تحليل: كيفية عكس موجة الراديكالية البوذية في جنوب شرق آسيا؟

يقول الخبراء أن الرهبان البوذيين ذوي النفوذ في ميانمار قد ساهموا في تفاقم التوتر القديم بين الطائفتين البوذية والمسلمة منذ اندلاع العنف بين المجموعتين في عام 2012.

وفي هذا الصدد، قال مايكل جرايسون، أستاذ الدراسات الدينية، والمحرر المشارك لدراسة بعنوان الحروب البوذية، وهي دراسة صدرت في عام 2010 تبحث في الجانب العنيف للبوذية في جنوب شرق آسيا، وكيف استخدمت المنظمات البوذية هناك الصور الدينية والخطب الحماسية لدعم الغزو العسكري: " الرهبان البوذيون في بورما ربما لم يبدؤوا العنف لكنهم ركبوا الموجة وبدؤوا في التحريض على المزيد من العنف".

على سبيل المثال، تأسست حركة "969" (يذكر أن رقم 969 ذو مغزى ودلالة في التعاليم البوذية)، في مطلع عام 2013 في ميانمار وهي عبارة عن حملة قومية ضد المسلمين تهدف إلى حماية الهوية البوذية البورمية. وقد استخدم زعماء الحركة ألفاظاً ازدرائية ضد المسلمين واتهموهم بمحاولة السيطرة على المجتمع البورمي سياسيا واقتصادياً.

ويرتدي مؤيدي الحركة ملصقات تحدد عضويتهم فيها، كما يتم تعليق تلك الملصقات أيضاً على المحلات التجارية والأكشاك المملوكة للبوذية بهدف تشجيع البوذيين على الشراء والبيع فيما بين البوذيين فقط، وإدانة أولئك الذين يشترون من المسلمين.
كما تصدح الاسطوانات المدمجة التي يتم تشغيلها في المطاعم والمحلات التجارية عبر البلاد بخطاب الكراهية، بما في ذلك خطب الراهب ذو النفوذ المعروف، يو-ويراثو، الذي أثار انتقادات دولية قوية بسبب خطبه المعادية للمسلمين، وذلك وفقاً للأنباء المحلية.

وقد اتهمت منظمة هيومان رايتس ووتش الحكومة بعدم القيام بما يلزم لوقف خطاب الكراهية الذي يبثه هو وسائر الرهبان البورميين.

وتعليقاً على هذا الموضوع، قال فيل روبرتسون، نائب المدير التنفيذي لمنظمة هيومان رايتس ووتش في جنوب شرق آسيا: "الحكومة لا تنفذ القاعدة القانونية الأساسية لمحاسبة المحرضين على العنف... فإذا كنت تحرض وتنخرط في أعمال العنف فينبغي أن تخضع للمساءلة، سواء كنت ترتدي رداء الرهبان البوذيين ذي اللون الزعفراني الأصفر أم لا".

ويرى جرايسون أنه في حين أن المُثُل العليا للنصوص الدينية البوذية تحض الناس على السلام والسلمية، لكن أوجه التباين بين الواقع والتعاليم "تزدهر بسهولة" في أوقات انعدام الأمن الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، مثلما هو الحال في مرحلة الانتقال الحالي للديمقراطية في ميانمار.

والرهبان هم بمثابة بوصلة أخلاقية رئيسية للمجتمع في "بوذية الثيرافادا"- التي تُمارس في دول جنوب شرق آسيا بما في ذلك ميانمار وسريلانكا وتايلاند وكمبوديا ولاوس. وقد امتد نفوذهم إلى الحياة السياسية في معظم هذه الدول، ما خلق تداخلاً بين الدين والهوية الوطنية.

ويرى المحللون أنه في المجتمعات غير المتجانسة عرقياً ودينياً كما الحال في ميانمار، يتزايد شعور السكان غير البوذيين بنفوذ الراديكالية البوذية وطغيانها. 
 
اضطهاد الدولة الراسخ للسكان غير البوذيين

وعلى الرغم من أن التركيبة السكانية لميانمار تضم أغلبية بوذية تصل إلى 90 بالمائة من إجمالي عدد السكان الذي يبلغ نحو 60 مليون نسمة، إلا أن حركة "969" قائمة على خوف الدولة من سيطرة المسلمين (الذين يشكلون نحو 5 بالمائة فقط من عدد السكان، ومعظمهم محرومون من حق التصويت وعديمو الجنسية) اعتقاداً بأنهم مصممون على نشر الإسلام وتدمير المجتمع البوذي.

