وضع معايير العمل في المجال الإنساني

مر المجتمع الإنساني بفترة من حساب الذات في السنوات الأخيرة، بعد الفشل في حماية ضحايا الإبادة الجماعية في رواندا، والفوضى التي نتجت عن عدم التنسيق بعد كارثة تسونامي في آسيا عام 2004، وفضائح الجنس مقابل الغذاء في غرب أفريقيا. مع ذلك، فإن المحاولات المبذولة لوضع معايير عالمية واعتماد المنظمات الإنسانية كانت غير متناسقة ومثيرة للجدل.

وقد شارك الممارسون في منتدى المعايير الإنسانية في جنيف الأسبوع الماضي لتقييم حالة المساءلة الإنسانية ورسم مسار المضي قدماً، حيث ناقش ما يقرب من 200 شخص من ممثلي المنظمات الإنسانية الكبرى ما إذا كانت المعايير وعمليات الاعتماد المتفق عليها ستنجح في تحسين فعالية تقديم المساعدات وكيفية تحقيق ذلك.

خلق معايير عالمية

وقال ماثيو كارتر رئيس الفريق التوجيهي لمبادرة المعايير المشتركة (JSI)، التي أطلقتها شراكة المساءلة الإنسانية (HAP) ومنظمة العون الإنساني (People in Aid) ومشروع اسفير، أن معايير مختلفة تنتشر بين الوكالات.

وأضاف قائلاً: "على مدى السنوات الـ 20 الماضية، أصبح القطاع الإنساني مؤسسة تبلغ قيمة معاملاتها عدة مليارات من الدولارات. وفي حين شهدت السنوات الأولى من تسعينيات القرن الماضي غياب المعايير، قد يمثل الوضع الراهن مشكلة عكسية، في ظل وجود أكثر من مائة مبادرة تقترح معايير الآن في القطاع الإنساني. وقد واجه العاملون الميدانيون ذوو الخبرة وغيرهم تحدياً عند الجمع بين عدة معايير وتنفيذها بطريقة متكاملة وفعالة وتتميز بالكفاءة".

وقد بدأت مبادرة المعايير المشتركة بمواءمة معايير المنظمات الأعضاء الثلاثة. وقال كارتر أنهم يخططون لتطوير معيار إنساني أساسي جديد في الفترة من الآن وحتى شهر يوليو القادم يضم مقاييس ومؤشرات واضحة، وكذلك توجيهات بشأن كيفية تطبيق الأدوات والنشر والتدريب. والجدير بالذكر أن المعيار الأساسي خضع للمناقشة في المنتدى الذي عقد في جنيف.

وتجدر الإشارة إلى أن معايير اسفير هي الأكثر شهرة واستخداماً في الوقت الراهن، ودليل اسفير عبارة عن مجلد ضخم يغطي كل شيء من المبادئ العامة للمساعدات الإنسانية إلى التفاصيل الجوهرية لأعمال الإغاثة اليومية - بما في ذلك الحد الأدنى لحصة الفرد الواحد من المياه (من 7.5 إلى 15 لتراً يومياً) وعدد المراحيض التي يتعين بناؤها في كل مخيم (واحد لكل 20 شخصاً).

وتشمل معايير اسفير التزامات تتعلق بالمساءلة أمام كل من المانحين والمستفيدين. ويقول الدليل: "نحن نلتزم بالعمل في شراكة مع الفئات السكانية المتضررة، والتركيز على مشاركتها في أعمال الاستجابة مشاركة نشطة. كما أننا نسلم بحتمية مسؤوليتنا بشكل أساسي تجاه أولئك الذين نساعدهم".

هل تؤدي آليات المساءلة إلى تحسين المعونة؟

وقد تبنت منظمات إنسانية عديدة مفهوم تحسين المساءلة، ولكنها كانت أقل وضوحاً حول ما إذا كانت المعايير وآليات المساءلة تؤدي إلى تحسين جودة المعونة على أرض الواقع.

وقد أثارت وندي فنتون، منسقة شبكة الممارسة الإنسانية في معهد التنمية الخارجية (ODI)، هذه المسألة في اجتماع عقد في لندن الأسبوع قبل الماضي لمناقشة تحسين العمل الإنساني.

وقالت فنتون: "يبدو أن التركيز على معايير وآليات المساءلة له تأثير ضار على جودة البرامج الإنسانية في بعض الأحيان، لأن الناس يهتمون كثيراً بالتركيز على تلك المعايير والوفاء بها وبالتالي تغيب عنهم الصورة الكاملة. ولا أعرف إذا كنا قد أثبتنا حقاً العلاقة بين الوفاء بتلك المعايير وتحسين جودة الاستجابة".

وقد جرت محاولات في الآونة الأخيرة فقط لتقييم ما إذا كانت هذه التدابير تحسن تقديم المساعدات. 


 لا نريد أن ينظر إلينا باعتبارنا متجر مغلق، بل نريد إتاحة الفرصة لمبادرات جديدة وحديثة

وكان استشاري البحوث أندي فيذرستون قد أكمل مؤخراً دراسة حول فعالية المشاورات والمشاركة المجتمعية، التي تعد جزءاً أساسياً من العديد من آليات المساءلة. ولأنه لم يتمكن من العثور على حالات غابت عنها المشاورات المجتمعية تماماً، قام بمقارنة الأماكن التي ترسخت فيها آليات المساءلة والأماكن التي شهدت ظهور تلك الآليات في الآونة الأخيرة.

