون والمراقبون. وعلى أسوأ تقدير، أدت هذه الأوضاع بشكل مباشر إلى إشعال الصراع في الشمال وإلى أزمة سياسية في باماكو.

مال من أجل لا شيء

وتغد مالي واحدة من أكثر الدول فقراً في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، حيث تأتي في المركز 182 من بين 186 دولة، وفقاً لمؤشر التنمية البشرية لعام 2012. كما تأتي فيالمركز 34 من بين 45 دولة في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى من حيث الناتج المحلي الإجمالي (تعادل القوة الشرائية) للفرد لعام 2012 ، كما أن لديها معدل نمو سلبي حقيقي بالنسبة للناتج المحلي الإجمالي.

وعلى هذا النحو تعتمد الدولة بشكل كبير على المساعدات الأجنبية، حيث تشير تقديرات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لعام 2008 أن الجهات المانحة قدمت من 60 إلى 80 بالمائة من ميزانية الاستثمارات الخاصة لمالي.

وبالرغم من تحقيق مالي لمعدلات نمو كبيرة في الناتج المحلي الاجمالي بعد تسعينيات القرن الماضي، إلا أن فشل هذا النمو في تحسين نوعية حياة معظم الشعب المالي يشير إلى أنه كان على الأرجح نتيجة لخفض قيمة العملة ولصادرات الذهب وليس بسبب الإنتاج الاقتصادي الحقيقي، وفقاً لما ذكرته ورقة العمل الصادرة عن المعهد العالمي لبحوث الاقتصاد الإنمائي التابع لجامعة الأمم المتحدة.

فضلاً عن ذلك، تشير الأدلة القولية إلى أن المساعدات أصبحت نوعاً من نظام يديم نفسه بنفسه في مالي، حيث يستمر في خلق فرص عمل طالما استمر تدفق الدولارات، ولكن المساعدات تفشل في خلق الظروف المواتية لتحقيق نمو اقتصادي حقيقي، أو الحد من الفقر أو تحقيق التنمية المؤسسية.

وقال أحد المناصرين لحقوق الشباب في موبتي: "عندما غادرت المنظمات غير الحكومية، تعرضنا للضرر مرتين"، متحدثًا عن انسحاب الجهات المانحة بعد انقلاب عام 2012. وأضاف أنه "بالطبع كانت مشروعات المعونة هامة، ولكن آثار البطالة كانت أسوأ- حيث وصلت إلى 30 بالمائة من الشباب العاملين في المنظمات الإنسانية".

ولا يمكن أن نعزو تلك الظروف الاقتصادية إلى قادة الانقلاب العسكري أو متمردي الطوارق الانفصاليين أو حتى المليشيات الإسلامية. فالبلاد تقبع في قاع الهرم الإنمائي منذ فترة طويلة قبل الانقلاب العسكري عام 2012 وحتى قبل نشر مؤشر التنمية البشرية عام 1990.

أزمة ثقة

وقد استطاعت مالي أن تحقق نجاحاً محدوداً على الصعيد السياسي وعلى صعيد التنمية المؤسسية للقطاع العام.

وحققت البلاد أيضاً معدلات متوسطة في التصورات الشعبية لنزاهة القطاع العام من عام 2003 إلى عام 2011، وفي كل عام كانت أسوأ على الأقل من نصف باقي دول أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. والجدير بالذكر أن الارتفاع الأكبر والأوحد في ثقة الجمهور، بنسبة تحسن قدرها 21.4 بالمائة، جاءت بعد الانقلاب العسكري في عام 2012.

علاوة على ذلك، تأخرت مالي بدرجة كبيرة عن جيرانها في منطقة الساحل في كل دورة انتخابية منذ 1992 إلى 2007 من حيث إقبال الناخبين على كل من الانتخابات البرلمانية والرئاسية.

وطبقاً لاستطلاع الرأي العام في مالي في فبراير 2013، فإن السببين الأكثر تصوراً وذكراً للأزمات المختلفة للبلاد هما "عدم وجود إحساس بالوطنية بين القيادات وضعف الدولة" (بنسبة 31 بالمائة للسبب الأول و16 بالمائة للسبب الثاني). وكان 76 بالمائة ممن تم استطلاع آرائهم غير قادرين على ذكر أسماء ممثليهم السياسيين.

المعونة والمساءلة

ويقول المحللون أن توجيه المعونة من خلال حكومة في دولة تعاني من الفساد المستشري على جميع المستويات يؤدي إلى انحراف هيكل الحوافز للدولة، إذ يزيل الحاجة إلى أن تكون الحكومة مسؤولة أمام مستثمريها في الخارج وهم في هذه الحالة الجهات المانحة التي شاركت عن علم في الفساد. كما أنها تلغي داخلياً حاجة القطاع العام إلى تطوير المؤسسات الحاكمة الأساسية التي تمثل "الرابط الحيوي للمساءلة بين الدولة والمواطن،" طبقاً لماً ذكره المؤلف وخبير المساعدات جوناثان جليني. فمن دون تلك المساءلة يتم استبعاد المواطنين من العملية السياسية ويصبح لدى النخب الحرية في مصادرة أموال الدولة مما يخلق الظروف لفشل الدولة وحدوث النزاعات.

