بناء الأنظمة الصحية من نقطة الصفر في الصومال

عالجت لول محمد، وهي مديرة قسم الأطفال في مستشفى بنادر في العاصمة الصومالية مقديشو خمسة أطفال بعد وقوع هجومين بالقنابل أوديا بحياة 30 شخصاً في 14 أبريل. وأوضحت قائلة: "كانوا يطلقون النار الليلة الماضية أيضاً. فتوفي صبي في الثامنة من عمره بعد إصابته برصاصة في كبده".

وتبقى كل هذه الأحداث في ظل ظروف من السلام النسبي الذي يخيم على مقديشو. ففي حين أن الصراع لم ينته بعد، تضاءلت مستويات انعدام الأمن منذ انسحاب جماعة الشباب المتمردة في عام 2011. ويسمح هذا الأمن النسبي للول محمد أن تركز على الرعاية الصحية الوقائية، وهي نوع من الرفاهية لم تكن قادرة على ممارستها قبل عامين.

وكانت محمد قد تلقت في شهر مارس عام 2013، 26 حالة حصبة و19 حالة سل و14 حالة كزاز و9 حالات التهاب السحايا. لكنها تشعر بالإحباط لأن ستة من الأطفال الذين وصلوا إلى المستشفى في ذلك الشهر قد توفوا بسبب أمراض يمكن الوقاية منها عن طريق التلقيح.

وتأمل محمد أن يتم هذا العام تلقيح 1,000 طفل شهرياً في غرفة التلقيح الصغيرة والزاهية الألوان في المستشفى. يجلس في الغرفة اثنان من المتطوعين على مكتب، بينما يراقب متطوع آخر كل من يدخل ويخرج من المستشفى. ويقولون أنهم قرروا التطوع عندما انسحبت الجهات المانحة وتم الاستغناء عن خدمات الموظفين. وفي ذلك اليوم، ومع حلول الساعة الواحدة ظهراً، كان هذا الفريق قد انتهى من تلقيح 28 طفلاً.

وأكدت محمد قائلة: "يمكننا تحقيق تحسن كبير في وقت قصير، إذا استمر السلام".

التلقيح

وتزامناً مع أسبوع التحصين العالمي، أعلنت الحكومة الصومالية في 24 أبريل عن نيتها إخضاع جميع الأطفال دون السنة من العمر للقاح الخماسي التكافؤ أو خمسة في واحد، وذلك بتمويل من التحالف العالمي من أجل اللقاحات، وبالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) ومنظمة الصحة العالمية كشريكين منفذين.

وفي كلمة ألقتها عند إطلاق اللقاح، قالت مريم قاسم، وزيرة التنمية والشؤون الاجتماعية: "يموت الأطفال في الصومال من الأمراض التي تمكنت باقي دول العالم من وقاية أطفالها منها. يُعتبر إدخال هذا اللقاح حدثاً مهماً في التاريخ".

وكان الرئيس الصومالي حسن الشيخ محمود قد ترأس أيضاً حدث إطلاق هذا اللقاح، ليظهر دعماً غير مسبوق لتحسين صحة الأطفال والأمهات في الصومال، وهما من الأهداف الإنمائية الثمانية للألفية. كما أعلن محمود أن حكومته ستدرس مشروع المشاركة في تمويل برنامج التلقيح في المستقبل، كما تفعل البلدان الأخرى.

وتلقى حالياً أقل من نصف الأطفال في الصومال اللقاح الإلزامي الخاص بالدفتيريا والكزاز والسعال الديكي. وتصف آن زيندل -كرونين، مديرة أحد برامج التحالف العالمي من أجل اللقاحات، هذا المعدل بأنه "منخفض للغاية". ووفقاً لمسح مشترك أجرته اليونيسف والحكومة الصومالية، يتلقى 7 بالمائة فقط من الأطفال في بونتلاند و 11 بالمائة من الأطفال في أرض الصومال الجرعات الثلاث المطلوبة قبل بلوغ عامهم الأول.

والجدير بالذكر هنا أن اللقاح الخماسي التكافؤ من شأنه حماية الأطفال المحصنين ضد هذه الأمراض الثلاثة، بالإضافة إلى التهاب الكبد بي والنزلة النزفية من النوع "ب".

تعزيز الأنظمة الصحية

وأضافت زيندل – كرونين قائلة: "بما أننا ننطلق من قاعدة ضعيفة للغاية، يجب أن نلاحظ تحسناً كبيراً في غضون وقت قصير، إذا ما قمنا بتعزيز النظام، وفي حال استمر السلام".

