تحديات أمام أول إحصاء رسمي للسكان في ميانمار منذ 30 عاماً

مع استعداد ميانمار إلى إطلاق التعداد السكاني التجريبي لأول إحصاء رسمي للسكان منذ ثلاثة عقود يوم 30 مارس، يشير الخبراء والنشطاء إلى عدد من التحديات قبل بدء عملية الإحصاء الرسمية في 2014.

وكان عدد سكان ميانمار 35,442,972 نسمة، وفقاً لأخر تعداد رسمي للسكان أجري في 31 مارس 1983. وتشير التقديرات الحالية إلى أن عدد السكان الحالي يزيد عن 60 مليون نسمة ويشمل 135 مجموعة عرقية معترف بها.

وفي تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، قال ديفيد سكوت ماثيوسن، أحد كبار الباحثين في منظمة هيومان رايتس ووتش المختص بشؤون ميانمار أن التحديات الأمنية واللوجستية أمام التعداد السكاني ضخمة"، مضيفاً أن "مجرد الوصول إلى بعض السكان المعزولين والمضطهدين سيكون عملية كبيرة، خاصة في المناطق التي احتدم فيها الصراع لعقود في ولاية كاتشين وعلى نحو أكثر تعقيداً في ولاية أراكان".

ويقول النشطاء أنه بالإضافة إلى الحاجة إلى الوصول إلى المناطق المتضررة من النزاع في البلاد، لابد وأن يعمل أيضاً منظمو التعداد السكاني على التغلب على انعدام الثقة تجاه الدولة المنتشر بين السكان منذ فترة طويلة بالإضافة إلى احتمال وجود مشاكل في التمويل.

وفي ولاية كاتشين الشمالية على الحدود مع الصين استأنفت الحكومة- بعد انهيار وقف إطلاق النار الذي استمر 17 عاماً- القتال في يونيو 2011 ضد جيش استقلال كاتشين الذي يحارب من أجل مزيد من الحكم الذاتي على مدى العقود الستة الماضية.

وطبقاً للتقديرات الأخيرة الصادرة عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، فإن ما يزيد عن 80,000 شخص قد نزحوا بسبب النزاع في ولايتي كاتشين وشان.

وقد أشار التقرير الأخير الذي قام توماس أوجيا كوينتانا، الباحث في مجال حقوق الإنسان، برفعه إلى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة إلى الادعاءات المستمرة في كاتشين بشأن "الهجمات ضد السكان المدنيين وعمليات الإعدام خارج نطاق القضاء والعنف القائم على النوع الاجتماعي والعنف الجنسي وعمليات القبض والاعتقال التعسفية بالإضافة إلى التعذيب".

وطبقا ًلتقديرات الحكومة البورمية، فإن أعمال العنف الطائفي في ولاية راخين (المعروفة أيضاً باسم أراكان) بين المسلمين الروهينجا وسكان راخين الأصليين (غالبيتهم من البوذيين) التي اندلعت منذ تسعة أشهر تقريباً واندلعت مجدداً في أكتوبر الماضي، قد خلفت أكثر من 115,000 نازح.

تعداد سكاني وليس مواطنة

ويعيش حوالي 800,000 من الروهينجا، وهم أقلية لغوية وعرقية مسلمة في ولاية راخين. ويعتبر الروهينجا عديمي الجنسية في ظل القانون البورمي. وقد عانوا لفترة طويلة من نقص الرعاية الصحية اللائقة والافتقار إلى الخدمات الاجتماعية والتعليم وواجهوا اضطهاداً من قبل الدولة شمل قيوداً مستهدفة كتحديد حجم الأسرة والعمل القسري بلا مقابل لدى القوات الأمنية، طبقاً لما ذكره النشطاء.

وتعتبر السلطات البورمية السكان الروهينجا مهاجرين لا يحملون وثائق ولا تعترف بهم كمواطنين أو كمجموعة عرقية.

ولم تدرج التعدادات الرسمية الأخيرة للسكان التي جرت في البلاد عامي 1973 و1983 الروهينجا كجزء من السكان.

وتدرج الحكومة الروهينجا في السجلات الرسمية للأسرة وتعطيهم بطاقات تسجيل مؤقتة. لكن هذه الوثائق لا تشير إلى مكان الميلاد ولا تعتبر دليلاً على الولادة في ميانمار.

ويأمل ماثيوسن في أن يكون للتعداد تأثير إيجابي، حيث قال: أن "سيحسن الإحصاء السكاني القادم من أوضاع حقوق الإنسان بطرق متعددة حيث سيعترف بمواطنة العديد من الأشخاص وسيمنحهم حقوقاً حرموا منها لفترة طويلة بما في ذلك الأشخاص عديمي الجنسية في المناطق الحدودية الشرقية والشمالية. ونأمل أيضاً أن يشمل ذلك المسلمين الروهينجا الذين حرموا من المواطنة لفترة طويلة".

لكن نيي نيي، نائب مدير إدارة السكان، وهي الهيئة الحكومية التي تقوم بإجراء الإحصاء السكاني كان واضحاً في أن الإحصاء السكاني هو بشأن الأعداد فقط حيث أرسل إلى شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) عرضاً توضيحياً يشير إلى أن كل شخص داخل حدود البلاد في ليلة الإحصاء السكاني- يوم 29 مارس 2014- سيجري عده سواء كان مواطناً أم لا. والوحيدون الذين سيتم استثنائهم من التعداد هم موظفو السفارات والقنصليات الأجنبية.

