تقديم المساعدات الإنسانية بطريقة صحيحة

على الرغم من توفر معلومات الإنذار المبكر عن أزمة جفاف وشيكة في القرن الأفريقي في عام 2011، كان حشد الاستجابة الإنسانية بطيئاً، مما أدى إلى موت عشرات الآلاف من الأشخاص في المنطقة وانتشار المجاعة في أجزاء من الصومال.

لكن فريقاً بحثياً بقيادة خبير المعونة الغذائية دانيل ماكسويل، وهو أستاذ في مركز فاينشتين الدولي التابع لجامعة تافتس، أصدر الآن بحثاً بعنوان "تحليل الاستجابة واختيار الاستجابة في أزمات الأمن الغذائي: خارطة طريق" يصف العوامل الكامنة وراء الطريقة التي تستجيب بها المنظمات الإنسانية للأزمات الغذائية. ويسلط البحث، الذي صدر الأسبوع الماضي، الضوء على الحاجة إلى إجراء تحليل موثوق لتسترشد به قرارات وكالات المعونة وصناع القرار، ليس فقط للاستجابة لهذه الأزمات ولكن لمنع تكرارها كذلك.

مع ذلك، فإن الباحثين - ماكسويل وهيذر ستوبا وجون باركر من مركز فاينشتين الدولي وميغان ماغلينتشي من خدمات الإغاثة الكاثوليكية - يشيرون إلى أن "الأدلة الأساسية حول أفضل الأساليب الواجب اتباعها تحت مختلف الظروف لا تزال قليلة".

تحليل من أجل الوقاية

ولا ينبغي أن يكتفي تحليل الاستجابة بضمان تسليم المساعدات إلى المحتاجين في الوقت المناسب، بل يجب أن يلعب أيضاً دوراً في التصدي لانعدام الأمن الغذائي المزمن، حتى يساعد على إنهاء الحلقة المفرغة من الاعتماد على المعونة.

وأشار ماكسويل في تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) عبر البريد الإلكتروني أن "تحليل الاستجابة مناسب وضروري سواء كنت تتحدث عن حالة طوارئ حادة أو برمجة طويلة الأجل للقدرة على الصمود في مواجهة الأزمات. قد تكون مجموعة الخيارات مختلفة، لكن عمليات التحليل متشابهة".


وأوضحت لورا تايلور، رئيسة السياسات في منظمة تيرفند غير الحكومية، أن "التحليل الأكثر ذكاءً قبل حدوث حالات طوارئ، مثل الجفاف الدوري والأزمات الغذائية التي يمكن التنبؤ بها في كثير من الأحيان عن طريق علامات التحذير - لفترات تصل إلى تسعة أشهر قبل وقوع الأزمة - سوف يدعم الخطط بفهم جيد للمخاطر وأسباب الضعف الكامنة. وقد ثبت ذلك في حالات الجوع المزمن في مناطق مثل الساحل".

ويتفق غراهام فارمر، المنسق العالمي لمجموعة عمل الأمن الغذائي الجديدة - وهي آلية الأمم المتحدة لتنسيق الاستجابات الغذائية التي تقدمها الوكالات الإنسانية - مع هذا الرأي. وأخبر فارمر شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) عبر البريد الإلكتروني أن "تحليل الاستجابة عنصر أساسي من عناصر التأهب والتخطيط للطوارئ ... وهذا التأهب سيسمح لنا بالاستجابة بشكل أسرع وأكثر فعالية وبطريقة أكثر استهدافاً".

ويقترح واضعو الدراسة جمع أنواع مختلفة من المعلومات قبل الأزمة، مثل تحليل السوق. وتشمل هذه المعلومات ما يلي: عدد وأنواع تجار الغذاء في المنطقة، وأسعار السلع التاريخية، واتجاهات الإنتاج، والطلب على السلع الاستهلاكية، وفرص الوصول إلى الأسواق، وجودة الأغذية، والسياسات الحكومية، وضعف أو اختناقات سلاسل الإمدادات الغذائية. وينبغي أيضاً أن تكون الوكالات على دراية بآليات المواجهة التقليدية وأن يكون لديها معلومات مفصلة عن كيفية قيام الأسر بتدبر شؤونها.

ومن شأن جميع هذه المعلومات أن تساعد الوكالات على تحديد المجتمعات الواجب استهدافها وأفضل البرامج الإنسانية التي تضمن صمود الناس في مواجهة الصدمات.

انفصال

وعلى الرغم من بذل الكثير من الجهود في تحسين عمليات التقييم في الأونة الأخيرة، وجد الباحثون أنه في كثير من الأحيان، لا يزال هناك 'انفصال' بين المعلومات المقدمة وتلك اللازمة لتسترشد بها الاستجابات الإنسانية.

فعلى سبيل المثال، كثيراً ما توفر التقييمات لمحة عن الاحتياجات الحالية في أزمة الأمن الغذائي، لكن الاحتياجات الإنسانية تتغير تبعاً لتغير المواسم. ولذلك ينبغي، من الناحية المثالية، أن يشمل التقييم بعض التنبؤ بالظروف المتوقعة في المستقبل القريب بحيث يمكن تصميم برامج للتصدي لها.

