هل أعاد تمويل مكافحة الإيدز إحياء الأنظمة الصحية المتخلّفة؟

وصل وباء فيروس نقص المناعة البشرية /الإيدز إلى أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى بعد عقود من الإهمال الذي ترك أنظمة الرعاية الصحية ضعيفة إلى حد خطير وبالكاد قادرة على مواجهة تدفق المرضى. وبعدها بدأت الأموال بالتدفق، فارتفع تمويل برامج مكافحة فيروس نقص المناعة البشرية من 5.5 بالمائة من المساعدات الموجهة لقطاع الصحة في عام 1998 إلى حوالى نصف هذه المساعدات تقريباً بعد 10 سنوات.

لكن أماندا غلاسمان، مديرة قسم السياسات الصحية العالمية والأبحاث في مركز التنمية العالمية، ومقره واشنطن، أفادت أنه ليس من الواضح بعد ما إذا كانت المبالغ الكبيرة التي خصصت لتمويل برامج مكافحة الإيدز قد ساهمت في جعل أنظمة الرعاية الصحية أكثر قدرة على الصمود، وما إذا كانت "القدرات التي اكتُسبت خلال العقد الماضي ستستمر بعد انسحاب الجهات المانحة وما إذا كانت مشاكل ضعف الخدمات وتقلب الإنفاق العام التي ميزت الفترة السابقة لتقديم المساعدات ستتناقص في فترة ما بعد المنح".

ويرى البعض أن وباء الإيدز قد ساعد على توليد زيادة عامة في التمويل للقطاع الصحي وتعبئة الجهود الدولية لتحقيق المزيد من المساواة في الوصول إلى الرعاية الصحية. لكن آخرين يؤكدون أن مليارات الدولارات التي أنفقتها الجهات المانحة لمكافحة فيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز في العقد الماضي لم تحقق ما يُذكر لتعزيز الأنظمة الصحية الوطنية الهشة.

ففي البداية، وخلال مرحلة الطوارئ الخاصة بالوباء، تجاوزت الجهات المانحة مواطن الضعف في الأنظمة الصحية الوطنية بإنشاء هياكل من شأنها تقديم نتائج أسرع. وهذا يعني على أرض الواقع، إنشاء عيادات حديثة لعلاج فيروس نقص المناعة البشرية /الإيدز مجهزة بشكل كامل وتضم فرق عمل متكاملة لتقديم الخدمات المجانية في المستشفيات العامة في الوقت الذي تعاني الأقسام الأخرى في تلك المستشفيات من نقص في البنية التحتية وارتفاع الرسوم بالنسبة للمستخدمين ونقص في الموظفين.

وقال آلان وايتسايد، المدير التنفيذي لقسم أبحاث اقتصاديات الصحة وفيروس نقص المناعة البشرية /الإيدز في جامعة كوازولو ناتال: "كان الوضع مناسباً ولا مفر منه في ذلك الوقت. فقد كان علينا أن نستجيب بهذه الطريقة، أما الآن فنحن بحاجة إلى الاستجابة للحالة الراهنة ووفقاً لما تعلمناه".

الدروس المستفادة

وفي حديث إلى شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، قالت غلاسمان أنه من الصعب تقييم ما إذا كان تمويل الجهات المانحة قد تمكن من زيادة القدرة على الصمود، لكن المكاسب في الوضع الصحي وتغطية الخدمات الخاصة بفيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز - مثل عدد الأشخاص الذين يحق لهم الحصول على مضادات الفيروسات القهقرية وعدد النساء الحوامل اللاتي يتلقين خدمات منع انتقال الفيروس من الأم إلى الطفل، تشير إلى أنه قد تم تعزيز قدرة الأنظمة الصحية.

وعلى الرغم من نظامها الصحي المثقل بالأعباء بسبب انتشار السل وفيروس نقص المناعة البشرية، يُعتبر برنامج جنوب أفريقيا لمضادات الفيروسات القهقرية الأكبر في العالم الآن، حيث تقوم الحكومة بمعالجة أكثر من 1.7 مليون مصاب بفيروس نقص المناعة البشرية. وفي خطاب الميزانية لهذا العام، أعلن وزير المالية، برافين غوردان عن خطط لمعالجة 500,000 شخص إضافيين كل عام.

