تحليل: ولاية راخين - حيث يمكن أن تكون للمعونة آثار ضارة

يتوجب على مجتمع المساعدات الإنسانية المضي قدماً بحذر وعناية لتجنب تأجيج التوترات الطائفية في ولاية راخين بميانمار عقب مرور أكثر من عام على الموجة الأولى من العنف الطائفي.

وقال جيرمي لابيه، المحلل المختص بالسياسات الإنسانية في المعهد الدولي للسلام ومقره نيويورك أن "التحدي الأكبر الذي تواجهه مجموعات المساعدات الإنسانية للعمل في سياقات العنف الطائفي هو أن ينظر إليها على أنها توفر المساعدات بأسلوب منحاز."

ومنذ اندلاع القتال الطائفي بين عرقية الراخين (ومعظمهم من البوذيين) والروهينجا (وغالبيتهم من المسلمين) في يونيو وأكتوبر 2012، والذي أدى إلى نزوح ما يصل إلى 140,000 شخص، بلغ إجمالي المساعدات الإنسانية التي حصلت عليها ولاية راخين أكثر من 52 مليون دولار، وفقاً لدائرة المساعدات الإنسانية التابعة للمفوضية الأوروبية (إيكو).

بينما أخبر أوليفر ليسي هول، القائم بأعمال رئيس مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) في ميانمار، شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن "على المنظمات الإنسانية العاملة في ولاية راخين تبني نهج لتقديم المساعدات يراعي ظروف النزاع بحيث لا يؤجج التوترات الموجودة بالفعل بين المجتمعات".

وفي العقود الأخيرة، تم توجيه المساعدات الإنسانية للروهينجا في ولاية راخين الغربية الذين عانوا من التمييز المنهجي الذي أقرته الدولة ونجم عنه ما يقرب من 800,000 شخص من عديمي الجنسية، وفقاً للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. وقد أسفر هذا التركيز عن نمو العداء بين بعض البوذيين الذين  يشكلون أغلبية السكان (عرقية الراخين)، إذ شعروا أنهم مهمشون ومهددون من قبل من يعتبرونهم مهاجرين غير شرعيين.

وفي هذه الأثناء، يشكل الفصل بين مسلمي الروهينجا في ما يقرب من 90 مخيماً وموقعاً رسمياً للنازحين داخلياً مخاطر ترسيخ التفرقة بين المجتمعين، وفقاً للمخاوف التي أبدتها لدائرة المساعدات الإنسانية التابعة للمفوضية الأوروبية (إيكو)، والتي أعربت عن قلقها من أن بناء أية مساكن داخل مخيمات النازحين قد يؤدي إلى انقسام مادي على المدى الطويل.

حساسية الصراع

وعلى الرغم من أن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) يشجع مقدمي المساعدات الإنسانية على اعتماد نهج "يراعي ظروف النزاع" في تقديم المساعدة، وهو الأمر الذي يتطلب الاتصال الواضح بالمجتمعات المحلية لشرح الأساس الذي يتم على أساسه توزيع المساعدات، إلا أن التدخلات الإنسانية الماضية في ولاية راخين قد أسهمت في نشوء علاقة مضطربة بين مقدمي المساعدات وعرقية الراخين.

وقالت أنغا نيلكانتان، نائب مدير برنامج آسيا التابع للمجموعة الدولية للأزمات  (ICG)متحدثة من كاتماندو في نيبال أنه "من دون مخاطبة الاعتقاد السائد بين سكان راخين أن المساعدة قد تم تقديمها على نحو غير عادل إلى الروهينجا، فسيكون من الصعب على المنظمات الإنسانية التخفيف من حدة التوتر".

من ناحيته، قال لابيه أنه يتوجب على الوكالات الإنسانية "إتباع نهج متوازن" والسعي للوصول إلى كافة المجتمعات المتضررة كي تبدو محايدة وغير منحازة.

وعلى الرغم من أن معظم وكالات المساعدات الإنسانية تساعد كل من عرقية الراخين والروهينجا دون تمييز، إلا أن الروهينجا قد عانوا بصورة متباينة من آثار النزاعات الطائفية بين المجتمعات التي حدثت مؤخراً.

