من وراء الكواليس: عملية إيواء اللاجئين "الأكثر تعقيداً" في العالم

قال كيليان كلينشميت وهو يستعد لبدء اجتماع أسبوعي لإدارة أكبر مخيم للاجئين السوريين في العالم: "لقد كان هذا الأسبوع سيئاً". 


لا يمر أسبوع بسهولة في مخيم الزعتري- الذي يبلغ عدد سكانه قرابة الـ 120,000 سوري- ويعد الآن خامس أكبر مركز للسكان في الأردن. لكن هذا الأسبوع انطوى على أعمال شغب أثناء توزيع المساعدات، أسفرت عن إصابة عدد من العاملين في مجال المعونة ونقلهم إلى المستشفى، وسرقة مراحيض، وحوادث طعن وضرب، وتدمير كامل لأحد خزانات المياه، ومحاولة تهريب الناس خارج المخيم (لا يسمح لهم بالمغادرة "ما لم يحصلوا على كفالة"). وعندما واجهتهم الشرطة، تحول بعض المهربين وبعض من أتباعهم إلى أعمال العنف، ما أدى إلى  إصابة اثنين من ضباط الشرطة الأردنية.


وعلى الرغم من أن هذه الأفعال لا تنطبق بأي حال من الأحوال على كافة سكان المخيم، إلا أن مجموعات صغيرة من "مثيري الشغب" قد خلقت تحديات كبيرة.


وقال كلينشميت لفريق من العاملين في مجال المعونة في ظهيرة أحد الأيام في شهر يونيو، عند اجتماعهم معاً في غرفة اجتماعات داخل أحد الكرافانات: "هذا هو الموقع الأكثر تعقيداً في العالم فيما يتعلق بإدارة شؤون اللاجئين". 


خارج الملاذ النسبي للاجئين المتمثل في كرافانات جاهزة، تلفح الشمس القاسية المنطقة الصحراوية المتربة.


وقد تم بناء مخيم الزعتري في غضون أيام عندما بدأ اللاجئون يتدفقون عبر الحدود السورية-الأردنية الصيف الماضي. وفي ظل حالة الفوضى، لم يجد العاملون في مجال المعونة الوقت الكافي للاعتناء بأنفسهم. فحتى وقت قريب، لم يكن يتوفر لديهم سوى مجموعة واحدة فقط من مراحيض القرفصاء القذرة التي يغطيها البراز، وتنبعث منها رائحة سيئة وتضج بالذباب، ولا توجد بها مياه جارية.  


وخلال الأشهر الثلاثة الماضية، ومع تحسن الظروف في المخيم، تحسنت أيضاً الظروف بالنسبة للموظفين- بما في ذلك توفير كافتيريا جديدة تقوم ببيع الهامبرغر والكباب.


غير أن الظروف القاسية المتمثلة في ارتفاع درجات الحرارة، وساعات العمل الطويلة، والإجهاد في المخيم  قد أدت إلى حالة "إنهاك كبيرة"، ومن ثم قادت إلى ارتفاع معدل ترك بعض الموظفين الدوليين لوظائفهم هناك. فالعاملون في فترة النهار يغادرون مسكنهم في العاصمة عمان في الساعة 07:30 صباحاً ولا يعودون في بعض الأحيان إلا في الساعة الثامنة مساء، حيث يقطعون حوالي ثلاث ساعات سفر في اليوم.


 



وتعمل مجموعة أخرى من الموظفين خلال الليل. وبعد غروب الشمس، يدخلون المخيم، يحتسون الشاي في أكواب بلاستيكية رقيقة في انتظار وصول اللاجئين الجدد القادمين من الحدود مباشرة. وتحت ضوء القمر، يقومون بتسجيل الأسر وتلقيح الرضع وتوزيع البطانيات والاستماع إلى مئات القصص المروعة، التي "تجعلني في بعض الأحيان أرغب في ترك العمل"، بسبب الكآبة، بحسب ما قاله أحد عمال الإغاثة. وتعود مجموعة الموظفين الذين يعملون خلال الليل إلى عمان قبل طلوع الشمس.


وقال أحد العاملين في مجال الإغاثة مع الأطفال: "الأمر مرهق ليس للعاملين في مجال الإغاثة فقط بل لأسرهم أيضاً".


جرس إنذار


وفي الحادث الذي وقع هذا الأسبوع على وجه التحديد، تجمع نحو ألف لاجئ خلال توزيع المساعدات، حيث قام بعضهم بالصعود إلى سطح منطقة الانتظار. وفي غضون دقائق، تعرض عمال الإغاثة إلى "وابل من الحجارة". ورغم أن الشرطة تدخلت بشكل أسرع من المعتاد، وأطلقت الغاز المسيل للدموع، إلا أن عمال الإغاثة تعرضوا مرة أخرى للخطر.  


