الأمن وأعمال الإغاثة في المناطق التي تسيطر عليها الميليشيات في أفغانستان

كان حميد الله، مدير مدرسة حاجي مير علام للفتيات في إقليم كندز بشمال أفغانستان، يجلس على مكتبه في صيف عام 2011 عندما دخل المدرسة أعضاء من إحدى الميليشيات المحلية.

وأخبر شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) عن تلك الواقعة قائلاً: "قلت لنفسي أنت مدرس... ما الذي سيفعلونه بك؟"

ثم قام المسلحون بمرافقة حميد الله إلى خارج بوابة المدرسة حيث كان قائدهم، ويدعى قديراك، ينتظر. ثم قاموا بضربه ببنادقهم حتى فقد الوعي.

وأضاف قائلاً: "لازلت لا أعرف السبب الذي ضربوني من أجله. إذا قاموا بضربي، كأنهم ضربوا جميع أهالي القرية. فمن أجل استعراض قوتهم، يقومون بضرب راعي المسيرة التعليمية [في القرية]".

وتعد مثل هذه الانتهاكات جزءاً اعتيادياً من الحياة وخاصة في الشمال والشمال الشرقي في أقاليم كندز وباغلان وفارياب وبلخ حيث تنتشر الميليشيات.

وتزيد هذه المجموعات من تعقيد تسليم المساعدات وتخلق انعداماً في الأمن للسكان العاديين الذين يختلط عليهم في كثير من الأحيان تصنيف العصابات العرقية المسلحة وقوات حماية القرية والميليشيات شبه الرسمية، طبقاً لما ذكرته ست منظمات إغاثة التقت بها شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) في كندز.

وقالت حياة أميري، مديرة لجنة حقوق الإنسان التي تعمل في كندز أن "هناك مجموعات غير مسؤولة في المنطقة. وعندما يأتي هؤلاء إلى منطقة ما، فإنهم يسببون المشاكل ويعيقون بعض الأعمال الجارية فيها".

قوة الميليشيات

وتشمل تلك المجموعات ميليشيات قروية معروفة باسم "أربكي" تفتقر عادة إلى التدريب والزي الرسمي، والشرطة الأفغانية المحلية، ومجموعات الميليشيات المحلية التي تلقت بعض التدريب من القوات الأمريكية الخاصة والخاضعة رسمياً لسيطرة وزارة الداخلية.

وغالباً ما ينظر إلى الحرب في أفغانستان على أنها قتال بين مجموعات طالبان المتمردة من جهة والقوات الحكومية والدولية من جهة أخرى، لكن في الواقع تعمل الجماعات المسلحة المحلية في كثير من الأحيان بين هذه الأطراف في منطقة رمادية. وتوفر الميليشيات- التي غالباً ما ترتبط بالزعماء المحليين الأقوياء - الأمن ضد متمردي طالبان في المناطق التي لا يوجد فيها وجود للحكومة والعديد منهم دخلوا في أوقات مختلفة في شراكات مع القوات الحكومية والدولية. وغالباً ما يقوم أفراد تلك الميليشيات بتغيير ولائهم بين الجماعات المختلفة المشاركة في النزاع.

وبعد سقوط طالبان عام 2001، بدأت القوات الدولية بتوظيف بعض الميليشيات- التي ساعدت على طرد طالبان- كقوات أمنية مؤقتة.

كما بدأت الحكومة برنامجاً لنزع السلاح والتسريح وإعادة التأهيل في بداية عام 2003 من أجل حل جماعات الميليشيات ومساعدة الأعضاء على إعادة الاندماج في المجتمع، غير أن التقدم كان بطيئاً، وفقاً لمجموعة الأزمات الدولية.

ونظراً لتدهور الوضع الأمني، بدأت القوات الدولية في رعاية العديد من تلك الميليشيات لتمديد انتشارها. وقد لعبت تلك القوات التي تكاد تكون غير رسمية دوراً مهماً في توفير الأمن لانتخابات عام 2009.

