تحليل: نحو الأمن والحكم الرشيد في ليبيا

تقع أنظارك في ليبيا على مشاهد تذكرك دائماً بالربيع العربي والنهاية العنيفة لحكم العقيد معمر القذافي الذي دام 42 عاماً، من الثقوب التي أحدثها الرصاص في مباني المطار، وملصقات صور شهداء الثورة، إلى آلاف الأعلام الوطنية على المباني.

كما تعكس الكتابة على الجدران فخراً وطنياً جديداً - على الأقل في بعض الأحياء - يتجلى في عبارات مثل "نحن فخورون بكوننا ليبيين". لكن الصراع خلق أيضاً آمالاً عريضة بأن تنجح عملية إعادة البناء والميلاد الجديد للبلاد في تحسين حياة الناس العاديين بسرعة كبيرة.

وقال عصام قربع، وهو مسؤول كبير في وزارة التخطيط، لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن "التوقعات مرتفعة للغاية. بعض الناس يقولون أن الحكومة لم تفعل شيئاً، لكن في الواقع، الحكومة فعلت الكثير في مجال الأمن، إلا أن البعض ليسوا على دراية بهذا الجهد". وأضاف أن "الناس لا يفكرون بطريقة عقلانية، فنحن بحاجة إلى وقت لتنظيم أنفسنا".

وعلى الرغم من كونها واحدة من أكثر ثورات الربيع العربي عنفاً، إلا أنه وبعد مرور سنتين على أول احتجاجات، لم تشهد ليبيا مظاهرات مثل التي تفجرت في الأسابيع الأخيرة في مصر وتونس المجاورتين. لكن هذا لا يعني أن السلام الحالي في مأمن في الوقت الذي لا تزال فيه القضايا الإنسانية مستمرة.

إذ ينتظر 60,000 نازح داخلي فرصة للعودة إلى ديارهم في نهاية المطاف، ولا يزال الآلاف محتجزين في سجون لا تخضع لسيطرة الحكومة، كما يفتقر الليبيون المقيمون في الصحاري الجنوبية في الكثير من الأحيان إلى العديد من الخدمات الأساسية.

وقد انتهت المرحلة الرئيسية من العمليات الإنسانية في نهاية عام 2011، وانسحبت وكالات مثل برنامج الأغذية العالمي والمنظمات المانحة كالذراع الإنساني التابع للمجموعة الأوروبية (إيكو) والمنظمات غير الحكومية الدولية مثل منظمة إنقاذ الطفولة.

وقد تركت هذه المنظمات بلداً لا يزال يواجه قضايا إنسانية يرتبط الكثير منها ببيئة ما بعد الصراع، لكنه في الوقت نفسه يملك القدرة على دعم نفسه.

وأكد جورج شاربنتييه، نائب الممثل الخاص للأمم المتحدة والمنسق المقيم في ليبيا، أن "الوضع الانساني لا يحتاج إلى الدعم الإنساني اللوجستي التلقليدي".

"مزيج سام"

ففي بيئة تتسم بالتوقعات المرتفعة، وحكومة تفتقر إلى الخبرة، وعشرات الآلاف من المقاتلين المسلحين في الشوارع، تركز الأمم المتحدة والجهات المانحة على دعم العملية الانتقالية لتجنب انهيار آخر في القانون والنظام.

وأشار قربع إلى أن "معظم الناس في ليبيا يملكون أسلحة نارية الآن وفي القريب العاجل سنواجه هذه التحديات. يريد معظم أفراد الشعب الليبي دولة هادئة ومنظمة تنظيماً جيداً. إنهم يريدون العودة إلى الاستقرار".

وتجدر الإشارة إلى أن استعادة معدلات إنتاج النفط إلى مستويات ما قبل الصراع، التي تبلغ نحو 1.5 مليون برميل يومياً، تعني وجود أموال كافية لسكان البلاد البالغ عددهم 6 ملايين نسمة، ولكن هذا يفرض أيضاً ضغوطاً على المسؤولين.

قال كاريل دي روي من منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن "الوقت المتاح أمامنا قليل جداً، وهذا المزيج السام من التوقعات المرتفعة جداً، والكثير من المال وعدم خبرة المؤسسات في تحقيق نتائج سريعة يعتبر خطيراً".