وقال نيي نيي أن "هذه خطوة كبيرة لبلادنا ستسمح لنا بأن نحدد البرامج التنموية بصورة أفضل".

وقال لين يانمينج، القائم بعمل المدير المسؤول عن مكتب صندوق الأمم المتحدة للسكان في ميانمار الذي يعمل مع الحكومة لإجراء الإحصاء السكاني، أن الهدف من التعداد السكاني ليس تحديد الوضع القانوني لأي شخص.

وقال كريستوف ليفرانك، المستشار الفني للسكان والتنمية في صندوق الأمم المتحدة للسكان في بانكوك، أن حقوق الإنسان والحكم الرشيد مرتبطان ببعضهما البعض، مضيفاً أن "الحصول على بيانات دقيقة وموثوق فيها عن السكان يمكن أن يساعد في تعزيز الحكم الرشيد واتخاذ القرارات التنموية المناسبة وتحسين أحوال عامة الناس".

وقال ألن لوبيز، أستاذ الصحة العالمية ورئيس كلية صحة السكان في جامعة كوينزلاند أنه "من الصعب جداً أن ترى كيف يمكن لبلد أن يخطط بصورة سليمة للخدمات الأساسية مثل الرعاية الصحية والمرافق التعليمية ورعاية المسنين دون معلومات تفصيلية عن حجم وديناميكيات السكان وتوزيعهم".

وأضاف يانمينج أن الإحصاء السكاني سوف يساعد على مراقبة تقدم البلاد نحو الوصول إلى الأهداف الإنمائية للألفية وأيضاً تقديم المؤشرات الأساسية لأهداف التنمية المستدامة لما بعد عام 2015.

التحديات

وتشمل التحديات الرئيسية نقص الخبرة لأن معظم موظفي الحكومة الذين عملوا في الإحصاءات السكانية عامي 1973 و1983 أصبحوا متقاعدين الآن، وهناك توعية قليلة بين السكان بشأن التعداد السكاني بالإضافة إلى صعوبة الوصول إلى المناطق التي يستمر فيها القتال.

وفي ولاية كارين حيث كانت الجماعات المسلحة في حالة حرب مع الحكومة لأكثر من 60 عاماً وظل مئات الآلاف من الناس نازحين داخلياً، قال موظفو المجتمع المحلي أن السكان ليس لديهم تقريباً أي معرفة بالتعداد السكاني لكنهم قلقون أيضاً من حالات سوء المعاملة المحتملة.


الصورة: ديفيد لونجستريث/إيرين
ظلت الخدمات محدودة في أجزاء عديدة من البلاد

وقال سو ألبرت، المدير الميداني لجماعة حقوق الإنسان في كارين أن "عملية التعداد السكاني ليست سيئة في حد ذاتها لكن نتيجة لتجاربنا الماضية في العمل مع سكان القرى فإن ضباط الجيش المحلي قد يستخدمون أعداد السكان لتنفيذ انتهاكات مثل الضرائب التعسفية والعمل القسري".

وأضاف أنه "عندما يكون لدى الحكومة المزيد من المعلومات عن سكان القرى يكون من السهل عليهم استهدافهم".

وهناك أمر آخر مثير للقلق وهو أنه يمكن استخدام التعداد السكاني كأداة للتلاعب في أعداد الناس الذين يؤيدون الحزب الحاكم- حزب اتحاد التضامن والتنمية - في الانتخابات البرلمانية المقرر عقدها في عام 2015.

وقال سو ألبرت أن "ما رأيناه من موقف سكان القرى في منطقة بحثنا (كل ولاية كارين علاوة على أجزاء من ولاية مون ومنطقة باجو ومنطقة تانينثاري في جنوب ميانمار) هو أنه لم يكن لديهم أبداً الفرصة للتصويت لصالح الحكومة. ولا يسمح لهؤلاء بالعادة بالتصويت باسمهم ولكن يتم تحديد أصواتهم بصورة تلقائية دون موافقتهم".

وأضاف ماثيوسن من منظمة هيومان رايتس ووتش أنه في الطرف الآخر من البلاد يعتبر الوصول إلى السكان الأصليين في ولاية شان الشمالية على الحدود مع الصين وأيضاً في المجتمعات الحدودية الأخرى "تحدياً لوجستياً كبيراً"، مشيراً إلى أن عدداً قليلاً من الناس في المناطق الجبلية المعزولة هو فقط الذي يتكلم اللغة البورمية وهي اللغة التي سيتم بها إجراء التعداد السكاني.

وستبلغ التكلفة الإجمالية للإحصاء السكاني 58.5 مليون دولار ستدفع منها الحكومة البورمية وصندوق الأمم المتحدة للسكان مبلغ 20 مليون دولار.

ومن المقرر أن يتم إجراء التعداد السكاني التجريبي- قبل الإحصاء الرسمي للسكان على مستوى البلاد عام 2014- في 20 مدينة من مدن البلاد البالغ عددها 330 مدينة خلال الفترة من 30 مارس إلى 10 أبريل 2013 حيث سيشمل مقابلات شخصية وجهاً لوجه وحوالي 41 سؤالاً.

ومن المتوقع ظهور النتائج الأولية للتعداد القومي للسكان في يوليو 2014 في حين ستظهر النتائج النهائية في بداية عام 2015.

fm/pt/ds/cb-hk/dvh
"