وقد أخذت الأمور تسير بصورة أكثر رسمية في عام 2010 عندما تم الاعتراف رسمياً بالشرطة الأفغانية المحلية كقوة دفاع محلية رئيسية للمساعدة في الحفاظ على المجتمعات النائية خالية من متمردي طالبان.

انتهاكات

وقد أبرز تقرير بعثة الأمم المتحدة في أفغانستان (يوناما) لعام 2012 زيادة في عدد الانتهاكات التي ينحى باللائمة فيها على الميليشيات المستقلة المختلفة.

بالنسبة للناس العاديين تعتبر قوات الشرطة الوطنية الأفغانية مجرد واحدة من عدد كبير من الجماعات المسلحة

وقد تحدث عامة الناس أيضاً عن أعمال تخويف جرت على أيدي الميليشيات. وقال حاجي مير جان، وهو تاجر من مقاطعة خان آباد: "نضطر إلى دفع أموال إلى الحكومة المحلية والشرطة الأفغانية المحلية والقادة الآخرين. أحياناً يطلبون منا دراجات نارية لمقاتليهم. وفي أوقات أخرى يطلبون أموال وطعام ودواء".

"أنا مضطر أن أرضي جميع الأطراف بما في ذلك طالبان. هذه هي الطريقة الوحيدة بالنسبة لي وللعديد من السكان المحليين. وغالباً ما يأتي قائد ويقول: "من فضلك قم بالطهي لثلاثين شخصاً من ضيوفنا أو لدينا مقاتلون يحتاجون إلى طعام".

وعلى الرغم من أن بعض المجتمعات وعمال الإغاثة أخبروا شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أنهم شاهدوا مكاسب أمنية في مناطق تتواجد فيها الشرطة الأفغانية المحلية، فقد أوردت منظمة هيومان رايتس ووتش تقارير عن انتهاكات لحقوق الإنسان على أيدي الشرطة الأفغانية المحلية.

وتم في السابق توظيف بعض الميليشيات من قبل القوات الدولية لكن تم حلهم منذ ذلك الحين على الرغم من عدم نزع سلاحهم. وتعمل هذه المجموعات على مستو غير رسمي لكن العديد من أعضائها يأمل في أن يتم دمجه في الشرطة الأفغانية المحلية.

وفي تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، قال نيبيكيتشي قائد ميليشيات قاليزال التي تم حلها رسمياً: "لم يتم دفع رواتب لرجالي البالغ عددهم 224 رجلاً والموزعين على 21 موقعاً في أنحاء مقاطعة قاليزال طوال الستة أشهر الماضية. أمام الحكومة خياران إما أن تقوم بنزع سلاح رجالي وتولي مسؤولية الأمن أو تبدأ بدفع رواتب لنا".

وفي السابق تم توظيف جماعته من قبل القوات الأمريكية الخاصة التي قامت بدفع رواتبهم.

"إذا قمنا بتسليم أسلحتنا الآن ستأتي حركة طالبان وتقتلنا جميعاً وستصبح المنطقة غير آمنة مرة أخرى وبسرعة كبيرة. في الوقت الراهن يقوم السكان المحليون هنا بدفع ثمن الغذاء لإطعام رجالي. يمكنك أن تسألهم، فنحن لا نجبر أي أحد على إطعامنا".

لكن بعض السكان المحليين يقولون أن لدى ميليشيات نيبيكيتشي سمعة باستخدام التعذيب على نحو متكرر والسجن غير القانوني وفرض ضرائب غير قانونية. وقد قال السكان لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أنهم شعروا بأن لا خيار أمامهم سوى الطاعة خوفاً من الانتقام.


الشك والريبة لعمال الإغاثة

ويزيد وجود مثل تلك الجماعات المسلحة من الشك والريبة بالنسبة لعمال الإغاثة أيضاً. وقالت أميري من لجنة حقوق الإنسان أنه "يتم انجاز العمل في المناطق التي تتواجد بها الشرطة الأفغانية المحلية والشرطة الوطنية. بالطبع يجب أن تأخذ المنظمات غير الحكومية مسألة الأمن في الاعتبار. وعندما يقومون بإجراء مشاريع فإنهم يتصلون بهؤلاء المسؤولين. لكن تواجه الأماكن التي تتواجد فيها الجماعات المسلحة الأخرى بعض المشاكل".