دور الهيئة الليبية للإغاثة والمساعدات الإنسانية

وقد ركز بناء القدرات في القطاع الإنساني على الهيئة الليبية للإغاثة والمساعدات الإنسانية (LibAid)، التي أنشئت في عام 2006 عندما كان القذافي لا يزال على رأس السلطة، والتي تدار كمنظمة إنسانية حكومية شبه مستقلة.

وبدعم من الأمم المتحدة، تدير الهيئة قاعدة البيانات الرئيسية للنازحين داخلياً وتنفذ عمليات توزيع المواد الغذائية على 10,000 أسرة نازحة.

وقال محمد السويعي، مستشار التعاون الدولي والتنسيق في الهيئة الليبية للإغاثة والمساعدات الإنسانية: "ليبيا بلد غني جداً لكننا بحاجة إلى بناء القدرات وإلى الخبرات والمشورة حول كيفية السير قدماً. في الواقع، لدينا ما يكفي من الموارد، لكننا بحاجة إلى دعم دولي في مجال بناء القدرات.. ويمكننا تبادل الخبرات".

ولا تزال المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون للاجئين تعمل على الأرض من خلال فريق صغير، على الرغم من عدم وجود اتفاق رسمي مع الحكومة.

وقد قامت المفوضية الشهر الماضي بتسليم الامدادات الخاصة بفصل الشتاء، مثل البطانيات ومستلزمات النظافة والأغطية البلاستيكية والأحذية، إلى مراكز الاحتجاز في صبراتة وصرمان، فضلاً عن مراكز أخرى في الجنوب.

ولا تزال المفوضية تراقب الأوضاع في مخيمات النازحين داخلياً، فعلى الرغم من مجهودات الهيئة الليبية للإغاثة والمساعدات الإنسانية، إلا أنها وجدت أن عليها المشاركة لفترة أطول مما كان مخططاً لها.

وقال رئيس البعثة ايمانويل جينياك: "اعتقدت أننا سنفك الارتباط في وقت أسرع بكثير. كنا نفكر في يونيو 2012 كموعد لإنهاء المساعدات يتلوه نوع من الإلغاء التدريجي ابتداءً من يوليو حتى ديسمبر ... لكننا الآن بصدد تعديل هذه الخطة".

وأضاف أن "المشاكل لم تحل وتستغرق المزيد من الوقت. كنا نظن أن ليبيا، كدولة منتجة للنفط وغنية بالطبع، ستكون قادرة على تولي المهام بسرعة كبيرة ولن تكون بحاجة إلى أي دعم. لماذا يحتاجون إلى دعم وهم يملكون كل هذه الأموال؟ لكنك تدرك أن هذا ليس صحيحاً على أرض الواقع".

نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج

يمكن أن يساعد المال بالتأكيد في تجنب الخطر الأكبر في دول ما بعد الصراع، وهو الانزلاق مرة أخرى إلى العنف، فالحكومة لديها القدرة على دفع أجور مجموعة متنوعة من المقاتلين الذين ساعدوا في الإطاحة بالقذافي.

لكن انعدام الأمن ما زال مصدر قلق في كثير من الأماكن، فقد عادت حواجز الطرق التابعة للميليشيات إلى الظهور في طرابلس هذا الشهر. كما يتم سماع صوت إطلاق النار بشكل منتظم، حتى ولو كان هذا يبدو في كثير من الحالات نوعاً من الاحتفال فقط.

والجدير بالذكر أن المؤتمر الدولي الذي عقد في باريس في وقت سابق من شهر فبراير بين مسؤولين من نحو 10 دول، من بينها فرنسا وألمانيا والولايات المتحدة وقطر وتركيا، فضلاً عن ممثلين من منظمات مثل الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة وجامعة الدول العربية والاتحاد الافريقي، والحكومة الليبية وضع الأمن والعدالة على رأس جدول الأعمال. وقال شاربنتييه "أنهما بالفعل المجالان الضروريان لإحداث هذا النوع من التحول من العقلية الثورية إلى عقلية بناء مؤسسات جديدة والمضي قدماً".

ولا تزال عملية إعادة التنظيم الواسعة النطاق للميليشيات مؤجلة، لكن الجهات المانحة تؤكد على أهمية إعادة الإدماج والتسريح.