كما وجدت الدراسة أنه كثيراً ما تفشل التحليلات في الأخذ في الاعتبار تفضيلات المستفيدين. وعندما تقوم بذلك، فإنها عادة ما تستخدم تفضيلات المستفيدين لتبرر طريقة استجابة وكالة معينة بدلاً من تأثيرها في عملية اتخاذ القرار.

بالإضافة إلى ذلك، لاحظ الباحثون أن المنظمات الإنسانية لا تبني استجاباتها على الأدلة والتحليل فقط، بل تؤخذ عوامل أخرى في الاعتبار، بما في ذلك قدرات الوكالات والتجارب الشخصية للموظفين والتمويل والقيود السياسية.

"ونتيجة لذلك، تعتمد المنظمات في الكثير من الأحيان على الافتراضات بدلاً من التحليل عند اختيار برامج الأمن الغذائي في حالات الطوارئ. وهذا يجعل الحاجة إلى المزيد من عمليات صنع القرار المستندة إلى الأدلة أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى،" كما أوضح الباحثون.

وفي معظم الحالات، تحدد قدرات الوكالات استجاباتها. فعلى سبيل المثال، سيؤدي التقييم التغذوي الذي تجريه وكالة ما إلى برامج التغذية، التي يمكن أن تؤدي إلى استجابات ضيقة الأفق لحالات الطوارئ المعقدة.

التنسيق مفتاح الحل

ويشدد التقرير على ضرورة أن تضع الوكالات في اعتبارها أثناء تحليل الاستجابة كيفية تأثير عملها على السياق الإنساني الأوسع، مع الأخذ في الاعتبار ما تفعله الوكالات الأخرى والحكومات والمجتمعات المحلية لمواجهة انعدام الأمن الغذائي.

فعلى سبيل المثال، قد تنفذ وكالة ما برنامج تحويلات نقدية على أساس تقييم يخلص إلى أن برنامجاً واحداً من هذا النوع لن يؤثر على الأسواق المحلية، لكن إذا نفذت عدة وكالات برامج مماثلة، يمكن أن تصبح الآثار التراكمية شديدة الضرر.

ويقول الباحثون أن بعض العمل التعاوني نتج عن الاستجابة لأزمة القرن الأفريقي في عامي 2011 و2012، "لكن في الممارسة العملية، تظل هذه النهج هي الاستثناء وليس القاعدة".

وتعتبر آلية التنسيق ضرورية لضمان دراية جميع الأطراف بما يتم تنفيذه، وتهدف مجموعة عمل الأمن الغذائي الجديدة إلى لعب هذا الدور.


الصورة: جاسبريت كيندرا/إيرين
لا تزال تفضيلات المستفيدين من المساعدات غير مأخوذة في الحسبان

وقال ماكسويل في تصريحه لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "معظم ما ندعو إليه هو أن هذا النوع من التحليل ينبغي أن يتم على مستوى المجموعات القطاعية بحيث تتبع الاستجابة استراتيجية شاملة".

ويساعد التعاون بين المؤسسات على الاستفادة من نقاط القوة في مختلف المنظمات، بحسب فارمر، الذي أضاف أن "نهج المجموعات القطاعية ... ينبغي أن يوفر بيئة آمنة - خالية من تدخل العوامل الخارجية، مثل جداول أعمال الوكالات - لتطوير تحليل وبرمجة يستندان إلى الأدلة".

وقال أيضاً أن "هذا بدوره يزيد من الكفاءة، من خلال جهود الشركاء الوطنيين لمجموعة العمل، ويحسن تسليم المساعدات إلى السكان المتضررين والمساءلة أمامهم".

دمج البرامج

وأكد ماكسويل أنه من الناحية المثالية، يجب أن تكون تدخلات وبرامج الغذاء والتغذية التي تستهدف سبل العيش متكاملة.

وقال فارمر أن مجتمع المعونة يتحرك في هذا الاتجاه. وأضاف: "على الصعيد العالمي، أنشأنا مجموعة عمل تربط بين مجموعتي الأمن الغذائي والتغذية، وتنظر في كيفية تجنب الازدواجية وزيادة التآزر. وعلى الصعيد القطري، هناك أمثلة واضحة على فوائد التعاون المشترك بين مجموعات العمل".

وأضاف فارمر أن حواراً يجري داخل اللجنة الدائمة المشتركة بين الوكالات "حول إعادة تشكيل وجهة نظرنا بشأن ... القضايا الشاملة مثل الجنس والعمر والبيئة وغيرها. وتأتي الدفعة المحتملة لهذا العمل من التركيز على استهداف أفضل مبني على أساس تقييم قوي".

وقالت تايلور من تيرفند أن أحد العناصر الأساسية هو "أن تكون الجهات المانحة أكثر مرونة فيما يتعلق بتمويل الميزانيات. لا ينبغي أن تكون البرامج نهائية. وهذا سيضمن أنه في حال تطور الأزمة مع مرور الوقت، يمكن للمنظمات غير الحكومية أن تكيف استجاباتها استناداً إلى أحدث تحليل من المنطقة المتضررة وتجنب البقاء حبيسة ميزانيات محددة سلفاً".

jk/rz-ais/dvh