 


"في مخيم الزعتري، لا يمر يوم دون حدوث مشكلة. كل يوم. وبالتالي كل ما يمكنك القيام به هو الحد من الأضرار. هذه هي مهمتنا طوال الوقت"

وقال كلينشميت: "لقد كانت بمثابة جرس إنذار حقيقي، مرة أخرى، إذ أوضحت مدى سرعة تطور مثل هذا الأمر، وكيف يمكن أن يتحول عدد كبير من الناس إلى العنف الشديد".


وقد بدأت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين تطبيق تدابير أمنية أفضل، بما في ذلك أسوار معززة وإجراءات خاصة بالدخول والخروج من منطقة تسجيل اللاجئين "والمخيم الأساسي" حيث أقامت وكالات المعونة مكاتبها.  


وتسعى مفوضية الأمم المتحدة للاجئين مع الحكومة إلى تطبيق القانون والنظام في مخيم الزعتري من خلال تقسيم المخيم إلى 12 منطقة، يتم تشغيل كل منها بواسطة إدارة لا مركزية. كما تأمل أيضاً في تخفيف الازدحام في القسم الغربي من المخيم، وتعزيز السيطرة على محيط المخيم، وتطبيق نظام تحديد الهوية البيولوجية بحيث يتم ربط كل لاجئ بعنوان جغرافي في المخيم، وكذلك تحسين أداء الشرطة، بما في ذلك تسيير دوريات ليلية.


ولكن أفضل ما قد يحد من وقوع أعمال العنف، حسبما يرى كلينشميت، هو تعزيز الحوار مع اللاجئين. فالسبب الحقيقي وراء العديد من أعمال الشغب التي وقعت في المخيم هي انتشار معلومات زائفة حول المساعدات التي تعتزم الوكالات تقديمها، وبالتالي يمكن تجنب مثل هذا الأمر.  


ويرى بعض العاملين في الإغاثة بالمخيم، أن أحد أسباب المشكلة هي عدم إشراك اللاجئين في تطوير المشروع منذ البداية. فقد ركزت عملية المعونة على توفير الاحتياجات العاجلة للاجئين فقط وذلك نظراً لكثرة المهام التي كان يتعين انجازها ونقص التمويل في المراحل الأولى.


وقال إيريس بلوم، نائب مدير المخيم: "لم نعط الأولوية اللازمة لحشد وتعبئة المجتمع المحلي. وهو ما نعمل الآن على تحسينه".  


فعلى سبيل المثال، تأمل المفوضية في إشراك ممثلي المجتمع المحلي في الإجراءات الوقائية لحفظ الأمن في المخيم. 


ولكن ليس من السهل فهم موازين القوى في المخيم. بينما يقول اللاجئون أنهم انتخبوا ممثلين من مجتمعاتهم، يقول عمال الإغاثة أن هناك عدداً من الأشخاص الذين نصبوا أنفسهم "قادة" في كل شارع، والذين لا يمررون بالضرورة المعلومات إلى بقية المجتمع.


وأضاف بلوم: "اللاجئون ليسو كياناً موحداً غير منقسم بل لديهم اختلافاتهم مثلما هو الحال في كل مجتمع".


نزاعات الكرافانات


وإحدى مجالات النزاع والاحتكاك بين اللاجئين هي توزيع "الكرافانات" (المقطورات الجاهزة التي تبرعت بها دول خليجية)، وهي أكثر قوة من الخيام وأقل عرضة للحرارة والمطر والغبار. وحتى الآن، تم تسليم تلك الكرافانات لقرابة نصف سكان المخيم، ولا تزال عملية التوزيع مستمرة.  


وفي هذا الصدد، قال أحد اللاجئين، الذي كان ينتظر لنحو شهرين الحصول على كرفان لأسرته، لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أنه شاهد قادمين جدد إلى المخيم يحصلون على كرافانات قبله: "هذا هو السبب في إصابة الناس بالإحباط. إذا كانت هناك أدوار مُنظمة، فلن ينزعج أحد".


ولكن عمال الإغاثة يقولون أن الكثير من عدم الإنصاف يتأتى من شراء وبيع الكرافانات بين اللاجئين أنفسهم. وفي حين أن بعض الأسر لا تمتلك كرفاناً واحداً، يوجد لدى بعض الأسر اثنان أو ثلاثة. (تأمل المفوضية وقف هذه "التجاوزات"، مع تحسن الإدارة والأمن). 