وأثناء دراسته لمجموعات تتلقى مساعدات من مشروعات المعونة المسيحية في كينيا والمجتمعات المحلية التي تتلقى مساعدات من منظمة إنقاذ الطفولة البريطانية في ميانمار، لم يجد فيذرستون سوى أدلة قليلة تشير إلى أن هذه الآليات أدت إلى تحسين المعونة بالفعل.

وفي الأماكن التي تترسخ فيها آليات المساءلة، تمكن المستفيدون من تقديم المشورة بشأن تحسين استهداف المساعدة، وأرخص وأفضل الأماكن لشراء المدخلات، وبالتالي أتاحوا للمشاريع توفير بعض المال. كما كان المسفيدون أكثر ارتياحاً عندما شاركوا بشكل وثيق في التنفيذ.

وقال فيذرستون: "إننا نعلم أن آليات المساءلة يمكن أن تسهم في جودة المشروع وأثره، ولكننا في الوقت نفسه نعلم أن الممارسة غير مكتملة ... والآن لدينا المزيد من الأدلة. نستطيع أن نكون أكثر حزماً بكثير. كما أننا نعلم أن آليات المساءلة تعزز قدرتنا على مساعدة الناس الذين نسعى لمساعدتهم، وبالتالي لا يوجد أي عذر حقيقي لعدم استخدامها".

التدقيق في اختيار العاملين في المجال الإنساني

لكن المعايير وآليات المساءلة ليست محل خلاف كبير بالمقارنة بتدبير آخر مقترح، ألا وهو اعتماد المنظمات الإنسانية. فمن شأن هذا الاعتماد أن يوفر وسيلة للحكومات والمجتمعات المحلية لتحديد الوكالات ذات السمعة الطيبة والجديرة بالثقة والفعالة. ولكن في حين أن شراكة المساءلة الإنسانية تقوم باعتماد الجماعات الإنسانية منذ عام 2007، لا توجد حالياً سوى 16 منظمة فقط على قائمتها.

وقال فيليب تامينغا، منسق اعتماد المنظمات في اللجنة التوجيهية للاستجابة الإنسانية: "لقد طلبت منظمات عديدة الانضمام إلى شراكة المساءلة الإنسانية وأصبحت أعضاءاً فيها، ولكن لم يمر بعملية التحول إلى منظمة معتمدة من قبل شراكة المساءلة الإنسانية إلا عدد قليل جداً منها، ونحن نريد أن نعرف ونفهم سبب هذا، وما المطلوب لتحقيق تقدم بسيط".

وقد اتخذت منظمة أوكسفام موقفاً علنياً واضحاً يدعم عملية الاعتماد. وقال كارستن فولز، مدير الشؤون الإنسانية في منظمة أوكسفام الدولية: "نحن نحب عملية الاعتماد ونريد أن ندعمها. إنه عالم معقد جداً، وهناك الكثير من الفاعلين الجدد". ولكن على الرغم من هذا الدعم، فإن منظمة أوكسفام ليست معتمدة من قبل شراكة المساءلة الإنسانية.

من ناحية أخرى، لا تثق جماعات إغاثة أخرى، مثل منظمة أطباء بلا حدود، في انتقائية عملية الاعتماد والآثار السياسية المترتبة عليها.

وقالت ساندرين تيلر من منظمة أطباء بلا حدود: "إننا نشعر حقاً أن هناك نوعاً من السلطة التي تحتكر تحديد من يحق له الانضمام ومن يستبعد ... إذا نظرت إلى شمال سوريا، على سبيل المثال، نعم، هناك عدد قليل منا يتبع النظام التقليدي هناك، ولكن كبار المستجيبين هم المستجيون المحليون، ومجموعات الشتات، أو الجماعات الناشطة. وربما لا يكونون ملتزمين بالمبادئ الإنسانية... ولكنهم يقدمون دعماً كبيراً. إننا حقاً لا نريد أن ينظر إلينا باعتبارنا متجر مغلق، بل نريد إتاحة الفرصة لمبادرات جديدة وحديثة".

وأضافت أن "هذه عملية تقودها الجهات المانحة أيضاً، فدعونا لا نخدع أنفسنا، إذ ستفضل الجهات المانحة المنظمات المعتمدة. كما تعلمون، تواجه منظمات غير حكومية عديدة اتهامات بأنها حصان طروادة الذي يخدم مصالح الجهات المانحة، ولذلك فإن الاعتماد سيكون بطريقة ما دليلاً على المصداقية. إذا نظرتم إلى اتفاقات بوسان، ستجدون أن الصين والبرازيل والهند قالت: "إننا لن نشارك في ذلك، ولدينا طريقتنا الخاصة في العمل،" ولذلك فإنني أعتقد أن الاعتماد سيصبح في نهاية المطاف عبارة عن قائمة تضم المنظمات المفضلة لدى الحكومات الأوروبية".

ويتقبل تامينغا عدم اهتمام بعض وكالات المعونة بعملية اعتماد المنظمات، ولكنه يصر على أنها ستكون عملية ذات قيمة كبيرة، على الرغم من ذلك.

وأضاف قائلاً: "إذا نظرت إلى مبادرات أخرى، مثل التجارة العادلة، لن تقنع جميع منتجي البن في العالم، على سبيل المثال، بالالتزام ببعض معايير السلوك الاجتماعي والأخلاقي المسؤول، ولكنك بمجرد التوصل إلى التزام عدد كبير منهم، يمكنك العمل عندها على إحداث هذا النوع من التغيير وستبدأ في التأثير على السلوك في القطاع بأكمله".

eb/oa/rz-ais/dvh