باكستان تتصدى لحمى الضنك

على خط المواجهة في المعركة ضد حمى الضنك في لاهور، ثاني أكبر مدينة في باكستان، تركز السلطات على إطارات السيارات الاحتياطية.

وقال روهيل أيوب، البالغ من العمر 18 عاماً، الذي يدير ورشة لإصلاح السيارات في وسط المدينة: عندما تأتي الشرطة، سوف نلقي كل هذه الإطارات في الطابق السفلي".

وأوضح أن "الشرطة تفرض علينا غرامات كبيرة تصل إلى آلاف الروبيات في كل مرة".

فكل بضعة أيام، يفرض مفتشو الشرطة غرامة على أي شخص يترك الإطارات بالخارج – وهو ما يعد مصدراً للإزعاج، كما يشكو أصحاب المئات من ورش تصليح السيارات في المنطقة، ولكنه ضروري لمكافحة حمى الضنك والحمى النزفية التي قد تصبح قاتلة من دون لقاح، كما أشار الخبراء في مجال الصحة.

الاستجابة

وخلال تفشي المرض لمدة أربعة أشهر في عام 2011، تسبب الفيروس الذي ينقله البعوض في إصابة 21,000 شخص في باكستان، 85 بالمائة منهم في لاهور، مما أدى إلى وفاة 352 شخصاً.

وفي ذلك الوقت، اتبعت حكومة الإقليم مجموعة من التدابير بسرعة، بما في ذلك استخدام تكنولوجيا الهاتف الذكي والتبخير والبحث عن مناطق تكاثر اليرقات، للمساعدة في منع وقوع أزمة أسوأ وقصر الوفيات على عدة مئات من الأشخاص فقط.

وقال قطب الدين كاكار، الذي يشرف على برامج مكافحة الملاريا وحمى الضنك التي تنفذها منظمة الصحة العالمية في باكستان: "لم يتوقع أحد هذا النوع من الالتزام السياسي. في هذا الجزء من العالم، على الأقل، لم نر هذا النوع من الاستجابة من قبل".

وكان من المتوقع وفاة 1,000 شخص أو أكثر، ولكن هذا لم يحدث، ومنذ ذلك الحين، انخفض عدد حالات حمى الضنك، وبلغ 200 في إقليم البنجاب في العام الماضي، دون تسجيل أي حالة وفاة.

ولكن ما الذي تم عمله بطريقة صحيحة، وماذا تحتاج السلطات إلى القيام به للتأكد من أن الحلول طويلة الأجل؟

تم تطوير تكتيكات لأول مرة لمنع اندلاع حمى ضنك أخرى في عام 2011، من بينها الحملات الإعلامية، وتبادل البيانات، وتدمير مواقع يرقات البعوض.

يقوم المئات من علماء الحشرات في الحكومة بزيارات منتظمة إلى المقابر والحدائق العامة والحدائق، لإجراء اختبارات بحثاً عن البعوض الزاعج (aedes) واليرقات في أي مصدر من مصادر المياه.

وتتم دراسة النتائج التي يجمعونها في الموقع باستخدام تطبيقات أندرويد المصممة خصيصاً لذلك على هواتفهم الذكية، وتحميلها على موقع مركز الوقاية من حمى الضنك المركزي.

ثم يقوم المحللون في هذا المركز بمطابقة البيانات الحشرية مع التقارير الواردة من المستشفيات والتي تبين مناطق علاج مرضى حمى الضنك. واستناداً إلى النتائج، يتم إرسال فريق لتعقيم المناطق التي يبدو أن البعوض يتكاثر فيها ويصيب الناس، أو تحديد وإزالة مصادر المياه الراكدة.

وتنبغي الإشارة إلى أن الموسم الرئيسي للعدوى يكون أثناء هطول الأمطار الموسمية، عندما يبدأ ظهور بعوض الزاعجة المصرية (aedes aegyptus) والزاعجة المنقطة بالأبيض (aedes albopictus) الذي يمكن أن يكون حاملاً للفيروس.

التسلسل الزمني للتفشي

في أغسطس 2011، وصلت كمية الأمطار الموسمية الغزيرة إلى 13 بوصة في غضون أسبوع واحد، وخلفت وراءها كميات كبيرة من المياه الراكدة في عدة أجزاء من لاهور، وأثارت مخاوف فورية من انتشار المرض.

وبحلول منتصف أكتوبر، أفادت الحكومة المحلية في ولاية البنجاب أن أكثر من 11,000 شخص قد أصيبوا بحمى الضنك وقامت حكومة الإقليم بتسجيل تلك الحالات.

وقال فاران نارو، وهو مستشار تعاقدت معه حكومة الإقليم للتصدي لهذه المشكلة: "لقد حدثت زيادة هائلة في العدد، وأخافت الحكومة بالفعل، والقضية لها صدى كبير في وسائل الإعلام ... ولذلك فقد خلقت حالة من الذعر بين الناس ولا بد من احتوائها".

 لقد خلقت حالة من الذعر بين الناس ولا بد من احتوائها، فاران نارو، مستشار

وأضاف نارو أن معظم الأشخاص المصابين بفيروس حمى الضنك تعافوا من تلقاء أنفسهم، ولكن بمجرد بدء صدور تقارير في وسائل الإعلام عن مدى انتشار المرض، ذهب الآلاف إلى المستشفيات والمختبرات لإجراء اختبارات.