وفي هذا الإطار، قال مارك جويرجينسمير، مدير مركز أورفاليا للدراسات الدولية والعالمية في جامعة سانتا باربارا بولاية كاليفورنيا، والخبير في قضايا العنف الديني، لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "حتى التقاليد الدينية الأكثر محبة للسلام قد تتداخل مع حركات الغضب الذي تحركها دوافع إثنية والسلطة السياسية ما يؤدي في نهاية المطاف إلى العنف".

وأوضح جويرجينسمير أنه "إذا كان الإسلام، التقليد الديني الذي يعني اسمه السلام، يمكن أن يكون مرتبطاً بالعنف [من قبل المتطرفين] فلا غرابة إذن في أن نجد بوذيين غاضبين يتحولون إلى العنف أيضاً".

ويعود تشابك الديانة البوذية مع الهوية الوطنية البورمية إلى وصول الحكم العسكري إلى الدولة في عام 1962، وما يزال الوضع كذلك رغم تولي حكومة شبه مدنية مقاليد السلطة في عام 2011.

إلى ذلك، قال ائتلاف أكسفورد بورما(OBA)، وهي جماعة حقوقية في جامعة أوكسفورد في لندن تعمل على تعزيز حقوق الأقليات العرقية في ميانمار، أن السياسة البورمية تشجع البوذية المتجانسة، أي الهوية البورمية من خلال اضطهاد الدولة لغير البوذيين القائم منذ أمد طويل.

ويفيد ائتلاف أكسفورد بورما بأن "الاضطهاد كان دائماً جزءاً من السياسة الوطنية لما يسمى بعملية "البرمنة"، وهي أيديولوجية قومية متطرفة تستند إلى النقاء العنصري للعرق البوذي والديانة البوذية".

وتاريخياً، لعب الرهبان دوراً سياسياً بارزاً في ميانمار، لعل أبرزها في المظاهرة السلمية في عام 2007 المعروفة باسم "ثورة الزعفران". حيث خرج عشرات آلاف الرهبان للتنديد بوحشية النظام العسكري، مما أسفر عن اعتقال الآلاف منهم.

مع ذلك، وبعد ست سنوات لم يعد هؤلاء الرهبان المتظاهرون يعظون الناس ويحضونهم على السلمية.

ويُشار هنا إلى أن العنف الذي يستهدف مجتمع الروهينجا (مسلمون من أصل هندي يعيشون في ولاية راخين قرب الحدود مع بنجلاديش) في شهري يونيو وأكتوبر من عام 2012، قد أدى إلى مقتل ما لا يقل عن 250 شخصاً وفصل نحو 140,000 من مسلمي الروهينجا في 90 مخيماً مغلقاً للنازحين داخلياً بالقرب من مدينة سيتوي، عاصمة ولاية راخين.  

عندما يقول الرهبان للناس أن العنف أمر جائز وأنهم سوف يثابون عليه [وفقاً لما يعرف بالكرما في البوذية]، فإنه يصبح قوة مؤثرة هائلة

وقد امتدت أعمال الشغب في مارس عام 2013 إلى مدينة ميختيلا التي تقع في وسط البلاد، وأدت إلى تدمير قرابة الـ 1,200 مسكن ومقتل 44 شخصاً على الأقل. وتُعد أعمال العنف الأخيرة أول شاهد على قيام الرهبان البورميين بالتحريض علناً على القتل الجماعي وتدمير الممتلكات.

وعلى الرغم من أنه قد تم الحكم على 25 بوذياً مؤخراً بأحكام بالسجن تصل إلى 15 عاماً على خلفية أعمال القتل التي استمرت يومين في ميختيلا، إلا أن هذه الأحكام قد جاءت بعد أسابيع من العقوبات التي وجهت بشكل حصري تقريباً للمسلمين على أعمال العنف التي تسببت في نزوح نحو 30,000 مسلم من المدينة.

استثناءات هامة في مبدأ السلمية

وعلى الرغم من أن الأهيمسا (ahimsa) أو اللاعنف، هي إحدى المبادئ الخمس الأساسية للتعاليم البوذية، إلا أن أثرها على حياة الشخص المستقبلية (في إشارة إلى معتقد بوذي آخر يُعرف بالتناسخ) ليس متساوياً بالنسبة للجميع بل يعتمد على نوع ارتكاب العنف ونية مرتكب الجريمة.

وقد استخدم الرهبان في ميانمار هذا الاعتقاد بغية تبرير تجريد المسلمين من الإنسانية، وتصنيف العنف ضدهم باعتباره نوعاً من أنواع الدفاع عن النفس، ما دام بالإمكان إثبات "حسن نوايا" الرهبان.

وحول هذه النقطة قال جرايسون: "في التقاليد البوذية، النية تُعد استثناءً من القاعدة عند ارتكاب العنف" وأضاف: "إذا اعتبر العنف وسيلة لحماية البوذية وكان لدى مرتكبه أفكاراً طاهرة تهدف لمساعدة البوذية أو الدفاع عنها، عندئذ يصبح مقبولاً".

