تحليل: مشكلة اللاجئين السوريين في المناطق الحضرية في شمال العراق

على قطعة أرض فضاء في شمال العراق بجانب صالون تجميل ومقابل فندق بشارع شورش المزدحم في أربيل، يجلس محمد حسن وزوجته وابنهما البالغ من العمر عامين على بساط أرجواني مجعد.

ويعلو رؤوسهم سقف مائل من الورق المقوى والأغطية، منسدل فوق عصي. ويوفر هذا السقف قليلاً من الظل في شمس الظهيرة الحارقة بينما تحمر وجوههم من لفحات الشمس.

يشير حسن، البالغ من العمر 24 عاماً، إلى زوج من العكازات المعدنية الملقاة على الأرض ثم يشمر السروال عن ساقه اليسرى ليكشف عن ندبة حمراء موضع  بتر ساقه.

وأوضح قائلاً: "لقد أصابتني قنبلة في حلب ... أجريت لي جراحة بتر هناك ثم قررنا الرحيل والقدوم إلى العراق. لم يبق هناك شيء، كما ساد البلاد الكثير من العنف".

وقد انضم حسن، الذي سافر مع أخيه وعائلته في مجموعة مكونة من 11 شخصاً، إلى 153,000 سوري ممن فروا عبر الحدود إلى إقليم كردستان شبه المستقل بشمال العراق.

وقد استقر العديد من الأشخاص في مخيم دوميز الذي يقع على بعد حوالي 60 كيلومتراً من الحدود.

 ولكن خلف أبواب مخيم دوميز، هناك ما يقدر بنحو 100,000 لاجئ سوري يعيشون في القرى والمدن، يقيم ثلثهم تقريباً في أربيل، عاصمة إقليم كردستان العراق.

وبعد مرور أكثر من عامين على اندلاع الأزمة السورية، تشهد تكلفة الإيجار في أربيل ارتفاعاً شديداً بسبب ازدياد الطلب من قبل اللاجئين والعاملين في مجال النفط من الأجانب، في الوقت الذي تشهد فيه المدخرات وفرص العمل تراجعاً. وتدفع هذه الأوضاع ببعض اللاجئين إلى الشوارع – مما يخلق مشكلة في المناطق الحضرية حيث تحذر المنظمات الإنسانية بضرورة الاستجابة العاجلة لهذه الأوضاع قبل أن تخرج عن نطاق السيطرة.

المخيم المكتظ

وعلى مقربة من مدينة دهوك، تم التخطيط في بادئ الأمر لإقامة مخيم دوميز لاستيعاب 25,000 شخص لكنه حالياً يأوي أكثر من 60,000، مما يجعل خدمات الصرف الصحي والخدمات الأخرى تصل حدودها القصوى.

ونظراً لظروف الزحام بمخيم دوميز، يقول حتى أولئك الذين يعانون من أحلك الظروف في أربيل إنهم لا يريدون العودة إلى المخيم مرة أخرى.

وتسمح حكومة إقليم كردستان، بطريقة ما، بحدوث ذلك من خلال تقديم تصاريح عمل وإقامة مدتها ستة أشهر وقابلة للتجديد إلى اللاجئين السوريين. وهذا من شأنه أن يمنح تصريحاً للوافدين الجدد للعمل، والحصول على خدمات الرعاية الصحية والتعليم الحكومية وحرية الحركة، بحيث يكون مسموحاً لهم قانوناً بالاستقرار في المجتمعات العادية.

ويُعد الكثير من السوريين الوافدين إلى كردستان من المهنيين، كما أن معظمهم قد عثر على عمل يُمكنّه من سداد تكاليف الإقامة، أو وجد مكان إقامة مع الأصدقاء والعائلة.

استجداء الفتات

لكن وفقاً للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، يوجد في أربيل وحدها نحو 650 أسرة تعاني شظف العيش وتسكن في مبان مشيدة تشييداً جزئياً أو في ملاجئ مؤقتة، ويتقاسم الكثير غيرها غرفاً في شقق صغيرة، ويتناوب أفرادها النوم على الأسّرة.

وقالت ويرا جوهر أحمد، مدير مركز الحماية وإعادة الإدماج (PARC)  في أربيل، الذي تديره المنظمة غير الحكومية السويدية (قنديل)، لكنه ممول، بصورة رئيسية، من المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين:" لدينا أناس يعيشون في منازل غير مكتملة، ليس بها أبواب أو جدران أو نوافذ أو أسقف، وأحياناً تسكن ثلاث عائلات في كل غرفة".

وأضافت قائلة: "إنهم يجمعون الغذاء الفاسد من خارج المحال التجارية ويتسولون بالمطاعم للحصول على الفتات. كما أنهم يتعرضون في بعض الأحيان للاستغلال من قبل الناس هنا الذين يوفرون لهم العمل ولكن بأجور متدنية للغاية."