وقد استغرق اللقاح الخماسي التكافؤ 18 شهراً للانتقال من قرار البلاد باستخدامه إلى مرحلة التنفيذ، ولكن زيندل – كرونين تعترف أنه ما زال أمام شركاء التحالف العالمي من أجل اللقاحات مهمة صعبة في المستقبل. "من السهل أن تأتي إلى هنا وتضع اللقاحات في الثلاجة، ولكن التحدي يكمن في إيصالها إلى الأطفال".

ولا تتمتع الصومال ببنية تحتية قوية يمكن الاعتماد عليها. فقد عانت من حوالى 25 عاماً من الحرب الأهلية، كما تعرض نظامها الصحي للتشرذم، مدفوعاً بوجود صناعة أدوية غير منظمة يهيمن عليها أطباء القطاع الخاص الذين لا يقدمون المساعدة سوى لأولئك الذين يتحملون أعباءها المالية. ويتقاضى أطباء القطاع الخاص في الصومال ما يصل إلى 10,000 دولار شهرياً.

ويغيب الإطار القانوني للرعاية الصحية في البلاد في الوقت الذي تطرح فيه مسألة الدولة الاتحادية، التي تشمل منطقتي بونتلاند وأرض الصومال المتمتعتين بحكم شبه ذاتي، تساؤلات عن كيفية بناء أي نظام خاص بمجال الصحة.

وتتساءل مارت إيفرارد، ممثلة منظمة الصحة العالمية في الصومال قائلة: "عادة، هناك إدارة واحدة للغذاء والدواء. ولكن أين؟ هل هي في مقديشو، أم في كل المناطق [في جنوب وسط الصومال وأرض الصومال وبونتلاند]؟".

وبالإضافة إلى التحديات المتعلقة بالمنهج والبنية التحتية الخاصة بتقديم الرعاية الصحية في الصومال، ما زالت مناطق واسعة من البلاد تخضع لسيطرة حركة الشباب، والبعض الآخر منها لا يمكن الوصول إليه بسبب الجماعات المسلحة التي ملأت الفراغ الذي تركته حركة الشباب. ويقدّر عمر صالح من منظمة الصحة العالمية أنه يمكن لمقدمي خدمات الرعاية الصحية الخارجية الوصول إلى ما بين 30 و40 بالمائة من جنوب الصومال في أي وقت كان.

استمرار الخطر

وفي كلمته التي ألقاها خلال إطلاق اللقاح الخماسي التكافؤ، أدان الرئيس محمود حركة الشباب بسبب قيامها بعرقلة عملية وصول اللقاح حيث قال: "في بعض المناطق التي يسيطرون عليها، ليس هناك أي تطعيمات على الإطلاق منذ عدة سنوات. على حركة الشباب أن تدرك أنها لا تقتل الناس من خلال التفجيرات فحسب، وإنما تقتل عملياً كل طفل يفوته الحصول على التطعيمات اللازمة".

ويرافق إطلاق اللقاح الخماسي التكافؤ حملات توعية، إذ يأمل اسكندر خان، ممثل اليونيسف في الصومال، أن يؤدي خلق الطلب على اللقاح  إلى وصوله إلى المناطق التي تسيطر عليها حركة الشباب. "فما من أهل في العالم لا يهتمون لصحة طفلهم."

جلبت فرحيو محمد، وهي أم لستة أطفال، صغارها إلى العيادة الخارجية في بنادر في مقديشو للحصول على اللقاح الخماسي التكافؤ مجاناً. وتقول فرحيو أنها زارت العيادة عندما كانت حركة الشباب ما زالت في المدينة، مشيرةً إلى أن ما قامت به كان خطيراً، "لأن الشباب كانوا سيستجوبونني لدى عودتي. أما اليوم، فنحن سعداء".

وبينما تأخذ التوقعات الخاصة بهذا اللقاح في التحسن، ما زال عدم الإنصاف في الحصول عليه يشكل تحدياً كبيراً. وتدعو طبيبة الأطفال محمد التي تعمل في مستشفى بنادر، إلى الالتزام  ليس من طرف الحكومة فقط بل من قبل المجتمع المحلي والعاملين في مجال الصحة كذلك. وتعتقد أن تحفيز وإشراك العاملين في القطاع العام والخاص أمر بالغ الأهمية لتعزيز فرص الوصول إلى الرعاية الصحية والوصول إلى اللقاحات على وجه الخصوص.

jh/kr/rz-bb/dvh

"