لكن أعضاءً في الطائفة البوذية الدولية أدانوا ما أسمونه التلاعب بالاستثناء لتبرير العنف. وقال ريتشارد جومبريتش، مؤسس ومدير "مركز أوكسفورد" للدراسات البوذية، في إشارة إلى استمرار العنف ضد المسلمين في ميانمار وسريلانكا وجنوب تايلاند: "نشعر بالخجل الشديد من المعاملة المُروعة التي تتم تجاه المسلمين الآن في بعض الدول البوذية".  

وأضاف جومبريتش أن "البوذيين من الثيرافادا، خاصة قادتهم، يخونون قيم اللاعنف في البوذية، ناهيك عن اللطف والرحمة".
ويرى منتقدو التحريض على العنف في البوذية أن الرهبان يستغلون العداوة الراسخة بين البوذيين والمسلمين في وقت الاضطرابات الاجتماعية الشديدة.

ويرى جرايسون أن "المسلمين أصبحوا كبش فداء لتبديد خوف الناس وإحباطهم".

قوة مؤثرة هائلة

وقد فتحت ميانمار اقتصادها أمام الاستثمار الأجنبي منذ نوفمبر 2011 وزادت مساحة الحرية السياسية للمجموعات الإثنية المتباينة التي كانت تتعرض للقمع في السابق- مثل البوذيين في ولاية راخين- للتعبير عن آرائهم، وألغت قوانين الرقابة على الصحافة.

وكان البوذيون الذين يقطنون في ولاية راخين، التي تُعد ثاني أفقر ولاية في ميانمار، قد عانوا من التهميش على يد الحكومة المركزية التي عاملتهم كأقلية إثنية ومن ثم حاربوا لفترة طويلة من أجل الحصول على قدر أكبر من السلطة السياسية في الدولة التي تحكمها الأغلبية البورمية.

وعلى خلفية هذا التغيير الاقتصادي والسياسي، قال جرايسون، أستاذ الدراسات الدينية: "إن الناس يتطلعون إلى الرهبان لارشادهم وتوجيههم، الرهبان هم مثل الأنا الخارجية المتضخمة للمجتمع. وعندما يقول الرهبان للناس أن العنف أمر جائز وأنهم سوف يثابون عليه [وفقاً لما يعرف بالكرما في البوذية]، فإنه يصبح قوة مؤثرة هائلة".

المصالحة هدفاً صعب المنال

وبينما دعا الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون في بيان له في وقت سابق من هذا الشهر "الأصوات المعتدلة" من الزعماء الدينيين والمجتمع المدني لمقاومة التطرف وحالة "الاستقطاب الخطرة"، أشار روبرتسون من منظمة هيومان رايتس ووتش إلى أنه: "سيكون من الصعب على من يريدون وقف العنف الديني تحقيق هدفهم لأنهم سوف يسيرون في اتجاه مضاد لقادة المجتمع ورجال الدين".

ويجعل الدعم العام والسياسي القوي الذي يحظى به القادة والرهبان المتطرفين في حركة "969" من الصعب على أي بوذي الجهر برآيه. كما يزيد غياب السياسات الحكومية الرامية إلى تشجيع المصالحة المجتمعية من خطر عودة أعمال العنف.

في الوقت ذاته، تفيد المنظمة الدولية للاجئين، وهي منظمة في الولايات المتحدة تدعو لحماية حقوق النازحين، بأن حكومة ميانمار تواصل تجاهل السلوك المتشدد العنيف ضد المسلمين من خلال السماح لخطاب الكراهية بأن يفلت من العقاب، وفشلها في حماية طائفة الروهينجا خلال أعمال العنف التي اندلعت مؤخراً، واستمرار إلقاء القبض على الزعماء المسلمين بأعداد مبالغ فيها رداً على أعمال العنف الأخيرة.

وقد حذرت منظمة المؤتمر الإسلامي من أنه إذا لم تتم معالجة الأسباب الجذرية فضلاً عن شكاوى جميع السكان المتضررين على حد سواء، فقد يمتد العنف بين الطائفتين إلى الدول المجاورة التي تستضيف السكان البوذيين والمسلمين وسيشكل ذلك "تهديداً إضافياً" للأمن الإقليمي والاستقرار.

ولكن كل هذا يتطلب تحولاً في مساعي ميانمار لإنشاء هوية وطنية بوذية.

وختاماً، قال جرايسون أن "المصالحة تتطلب من الدولة وقف للعنف. ويجب التخلي عن الفكرة القائلة بأن كون الشخص بورمياً يعني بوذياً".

dm/pt/cb-kab/dvh

"