وفي تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، قال بيتر ستانو، المتحدث باسم ستيفان فول، المفوض المكلف بالتوسيع وسياسة الجوار في المفوضية الأوروبية: "في كل حالة ما بعد الصراع، أعتقد أن المجتمع الدولي قد تعلم أهمية دمج المقاتلين السابقين لتجنب الأثر السلبي لوجود الميليشيات والقوات شبه العسكرية. إذا كنا نستطيع المساعدة في هذا الصدد، فسوف نبذل كل ما في وسعنا".

وستنفذ المفوضية الأوروبية برنامج مساعدات بقيمة 25 مليون يورو هذا العام لدعم التحول الديمقراطي وتحسين الأمن وسيادة القانون والتعليم والرعاية الصحية، بما في ذلك برنامج التدريب المهني الذي يهدف إلى الحد من البطالة بين الشباب والمساهمة في دمج المقاتلين السابقين.
من جانبها، تدير اللجنة الدولية للصليب الأحمر برامج تدريبية لضباط القوات المسلحة، بما في ذلك الثوار السابقون، حول أهمية القانون الدولي الإنساني.

وقد شهدت الـ12 شهراً الماضية عدة حوادث تعكس انعدام الأمن، مما أدى إلى زيادة مؤقتة في عدد النازحين، مثل تجدد القتال في أكتوبر حول بلدة بني وليد.

وتقول المنظمات الإنسانية أنه قد تقع حوادث مشابهة، لاسيما قبل تنفيذ أي برامج واسعة النطاق لنزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج (DDR) والمصالحة.

ويمكن أن تكون هذه المجالات حساسة بالنسبة للمنظمات الدولية، لكن تم تنفيذ بعض الأعمال ذات المستوى المنخفض لتحسين العلاقات المجتمعية.

وتقوم المفوضية، بالتعاون مع منظمة فيلق الرحمة أو "ميرسي كور"، بتنفيذ التدريب على التفاوض مع قادة مجتمع النازحين "لمنحهم في المقام الأول المهارات والأدوات اللازمة لتمكينهم من التحدث مع بعضهم البعض، وبالطبع شاركت معظم الأطراف بمثل هذه الفعاليات، وبالتالي كانت ورش العمل نفسها تمثل فرصة بالفعل ليروا بعضهم البعض في مكان محايد وفي جو من التعلم،" كما أوضح جينياك.

تحسين الحكم

وقال ستانو أن "المخاطر الرئيسية التي نواجهها هي الأمن والوضع العام في فترة ما بعد الصراع، بالإضافة إلى الإدارة الضعيفة - وهي إرث عصر القذافي - وعدم وجود ثقافة القطاع العام وإدارة الدولة لمصلحة مواطنيها".

والرسالة الأساسية التي يقدمها مجتمع المعونة هي أن التحدي الرئيسي لتحقيق سلام دائم هو حكومة فعالة ومجهزة وتملك الموارد اللازمة لتحسين أوضاع مواطنيها.

وأكد قربع من وزارة التخطيط أن "الثورة جلبت الكثير من التحديات. لا يملك أحد من كبار المسؤولين في الحكومة أي خبرة في حكم على هذا المستوى الرفيع، حتى لو كانوا مؤهلين تأهيلاً عالياً. في السابق كان القذافي والمقربون منه فقط يحكمون. يمكننا أن نرى الشيء نفسه في تونس ومصر – إذ لا توجد لدى الوزراء الجدد خبرة على هذا المستوى".

وقد أظهرت الحكومة انفتاحاً على الدعم الفني الخارجي، شريطة أن يكون توفير هذه الخبرة مناسباً للسياق الوطني.

قال دي روي من اليونيسف: "إذا جلبنا الخبراء المناسبين - رفيعو المستوى والذين يتحدثون العربية بطلاقة، يمكننا عندها إحداث تأثير مهم ... لقد تحول الوضع الآن بشكل واضح جداً وكبير من مجموعة من التدخلات الإنسانية إلى جدول أعمال إنمائي".

ويقول عمال الإغاثة أن بناء القدرات هو مفتاح بناء السلام المستدام. وأوضح دي روي أن "المجتمع الدولي الموجود في هذا البلد يتفهم ذلك جيداً، لكنني لست متأكداً من أن الجهات المانحة أو مجتمع المانحين في الخارج، أو حتى الوكالات الخاصة بنا، تفهم جيداً أن ما يحتاج إليه هذا البلد على المدى القصير والمتوسط هو المساعدات الفنية رفيعة المستوى للاستجابة للتحديات الخاصة به وتحقيق نتائج ملموسة بسرعة".

jj/cb-ais/dvh