بعيداً عن الدار... لكن أقرب إلى المدرسة في باكستان

وصلت علية التي تبلغ من العمر عشر سنوات وأسماء ذات الثمانية أعوام إلى مخيم جالوزاي للاجئين قبل أسبوعين، بعد نجاتهما من التصاعد الأخير في حدة القتال بين القوات الحكومية وجماعات مسلحة بالقرب من الحدود مع أفغانستان.

لكن الفرار من الدار كانت له فوائد غير متوقعة؛ إذ أن الفتاتين تذهبان الآن إلى المدرسة لأول مرة.

وقالت أمهما، أمينة بيبي، التي لم تذهب إلى مدرسة قط أنهما كانتا سعيدتين للغاية عند حصولهما على أقلام الرصاص وأقلام التلوين من معلمتهما".

وكانت الأسرة قد فرت من القتال الذي دار مؤخراً في وادي تيراه بمنطقة خيبر، وهو جزء من المناطق القبلية الخاضعة للإدارة الاتحادية في باكستان، ضمن ما يقرب من 48,000 شخص آخرين نزحوا مؤخراً – نصفهم تقريباً من الأطفال.

وتحتاج هذه الأسر التي ابتعدت كثيراً عن ديارها، بعد أن سافر العديد منها لأيام سيراً على الأقدام، إلى مأوى مؤقت وغذاء ومياه نظيفة وغيرها من الضروريات، التي تواجه الحكومة ووكالات الإغاثة صعوبة في توفيرها.

وذكر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) أنه من أصل مبلغ 366 مليون دولار اللازم لتقديم المساعدات الإنسانية في إقليم خيبر بختون خوا هذا العام، لا يتعدى المبلغ المتاح حالياً الـ 64 مليون دولار.

مع ذلك، يقدم المخيم خدمات تعليمية على مستوى لم يكن متوفراً في مناطقهم الأصلية.

وفي تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، قالت بيبي: "قبل بضعة أيام، ألحقت ابنتاي بالمدرسة. كان ذلك يسيراً لأن عدداً كبيراً من الفتيات الصغيرات يذهبن إليها، وجاء موظفو المخيم وساعدوهما على التسجيل. لا توجد مدرسة قريبة بما يكفي من بيتنا في قريتنا في وادي تيراه لإرسال الفتاتين إليها".

وينبغي الإشارة إلى أن معدلات الالتحاق بالمدارس والإلمام بالقراءة والكتابة في المناطق القبلية هي الأدنى في باكستان.

"ولا يتعدى معدل الإلمام بالقراءة والكتابة الإجمالي في المناطق القبلية 19.9 بالمائة، ويصل إلى 34.2 بالمائة بين الذكور و5.75 بالمائة بين الفتيات،" كما أشارت ديبا شابنام، مسؤولة برنامج التعليم في منظمة اليونيسف في بيشاور، عاصمة إقليم خيبر بختون خوا.

مع ذلك، يصل معدل الإلمام بالقراءة والكتابة الإجمالي في المخيم إلى 42.7 بالمائة - 44.4 بالمائة للذكور و37 بالمائة للفتيات، وفقاً لشابنام.

وأرجعت هذا التحسن إلى "التعبئة القوية للمجتمع، وسهولة الوصول إلى المدارس، وتوفر بيئات التعلم الملائمة للأطفال واللوازم المدرسية المقدمة للمدارس والطلاب".

العودة إلى ديارهم

ولم يتعد النزوح الجماعي الأخير من وادي تيراه كونه أحدث موجة من موجات النزوح العديدة من المناطق القبلية الخاضعة للإدارة الاتحادية. وقد تصبح باكستان قريباً واحدة من البلدان القليلة التي تضم أكثر من مليون نازح داخلي.

ويقول النازحون داخلياً الذين عادوا إلى ديارهم في السنوات القليلة الماضية أن عدم وجود تعليم جيد يبدو أكثر سوءاً بعد قضاء بعض الوقت في مخيم جالوزاي.

وأفاد محمد سليم الله، وهو أب لثلاثة أطفال:"لا توجد مدارس جيدة هنا. لقد انتقلنا إلى خار [المدينة الرئيسية في منطقة باجاور، إحدى المناطق القبلية الخاضعة للإدارة الاتحادية] حتى يتمكن أولادي من الحصول على تعليم لائق، لأن المدارس في قريتنا سيئة للغاية".

لكن سليم الله اشتكى من أن العديد من المعلمين قد غادروا باجاور هرباً من القتال، ومن سوء مستوى التعليم وقال أنه يخشى أن يحجم ابنه البالغ من العمر 12 عاماً عن الذهاب إلى المدرسة لأنه يجدها "غير مجدية".

وأضاف قائلاً: "يفتقد ابني وأخواه الأصغر سناً المدرسة الأفضل كثيراً التي التحقوا بها في جالوزاي، حيث قضينا ثلاث سنوات، حتى أواخر عام 2011".

فر عويس خان من الصراع في منطقة باجاور في عام 2004، وانتهى به المطاف في مخيم جالوزاي، حيث التحقت ابنتاه، اللتان تبلغان من العمر الآن 13 و15 عاماً، بالمدرسة. وقد عاد خان إلى قريته في العام الماضي.

 كانتا سعيدتين للغاية عند حصولهما على أقلام الرصاص وأقلام التلوين من معلمتهما

وقال خان: "لم تكن هناك مدرسة بعد المرحلة الابتدائية في قريتنا. تتمتع ابنتاي بالذكاء وهما حريصتان كل الحرص على التعلم، لذا أرسلتهما إلى بيشاور للعيش مع أختي للحصول على التعليم وتحسين فرصة حصولهما على مستقبل أفضل".