وقد وجد شقيق حسن، الذي يقيم مع وزوجته وأطفاله الخمسة في مخيم مماثل من الأغطية المسدلة على العصي على بعد 100 متر، عملاً في موقع بناء. ولكن حسن، الذي كان أيضاً عاملاً في سوريا، يقول أنه لا يستطيع العمل بسبب ساقه.

ويعتمد حسن في الوقت الحالي على المساعدات الخيرية من المجتمعات المضيفة التي استجابت بسخاء بشكل عام للحملات التلفزيونية والإذاعية من خلال دعم اللاجئين بتقديم الطعام والفراش.

وأقر مسؤول بحكومة إقليم كردستان أن بعض اللاجئين في المناطق الحضرية قد يكونون عرضة للمخاطر بنفس القدر مثل في سوريا، لكنه قال أنه لايزال لديهم الحق نفسه في الحصول على المساعدة كغيرهم من اللاجئين الآخرين.

حلول مؤقتة لسد الفجوة

وكان من المفترض افتتاح مخيم جديد للاجئين خارج أربيل في مايو لاستيعاب لاجئين مثل حسن وعائلته، ولكن معوقات التمويل والتخطيط تعني أنه ليس من المحتمل أن يكون جاهزاً حتى شهر سبتمبر.

في هذه الأثناء، تقوم المفوضية، بالمشاركة مع منظمة قنديل، بتجميع قاعدة بيانات عن لاجئي المناطق الحضرية الأكثر ضعفاً الذين تتوفر لهم مساعدات نقدية لمرة واحدة تبلغ قيمتها 225 دولاراً (تُدفع على قسطين منفصلين).

وحتى الآن، تلقت 156 أسرة، من أصل 250 أسرة لاجئة في أربيل تصنف على أنها "الأكثر ضعفاً" بسبب الإعاقة الجسدية والأمراض المزمنة وغيرها من المشكلات، أموالاً للمساعدة في دفع تكاليف الرعاية الصحية وغيرها من الاحتياجات الأساسية.

واعترافاً منه أن هذه الإجراءات ليست سوى وسيلة مؤقتة لسد الفجوات، قال أحمد، التابع لمنظمة قنديل، لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "أنه أمر حاسم الأهمية أن تصل هذه الأسر إلى  المخيم في أقرب وقت ممكن حتى نتمكن من توفير الغذاء والمأوى والرعاية الصحية لها".

وأضاف قائلاً: "لدينا بالفعل مجموعات أخرى من النازحين داخلياً هنا، والكثير منهم من محافظة نينوى المتنازع عليها، كما أن هناك تصاعداً للتوترات القائمة مع المتسولين".

هل كردستان غنية بالنفط؟

ويلقي رزجار مصطفى، عمدة خبات، وهو الحي الذي سيتم إنشاء المخيم الجديد به، باللائمة على عدم توافر المال كسبب في تأخر افتتاح المخيم. وقال أن الحكومة المركزية في بغداد قد فشلت في دعم حكومة إقليم كردستان وأن تمويل الجهات المانحة الدولية كان أيضاً بطيئاً في الوصول.

وأضاف متنهداً: "هناك افتراض بأن كردستان غنية بالنفط وبالتالي غنية بالموارد وبأننا نستطيع توفير احتياجات اللاجئين بأنفسنا".

والجدير بالذكر أن اقتصاد كردستان آخذ في الازدهار، وذلك بفضل مجموعة من الاكتشافات النفطية الجديدة وتدفق الاستثمار الأجنبي، لكن صناعة النفط نفسها لم تحقق أرباحاً بعد لحكومة الإقليم في ظل النزاع المستمر منذ فترة طويلة مع الحكومة المركزية في بغداد على حقوق الايرادات. ويصل حجم الإنتاج الحالي للنفط بكردستان حوالي 200,000 برميل يومياً، وهو عُشر إنتاج نيجيريا.

وعلى هذا النحو، يقول مصطفى أن حكومة إقليم كردستان تحتاج إلى تمويل من الجهات المانحة مثل أي بلد آخر يتعامل مع آثار الأزمة السورية: "إن صوت حكومتنا ليس قوياً كصوت تركيا وغيرها من الدول الراسخة كما أننا لم نتلق الاستجابة نفسها كما تلقت أماكن أخرى".

وحتى 22 يوليو، تلقت العمليات الإنسانية في العراق 22 بالمائة من التمويل المطلوب، مقارنة بـ 22 بالمائة في مصر، و25 بالمائة في تركيا، و 36 بالمائة في لبنان و45 بالمائة في الأردن، وفقا لآخر تحديث في بيانات التمويل.