وقد عاد معظم النازحين سابقاً والبالغ عددهم ألفي شخص من عرقية الراخين إلى مسقط رأسهم الأصلي، وذلك بمساندة الحكومة المركزية والمحلية، وفقاً لدائرة المساعدات الإنسانية التابعة للمفوضية الأوروبية (إيكو).

وأوضح لابيه أن "التمسك بمبدأ الحياد [وتقديم المساعدات على أساس الحاجة إليها] يعني أن الجزء الأكبر من المساعدات موجه نحو المجموعة التي عانت أشد المعاناة خلال أعمال العنف، وتواجه الآن الاحتياجات الأكبر، وفي هذه الحالة تكون هذه المجموعة هي الروهينجا المسلمة".

ولكن هذا يعني أيضاً أن المساعدات تشكل خطر تفاقم التوتر الطائفي، فضلاً عن انعدام الأمن بالنسبة للعاملين في مجال المساعدات الإنسانية في الميدان.

وأضاف لابيه أن "الأمر متروك للمنظمات الإنسانية فيما يتعلق بمضاعفة الجهود للتفسير والتواصل مع جميع قطاعات السكان حول أسباب توزيع المساعدات بطريقة معينة، وكيف يتم ذلك – من أجل التخفيف من الآثار السلبية المحتملة لذلك."

أعمال التشييد في المخيمات تسبب الخلاف والشقاق

وعلى الرغم أن النازحين داخلياً لازالوا يفتقرون إلى الغذاء والمسكن، والرعاية الصحية الكافية والملائمة، إلا أن التركيز على تلك الاحتياجات الفورية فقط دون معالجة المخاوف السياسية الأوسع نطاقاً قد يؤدي لإقامة مخيمات مقيدة لحركة النازحين  داخلياً مما يعرقل سبل كسب العيش وحرية التنقل وفي نهاية المطاف، يمنع التوافق، وفقاً لما صرح به النشطاء.

وأفادت منظمة هيومان رايتس ووتش أن الوضع الحالي  القائم على احتجاز الروهينجا من قبل قوات الأمن المحلية في المخيمات الرسمية وغير الرسمية – لا يمكن الدفاع عنه في ضوء عملية إرساء السلام في ولاية راخين.

وأوضح فيل روبرتسون، نائب مدير هيومان رايتس ووتش لمنطقة آسيا أن "الوضع الذي تبلور، في ظل غياب حرية الحركة والتنقل للنازحين داخلياً من الروهينجا، يمشي وفقاً لخطة المتطرفين من الراخين؛ وهي الدفع بأحد المجتمعات خارج مكان ما  واحتوائهم في المخيمات".

وقال ماثياس إيك، مسؤول المعلومات الإقليمي في دائرة المساعدات الإنسانية التابعة للمفوضية الأوروبية لمنطقة جنوب شرق آسيا، التي تعهدت بتمويل ما يصل إلى 19 مليون دولار في 2012 و2013 من المساعدات الإنسانية، بما في ذلك توفير الغذاء وسبل العيش والمستلزمات المنزلية ودعم الرعاية الصحية للنازحين داخلياً في ولاية راخين أن "الخطر يكمن في أن تمويل ملاجئ مؤقتة أو شبه دائمة في مخيمات النازحين داخلياً من الروهينجا قد يسهم في جعل التقسيم العرقي/الديني أمراً دائماً".

وأضاف أن "مشكلتنا ليست مع الملاجئ بحد ذاتها، وإنما في دعم تشييد ملاجئ داخل المخيمات، الذي قد يؤدي إلى فصل دائم بين الطوائف والمجتمعات ... نحن نفضل أن نشهد عودة هؤلاء النازحين طوعاً إلى قراهم ومدنهم حيث يمكننا تقديم المساعدة لهم لإعادة بنائها. أما احتياجات المأوى في المخيمات فيجب أن تحقق التوازن مع المبدأ الإنساني القائل"لا ضرر ولا ضرار".