وقالت هيلين شنايدر، من كلية الصحة العامة في جامعة وسترن كيب، أن "برنامج العلاج زاد عدد الموظفين ونسبة الموارد في قاعدة النظام الصحي، كما جلب مجموعة كبيرة من المساعدات التقنية من الخارج، وبعث بالأمل بطريقة غير مباشرة في صفوف مقدمي الرعاية الصحية".

كما خلقت برامج علاج فيروس نقص المناعة البشرية أفواجاً جديدة من العاملين في الرعاية الصحية، بما في ذلك المستشارون والمرضى الذين يلتزمون بتناول المضادات للفيروسات القهقرية بشكل جيد، والذين يساعدون من خلال المشورة حول الالتزام، سواء في العيادات أو عبر التواصل مع المجتمع المحلي. وقد تم توسيع نهج التواصل مع المجتمع المحلي ليصبح جزءاً من الرعاية المنزلية للمرضى الذين يعانون من السل الشديد المقاومة للأدوية. بالإضافة إلى ذلك، وبغية إيجاد حل لندرة الأطباء، أعطيت الشهادات للممرضات لتقديم العلاج للمصابين بفيروس نقص المناعة وتوسيع فرص الحصول عليه.

وقد أثر ذلك إيجاباً على صحة المجتمعات، فقد وجدت دراسة حديثة أجريت في مقاطعة كوازولو ناتال في جنوب أفريقيا – وهي واحدة من المناطق الأكثر تضرراً من وباء فيروس نقص المناعة البشرية - أن زيادة فرص الحصول على العلاج بمضادات الفيروسات القهقرية قد رفع متوسط ​​العمر المتوقع لدى الكبار بأكثر من 11 عاماً منذ عام 2004. ويقول مؤلفو الدراسة، التي صدرت في طبعة فبراير من مجلة ساينس العلمية أن "الزيادة الملحوظة في متوسط ​​العمر المتوقع كانت واحدة من أسرع الزيادات الحاصلة في تاريخ الصحة العامة".

لكن تبقى هناك تحديات كبيرة وخاصة بالنسبة للبلدان التي تعتمد كثيراً على التمويل الدولي والتي ما زالت لا تنفق ما يكفي من ميزانياتها المحلية على قطاع الصحة.

الاختبار الحقيقي

ومع تحول الإيدز إلى حالة مزمنة يمكن التحكم بها، تقوم الجهات المانحة بتحويل اهتمامها إلى تعزيز الأنظمة الصحية. وقد اعترف الصندوق العالمي لمكافحة الإيدز والسل والملاريا أن الأنظمة الصحية الضعيفة قد حدّت من إمكانيات أداء مشاريعه، بينما تسعى خطة الرئيس الأمريكي الطارئة للإغاثة من الإيدز إلى "تعميق دمج الخدمات الخاصة بفيروس نقص المناعة البشرية في البرامج والأنظمة الوطنية القائمة".

ولم يظهر بعد الاختبار الحقيقي لقياس قدرة الأنظمة الصحية على الصمود. واضافت غلاسمان في حديثها إلى شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "لن نعرف حقاً ما إذا كان تعزيز النظام الصحي سيستمر حتى تبدأ الجهات المانحة بالانسحاب".

وقد حصدت البلدان الذكية التي تلقت أموال المانحين المخصصة لأمراض محددة واستخدمتها لبناء أنظمتها الصحية نجاحاً كبيراً. فقد استخدمت رواندا، على سبيل المثال، أموال الصندوق العالمي لمكافحة الإيدز والسل والملاريا وأموال خطة الرئيس الأمريكي الطارئة للإغاثة من الإيدز لتمويل تأمين للفقراء ضد الأمراض بما في ذلك السل وفيروس نقص المناعة والملاريا.

وحذرت غلاسمان من أن "الحكومات التي أنفقت أموال الجهات المانحة على الإيدز فقط، ستواجه مشكلة رئيسية في بناء القدرة على الصمود، في وقت ما زالت فيه الترتيبات الانتقالية [لانسحاب الجهات المانحة] في ظل هذه الظروف غامضة".

kn/rz-bb/dvh