وقد أجرى الفريق الأول المكون من 70 عالم حشرات اختبارات على 12,000 بقعة لتعقب البعوض الزاعج. وبحلول منتصف أكتوبر، كان قد تم رسم خرائط استناداً إلى هذه البيانات، بالإضافة إلى 11,000 موقع أبلغت عن وجود مرضى مصابين بحمى الضنك.

وقد فاجأت هذه النتائج العلماء، وكانت أكثر المناطق تضرراً هي بعض أغنى أحياء لاهور: موديل تاون، وريس كورس، وموزانغ، وغولبرغ.

وقال نارو: "رأيت أن في موديل تاون حديقة كبيرة، وفي ريس كورس توجد اثنتان من أكبر الحدائق في لاهور ... وإعتقد أن الكثير من التكاثر حدث هناك، والبعوض كان ينطلق من هناك ويصيب الناس".

والجدير بالذكر أن البعوض بحاجة إلى المياه العذبة ليضع بيضه، وقد تبين أن البرك الكبيرة في أكبر الحدائق العامة في لاهور توفر موطناً مثالياً له.

وكانت هناك نقطة ساخنة أخرى في حي موزانغ، وهو موطن لواحدة من أكبر المقابر في باكستان. فقد تبين أن هذه المنطقة التي تبلغ مساحتها 150 فداناً هي موقع رئيسي لتكاثر البعوض. وكان حفارو القبور قد حفروا حفرة كبيرة لتخزين المياه، واستخدموها لتليين الثرى أثناء الحفر.

وأوضح نارو "إنها مياه عذبة، من الصنبور، وكانت هناك 70 حفرة، وكانت جميعها ملوثة ومليئة باليرقات".

وفي المستشفى، تم عزل مرضى حمى الضنك في مناطق خاصة لتلقي العلاج. وتم تبخير منازل كافة المرضى المصابين بحمى الضنك، جنباً إلى جنب مع الـ12 بيتاً المحيطة بكل منزل، بمعدل ثلاثة في كل اتجاه.

كما قام عمال الصرف الصحي بإزالة انسدادات المجاري والمصارف في محاولة لتطهير المناطق من مياه الأمطار، وتم رش الحدائق العامة والخاصة والمقابر بالمبيدات. كما تم إطلاق الآلاف من أسماك الجمبوزيا وشبوط الحديقة - وهي أسماك معروفة بهجومها على يرقات البعوض - في البرك والقنوات.

وفي غضون أسابيع قليلة، اكتشف علماء الحشرات وجود عدد أقل بكثير من البعوض الزاعج، وانخفض انتشار حالات حمى الضنك بسرعة.

وقد ساعد على ذلك إطلاق حملة لتوعية الجمهور - وتشجيع سكان المدينة على استخدام طارد البعوض والناموسيات، وإصدار توجيهات لتلاميذ المدارس بارتداء ملابس ذات أكمام طويلة، على الرغم من الحرارة الموسمية.

الدروس المستفادة

وقد تم الإبلاغ عن حالتين فقط من حمى الضنك في الإقليم حتى الآن هذا العام، مما يشير إلى أن تدابير مكافحة حمى الضنك لها تأثير إيجابي.

لكن المرض عادة ما يظهر في دورات يتراوح طول كل منها بين عامين وأربعة أعوام، ومسؤولو الصحة العامة قلقون من أن عدم إضفاء الطابع المؤسسي على الدروس المستفادة من تفشي المرض في عام 2011، لا يضمن نجاح الحكومات المستقبلية في التصدي لمثل هذا التفشي بنفس الدرجة.

وفي السياق نفسه، تولت حكومة مؤقتة السلطة في باكستان في مارس الماضي للإشراف على الانتخابات الوطنية والمحلية، وفي هذا الصدد قال كاكار من منظمة الصحة العالمية: "يجب علينا معرفة ما إذا كانت الحكومة قادرة على وضع خطط طويلة الأجل لمكافحة حمى الضنك، فقد كانت هذه مجرد استجابة قصيرة الأمد". وطالب كاكار باستمرار عمل فرق علماء الحشرات وعمال التبخير، وتوفير موارد التمويل المخصصة للمراقبة ونقل البيانات في كل موسم.

وقال أيضاً أن باكستان تستطيع تخصيص نفس الموارد لمكافحة الأمراض الأخرى التي ينقلها البعوض مثل الملاريا.

وتشهد باكستان أكثر من 300,000 حالة إصابة بالملاريا كل عام، وفقاً لمنظمة الصحة العالمية، وهذا الرقم سينخفض لا محالة بعد تدشين حملة ناجحة لمكافحة البعوض على المدى الطويل.

وأضاف قائلاً: "حتى الآن، يتم إنفاق مبلغ ضئيل على جهود القضاء على الملاريا في باكستان. ينبغي جمع كل الأمراض المنقولة بالنواقل - الملاريا وحمى الضنك ... في برنامج واحد".

ويقول كاكار أنه غالباً ما تحدث الإصابة بالملاريا في المناطق الريفية من باكستان، حيث تكون مرافق الرعاية الصحية سيئة للغاية بحيث يصعب الحصول حتى على إحصاء دقيق عن عدد الناس الذين يموتون بسبب هذا المرض.

وأكد أنه إذا وفرت الحكومة مصادر جيدة للماء في المدن والمناطق الريفية على حد سواء، فإنه يتوقع حدوث تأثير كبير على البعوض، سواء كان ناقلاً للملاريا أو حمى الضنك.

uf/jj/cb-ais/dvh
"