وأحد المظاهر المحلية لهذا النقص في المساءلة والرقابة هو تحويل موارد المعونة. وقال محمود شيباني وهو مدرس في مدرسة تمبكتو الثانوية: "لسنا فقراء بسبب نقص المساعدات ولكننا فقراء لأن المساعدات لا تصل إلى السكان المستهدفين".

والوضع صعب على نحو خاص في الشمال. فوفقاً لما ذكره رئيس إحدى المنظمات غير الحكومية المحلية في مالي التي عملت في الشمال طوال الأزمة وخلال سيطرة الإسلاميين، "يأخذ رئيس المجلس الإسلامي الأعلى نصيب الأسد من المساعدات في تمبكتو، ويأخذ العمدة نصيب الأسد في غاو أما في كيدال فيذهب هذا النصيب إلى زعماء قبائل الطوارق".

المساعدات والنزاع


لسنا فقراء بسبب نقص المساعدات ولكننا فقراء لأن المساعدات لا تصل إلى السكان المستهدفين
وقد كان هناك مواقف على المستوى الإقليمي والمحلي تسببت فيها أموال المساعدات بصورة واضحة في تأجيج الصراع العرقي في مالي.

وكان أحد الأمثلة البارزة على ذلك مشروع سيء الحظ تابع لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي بعد التمرد الذي حدث في تسعينيات القرن الماضي حيث تم تقديم ملايين الدولارات بهدف عملية نزع السلاح وتسريح المقاتلين السابقين وإعادة دمجهم ولكن تم إعطاء تلك الملايين بشكل غير متناسب إلى مجموعة اثنية واحدة وهي طوارق إفوغاس، حيث تم استخدامها بصورة مباشرة في شراء الولاءات وترسيخ السلطة على حساب منافسيهم في مجموعة اثنية مختلفة وهي طوارق أمغاد.

ويعتبر تتبع العلاقة السببية بين المساعدات والنزاع على مستوى كبير أمراً أكثر صعوبة ولكن العديد من الدراسات الدقيقة أكدت هذه الأدلة القولية من مالي.

وهناك جدل بأن المساعدات تسبب النزاعات في الدول التي تعاني من مستوى منخفض من التنمية المؤسسية ودرجة عالية من السلطة التنفيذية التي لا يوجد رقابة عليها. وهذا الجدل يثير المنافسة على "الايجارات"- أي الإيرادات غير الضريبية- بين النخب. وهذه هي مالي باختصار: سلطة تنفيذية غير متناسبة تعززها المساعدات الخارجية التي يتم توجيهها في المقام الأول من خلال ذلك الفرع من الحكومة على حساب المؤسسات الأخرى وهو ما يؤدي إلى اتساع الفجوة بين المواطنين والقيادة ويحرك التنافس على المال.

وبأخذهما معاً، فإن تلك البيانات تشير إلى أن مشكلات مالي متأصلة في مؤسساتها وتثبت المزيد مما أكده بالفعل بعض الباحثين وهو أن الانقلاب وتمرد الطوارق واختراق القاعدة وفساد الدولة كلها أعراض لنفس الخلل المؤسسي الأساسي. فلم يتغير أي شيء بشكل جذري لمعالجة أوجه القصور في المساءلة والرقابة، ومع ذلك من المنتظر أن يأتي أكثر من 4 مليارات دولار من المساعدات التنموية في نهاية المرحلة السياسية الانتقالية الحالية.

وفي هذه المرحلة الانتقالية الحرجة من التنمية في مالي، سيكون من الأفضل للمانحين المحتملين لمالي أن يقوموا بدراسة نماذج وأولويات جديدة لضمان فاعلية واستدامة وقيمة المشاريع الانمائية.

وبالتأكيد لا تأتي جميع المساعدات بنتائج عكسية وهذه البيانات لا تشير بأي حال من الأحوال إلى جميع جهود الإغاثة الإنسانية. فالاستجابة للكوارث في حالات الطوارئ التي تقوم بها المنظمات متعددة الأطراف والمنظمات غير الحكومية الدولية والمحلية كانت مهمة في التخفيف من حدة الأزمة الغذائية في منطقة الساحل في 2011-2012 على سبيل المثال. ولكن تطوير مؤسسات مالية قوية قادرة على أخذ زمام المبادرة بشأن تلك الاستجابة سيكون في نهاية المطاف المسار الأكثر فاعلية واستدامة نحو الازدهار.

fm/ew/ob/rz-hk/dvh