وقال أنطونيو جويزتوزي وأشلي جاكسون، مؤلفا ورقة العمل الأخيرة عن العمل الإغاثي في البلاد أن "العديد من المدنيين الأفغان والجهات الفاعلة في مجال الإغاثة يواجهون صعوبة في التمييز بين الميليشيات والجماعات الإجرامية وطالبان والقوات الأمنية التي تسيطر عليها الحكومة ظاهرياً".

وقال جويزتوزي وجاكسون أنه "على الرغم من أن بعض عمال الإغاثة ذكروا أنهم شعروا بأن ميليشيا أربكي عززت من أمنهم، أشتكى آخرون من أن الميليشيات أو الزعماء المحليين حاولوا التدخل في برامجهم".

مع ذلك، فإن معظم المنظمات غير الحكومية في كندز أخبرت لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن العمل الإنساني مازال ممكناً في المناطق التي يوجد بها تواجد قوي للميليشيات.

وقال ذبيح الله عزيز، مدير اللجنة السويدية لأفغانستان: "نحن متواجدون هنا منذ 30 عاماً ولذلك نعرف ما يصلح. نقوم بتوظيف أناس من المنطقة التي يتم فيها تنفيذ المشروع حتى يعرفوا حساسيات المجتمع لكننا نقدم لهم أيضاً المزيد من التدريب.

وأضاف قائلاً: "نقدم الخدمات التي تلبي احتياجات المجتمع. وهذا يساعد على بناء الثقة. فإذا لم تقيم احتياجات المجتمع أولاً أو لم تقم بتدريب الناس على كيفية التعامل مع الميليشيات أو طالبان، فسوف تواجه مشاكل".

ويقول رازمال سردار، الذي عمل مع مشروع لبرنامج الأغذية العالمي أن استخدام الموظفين المحليين أمر أساسي: "نحن سكان محليين من كندز ولذلك يعرفنا الناس ويعرفون عائلاتنا. ولهذا السبب يمكننا العمل في المناطق التي تتواجد بها الميليشيات. وهم غالباً ما يهتمون بأمننا".

وعلى نحو مشابه لعزيز، قال سردار أن دعم المجتمع أمر أساسي وأضاف قائلاً: "إذا وافقوا على المشروع فإننا نبدأ بتنفيذه. وإذا لم يرغب الناس في المشروع أو كانوا غير متأكدين فإننا لا نمضي قدماً. وإذا وافق السكان المحليون وشاركوا في التنمية فإن الميليشيات لن تزعجك".

لكن زلماي ألوقزاي، مدير مشروع جديد يعرف باسم الاستقرار في المناطق الرئيسية والذي يساعد البرامج على تحديد مصادر عدم الاستقرار قبل تنفيذ المشاريع، يتوقع تحديات مقبلة. وأضاف قائلاً: "أنا متأكد من أننا سنواجه مشاكل بسبب طبيعة العمل الذي نقوم به".

وتفوق أعداد الميليشيات أعداد مسؤولي المقاطعة الذين يفتقرون لصلاحية القبض على أعضاء الميليشيات واحتجازهم عندما يرتكبون انتهاكات. ويقول المسؤولون أنهم خارج سيطرة الحكومة.

وقال مسؤول لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة طلب عدم ذكر اسمه أن "الإفلات من العقوبة يتزايد ودائرة العنف مستمرة".

وقال توماس روتيج من شبكة محللين أفغانستان Afghanistan Analysts Network أن المشكلة الأساسية مع تلك الميليشيات هي الاقتصاد: "لا توجد أموال كافية لتوظيف هؤلاء الناس. هناك فائض في تجارة السلاح ولذلك فإن صناعة السلاح أكثر ربحاً من الزراعة على سبيل المثال".

"لو كانت زراعة بنجر السكر أكثر ربحية لقامت الميليشيات بزراعته. لم يغير التدخل الكامل بعد عام 2001 من ذلك الوضع. نحتاج إلى دراسة التدخل والتدقيق في فاعليته".

bm/jj/rz-hk/dvh