وأضاف أن "معظم الفتيات اللاتي يرجعن من مدارس المخيم يتوقفن عن التعلم"، على الأقل في باجاور، حيث تعاني المدارس القليلة المتاحة من الضعف الشديد في مستوى التعليم، كما أوضح.

وبينما يشعر آباء مثل سليم الله وخان بخيبة أمل من المدارس الموجودة في قريتيهما، فإنهما يؤكدان على أن الإقامة في المخيمات جعلتهما يشعران بتقدير أكبر لقيمة التعليم.

وقال محمد صادق، وهو مدرس متطوع في المخيم: "أعرف عائلات من المناطق القبلية الخاضعة للإدارة الاتحادية لم يسبق لها إلحاق أطفالها بالمدارس، لكنها قررت القيام بذلك بمجرد عودتها من جالوزاي".

وأفاد صادق أن "أحد الأطفال الذين بدأت تدريسهم في عام 2006 اجتاز لتوه اختبارات نهاية الدراسة الثانوية بتفوق في منطقة كورام، وسوف يذهب إلى كلية في كوهات [بلدة في خيبر بختون خوا]، ولذلك فإن التعليم في المخيمات يؤثر على حياة النازحين بالفعل، في بعض الحالات على الأقل. وسيحظى هذا الصبي، حكيم، بمستقبل أفضل".

المناطق القبلية هي الأكثر سوءاً

"وقد أبطأ الوضع الأمني السائد على مدى السنوات القليلة الماضية وتيرة النمو في قطاع التعليم،" وفقاً للمسح القطاعي متعدد المؤشرات لعام 2009، الذي أجرته أمانة المناطق القبلية الخاضعة للإدارة الاتحادية، بدعم من الحكومة ووكالات الأمم المتحدة.

وأضاف المسح أنه "مع الوضع في الاعتبار أن المناطق القبلية الخاضعة للإدارة الاتحادية تضم مجتمعاً تقليدياً يتسم بضعف التنمية الاقتصادية والمرافق المحدودة، فإن التعليم لا يمثل أولوية".

وتبلغ معدلات الالتحاق بالمدارس الابتدائية في المناطق القبلية الخاضعة للإدارة الاتحادية 46.3 بالمائة - 64.8 بالمائة للذكور و26.8 بالمائة للفتيات - في حين تصل نسبة الالتحاق بالتعليم الابتدائي الإجمالية لكلا الجنسين على المستوى الوطني إلى ما يربو على 90 بالمائة، وفقاً لبيانات حكومية.

وفي كثير من الأحيان، لا تكون المجتمعات المحلية معزولة وغير مطورة فقط، بل يتم استهداف بعض المدارس من قبل مقاتلين في المنطقة أيضاً.

وقد أفاد تقرير إعلامي في سبتمبر 2012 أن "المدارس من الأهداف المفضلة للمتشددين، لأنها غالباً ما توفر التعليم للفتيات أو لأن مناهجها الدراسية لا تعتبر إسلامية بما فيه الكفاية لحركة طالبان الباكستانية، التي تتمتع بنفوذ سياسي كبير في المنطقة".

وتشير التقديرات إلى تدمير حوالي 10 بالمائة من المدارس في المناطق القبلية منذ عام 2008، وفقاً للبيانات الصادرة عن الأمانة العامة للمناطق القبلية الخاضعة للإدارة الاتحادية. وحتى المدارس التي لا تزال قائمة تعاني من عدم وجود معلمين في كثير من الأحيان بسبب فرار الكثيرين منهم. كما يخشى الآباء والأمهات إرسال أطفالهم إلى المدارس التي يمكن أن تتعرض للهجوم في نهاية المطاف.

وقد تم تعليق التسجيل في مدارس مخيم جالوزاي بعد هجوم بقنبلة في 21 مارس، لكن نظراً إلى أن أعمار ما بين 35 و40 بالمائة من سكان المخيم البالغ عددهم 60,000 شخص تقل عن 18 عاماً، تعتبر خدمات التعليم ذات أهمية قصوى، ولذلك استؤنفت الدارسة بعد ثلاثة أيام.

وقال صادق "أنه لأمر مدهش عندما يأتي الأطفال إلى المدرسة للمرة الأولى ويبدؤون اكتشاف أن العلامات الصغيرة المطبوعة على الورق تعني شيئاً".

وتوجد حالياً 25 مدرسة في جالوزاي - 13 للبنين و12 للبنات - يلتحق بها نحو 7,000 طفل. أما مخيم توغ ساراي الأصغر حجماً في منطقة هانغو بإقليم خيبر بختون خوا - يبلغ عدد سكانه 5,800 نسمة - فيحتوي على مدرستين تديرهما الحكومة المحلية ومنظمة اليونيسف، ويلتحق بهما 800 طفل.

وأخبر صادق شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أنه غالباً ما تصيب الدهشة الأطفال الذين جاءوا من مدارس في العديد من المناطق القبلية الخاضعة للإدارة الاتحادية لأنهم "لم يتعرضوا للضرب أو المعاملة السيئة في المدارس هنا، وهم يحبون التعلم في هذه البيئة الممتعة".

وأضاف قائلاً: "أعتقد أن الحصول على تعليم ذي جودة أفضل يساعد الآباء على إدراك قيمته".

kh/jj/rz-ais/dvh
"