وتمتلك منظمة غير حكومية مقرها الولايات المتحدة، تسمى مشروعات التعلم التعاوني (العمل التعاوني من أجل التنمية سابقاً) وحدة تدريب تفحص كيفية تفاعل المساعدات التي تقدم أثناء الصراعات مع الصراعات. 

"عندما يفهم العاملون في مجال المساعدات الإنسانية الأنماط التي يمكن أن تجعل للمساعدة آثاراً ضارة، والفرص التي يمكن أن تترك آثاراً إيجابية إضافية في التغلب على الصراعات، يمكنهم  عندها أن ... يتجنبوا التسبب بالضرر الذي كانوا أحياناً يتسببون به في الماضي، والمساعدة على إعادة الربط والوصل بين الناس بدلاً من تقسيمهم،" طبقاً لما سجله موظفو المشروع.

ولكن الفصل الطويل الأجل في ولاية راخين قد يجعل مهمة معالجة التوترات التاريخية بين المجتمعين أكثر صعوبة، وفقاً لنيلكانتان، من مجموعة الأزمات الدولية.

ومنذ يناير 2013، تقوم السلطات المحلية في راخين والحكومة المركزية بتوفير مواد الخيزران للمنازل في 89 مخيماً  ومستوطنة للنازحين من الروهينجا. ويستخدم الخيزران لبناء هياكل مماثلة لثكنات الإيواء من أجل توفير الإقامة لما يصل إلى ثماني أسر في كل مبنى.

ومع موسم الأمطار المستمر من مايو إلى سبتمبر، أدرجت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ومكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) المأوى باعتباره حاجة ملحة ونظمت حملة من أجل توفير 2.5 مليون دولار في أبريل 2013، والتي تمت تغطية متطلباتها منذ ذلك الحين من قبل حكومة ميانمار.

الحكومة تحتاج لبذل المزيد من الجهد

وفي حين أن تبني نهج يراعي ظروف النزاع قد يساعد على تجنب العداء المتبادل بين الطائفتين، إلا أنه في نهاية المطاف ستقع مسؤولية معالجة الاضطرابات وتعزيز السلام على عاتق الحكومة، كما يرى المدافعون عن حقوق الإنسان.

وقال روبرتسون أن "هناك حدوداً لما يمكن لمقدمي المساعدات الإنسانية أن يفعلوه لتهدئة الصراع والقلاقل".

ويقول الخبراء أن الفقر والتهميش والقوانين التي تحض على التمييز تعد أسباباً جوهرية للشكاوى والمظالم المتأصلة، والتي تتطلب اعترافاً سياسياً من قبل الحكومة وحمايتها لحقوق الإنسان لكلا المجموعتين، كمنح الجنسية لمسلمي الروهينجا على سبيل المثال.

وقال روبرتسون: "إنها مسؤولية الحكومة البورمية للوصول إلى الأسباب الجذرية للاضطرابات، ولكنهم حتى الآن لم يتخذوا إجراءات كافية لتعزيز التوافق ومواجهة المحرضين على العنف والاضطرابات والقضاء عليهم."

وبينما شكلت الحكومة لجنة للتحقيق في أحداث العنف الطائفي بولاية راخين في 2012، وتم نشر تقرير بتوصيات مفصلة في إبريل 2013، لكن لا بد من اتخاذ إجراءات ملموسة لوقف خطاب التطرف والعنف، وفقاً لمنظمة هيومان رايتس ووتش ومجموعة الأزمات الدولية.

كما صرحت مجموعة الأزمات الدولية في نوفمبر 2012 أنه لا بد أن يلعب كل من الرئيس تاين زين و[زعيم المعارضة] أونغ سان سوكيي دوراً حاسماً لمنع انتشار العنف، وهي حاجة لم تتغير إلى حد كبير في الوقت الحالي.

وأضاف ليسي هول من مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) أنه "يجب على الحكومة السعي جاهدة لإيجاد حلول للصراع. كما على قيادات المجتمع والرموز الدينية أن تلعب دوراً رئيسياً في تهدئة التوتر وتعزيز السلام".

 dm/pt/cb-mez/dvh

"