وتضع سيولة الحركة في المخيم مجموعة أخرى من التحديات. فالشخص الذي قد تجده اليوم قد لا تجده في اليوم التالي، ذلك أن بعض الأسر تأخذ خيامها ومنازلها المتنقلة وتضعها في مكان آخر. ومن ثم يضطر عمال الإغاثة إلى الاعتماد على صور الأقمار الصناعية لتكوين صورة كاملة عن الوضع.


وقال أندرو هاربر، ممثل المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في الأردن أن مخيم اللاجئين هو أشبه بمكعب روبيك. هناك خطة منظمة تنظيماً جيداً، حيث يتم وضع كل شيء في مكانه: "ولكن عندما يبدأ الناس في العبث بما حولهم، يصبح الوضع صعباً... فهناك حدود لما يمكننا السيطرة عليه".


ويأمل كلينشميت في أن يساهم إشراك قادة المجتمع المحلي في هذه العملية، في أن يصبحوا أكثر استعداداً لتحمل المسؤولية فيما يتعلق ببعض المشاكل في المخيم. وتقول المفوضية أن تحسين الحوار قد أسهم بالفعل في تقليص الاضطرابات وأعمال الشغب إلى حد كبير.


نظرة شاملة على الصراع


ولكن التحديات في مخيم الزعتري ليست إلا مجرد جزء من عملية المعونة المعقدة في الأردن، إذ يعيش ثلاثة أرباع اللاجئين السوريين في الأردن خارج المخيم. وبالتالي لدى عمال الإغاثة في العاصمة عمان، مجموعة كاملة من الضغوط الأخرى. 


وفي الجزء الخلفي لمقر المفوضية الذي يتكون من أربعة طوابق تعج بالنشاط، يدير هاربر جزءاً من ما تُعد الآن أكبر أزمة للاجئين في تاريخ الشرق الأوسط. خلال النهار، يهرول من اجتماع إلى آخر لحل المشكلات، وفي الليل، يتابع الأب لثلاثة أطفال الأخبار ووسائل التواصل الاجتماعي، كل شيء من أحدث أعمال القصف إلى فتح ممرات الهروب.  


 



وعن ذلك قال: " أشاهد دائماً ما يجري. فما يحدث في جنوب سوريا سوف يؤثر على الأعداد التي ستأتي عبر تلك الليلة. لذا يجب أن أكون على اطلاع بالمعارك التي تجري في سوريا".


وهناك حسابات أخرى. ماذا سيحدث إذا تدهورت الحالة في الدول المضيفة الأخرى، مثل لبنان؟ أين سيذهب اللاجئون؟  


وأضاف هاربر قائلاً: "يجب علينا دراسة السيناريو كله، ثم نبدأ في دراسة عدد الناس المتوقع استقبالهم ... إذا نظرنا إلى العدد المحتمل، فإنه مخيف حقاً". 


يُقلّب صفحات تحتوي على رسوم بيانية تظهر الزيادة المطردة في عدد اللاجئين الذين دخلوا الأردن. في مايو 2012، كان عدد السوريين المسجلين لدى المفوضية 20,000 شخصاً. وبحلول فبراير عام 2013، وصل العدد إلى أكثر من 500,000 شخص. وتشير التوقعات التي يتم استنتاجها من خلال دراسة الاتجاهات الحالية إلى أعداد "كبيرة للغاية". 


وقال مازحاً: "لحسن الحظ أنني لم أكن أعرف عندئذ ما أعرفه الآن. كنت سأطلب إجازة!"


ومسؤولو الحكومة الأردنية الذين يعملون في الملف السوري لديهم قصص مشابهة، إذ يقولون أنهم نادراً ما يستطيعون أخذ يوم راحة لرؤية أطفالهم، وهواتفهم لا تتوقف عن الرنين.  


يتصل أحد الصحفيين بمسؤول حكومي للاستفسار عن أعمال شغب مزعومة في مخيم الزعتري.  يجيب عليه المسؤول وهو غير منزعج بالأمر قائلاً: "استمع لي يا أخي. الاحتجاجات أصبحت أمراً روتينياً تقريباً".


ويلخص أحد العاملين في الإغاثة الوضع كما يلي: "في الزعتري، لا يمر يوم دون حدوث مشكلة. كل يوم. وبالتالي كل ما يمكنك القيام به هو الحد من الأضرار. هذه هي مهمتنا طوال الوقت".


 ha/cb-kab/dvh