النهج الاستراتيجي

ولكن التمويل هو جزء واحد فقط من الصورة. فقد تعرضت كل من حكومة إقليم كردستان ومفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين لانتقادات حول استجابتهما لأزمة اللاجئين في المناطق الحضرية في العراق.

وفي تقرير نُشر الشهر الماضي، حذر المجلس النرويجي للاجئين من أنه على الرغم من أن كردستان العراق قد بدأت "بنهج ايجابي وقوي" لحماية ودمج اللاجئين السوريين، إلا أن الافتقار إلى التمويل والدعم السياسي والتقني كان يمثل "تحديات اقتصادية واجتماعية كبيرة".

وقالت سارة إلياسي، مستشار الحماية والدعوة بالمجلس النرويجي للاجئين، لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "لقد كانت الحكومة على استعداد تام لاستقبال هؤلاء اللاجئين ولكن ليس بالضرورة أن تكون قد تصورت أو فهمت الآثار والالتزامات التي قد تترتب ضمناً على ذلك".

وأضافت قائلة: "إنهم لم يعدوا العدة أو يخططوا لذلك وللأسف لم يتدخل المجتمع الدولي والمنظمات غير الحكومية الدولية لسد الفجوة وتوفير نهج استراتيجي".

تحديد أولويات اللاجئين في المناطق الحضرية

وأقر أحد موظفي المفوضية على حدة: "لم يكن يُنظر إلى اللاجئين في المناطق الحضرية على أنهم أولوية، على الرغم من أن عددهم قد فاق بكثير عدد المقيمين في المخيمات، ولكننا الآن نعمل سوياً على صياغة استراتيجية جديدة للمضي قدماً ومعالجة هذه القضايا".

وقال أورفاسي باتل، القائم بأعمال رئيس مكتب مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بشمال العراق: "بالتشاور مع السلطات الكردية، قمنا باستجابة مشتركة لأزمة اللاجئين الذين يعيشون في المخيمات  باعتبارهم أولوية إستراتيجية  ... مع ذلك، واعترافاً بحقيقة أن الاحتياجات في ازدياد وأن اللاجئين خارج المخيمات عرضة للمخاطر بنفس قدر أولئك الذين يعيشون في المخيمات، فقد بدأنا في تقديم مساعدة مباشرة بشكل متناسب لضمان استجابة متساوية".

إغلاق الحدود

وإلى حد كبير، تم فرض حظر منذ منتصف مايو على  النهر الرئيسي الذي يعتبر نقطة العبور إلى كردستان العراق في بيشكابور، وفقاً لمفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

من جانبه، نفى ديندار زيباري، كبير ممثلي وزارة الخارجية بحكومة إقليم كردستان، حظر العبور غير الرسمي بشكل تام لكنه أقر أنه قد تم تعزيز الإجراءات الأمنية.

وأضاف قائلاً: "ينبغي أن يتوافر دليل واضح؛ فهؤلاء الذين يعبرون الحدود بحاجة، إلى حد كبير، إلى الحماية والدعم".

من ناحية أخرى، تم إغلاق معبر القائم الحدودي لعدة أشهر حيث تسيطر عليه الحكومة المركزية ببغداد.

وقد أثار هذا الإغلاق موجة غضب الجماعات الحقوقية غير أن مسؤولي مخيم دوميز قد رحبوا بالأمر واستغلوا الوقت لاستكمال خطط توسعة المخيم التي لم تحظ بالاهتمام بسبب التدفق الهائل للاجئين يومياً.

ويقع المخيم الجديد، والمعروف باسم دارة شكران، على بعد حوالي 30 دقيقة بالسيارة شمال أربيل وستصل طاقته الاستيعابية مبدئياً إلى حوالي 10,000 فرداً على الرغم من أن التفاصيل النهائية مازالت قيد الإعداد.

وقد أصر العمدة مصطفى أنه لن يكون للمخيم أسوار وأن يهدف إلى توفير الخدمات الأساسية وليس احتواء اللاجئين. ولكن بعض اللاجئين في المناطق الحضرية قد يرغبون في البقاء فيه.

وقد حذر العاملون في المجتمعات المحلية أن هذا قد يضع صبر المجتمعات المضيفة على المحك الذين يتزايد امتعاضهم من ارتفاع نسبة التسول وغيرها من إجراءات التكيف الضارة مثل العمل بالدعارة.

أما شاردة زوجة شقيق حسن، وهي أم لخمسة أطفال أصغرهم يبلغ ثلاثة أشهر فقط، فقالت لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "إذا كان لدى زوجي عمل هنا في أربيل، فلن أذهب إلى المخيم".

lr/ha/cb-mez/dvh

 

"