تحليل: الطفلات الجنديات يواجهن معارك جديدة في الحياة المدنية

ينظر إلى الطفلات الجنديات في كثير من الأحيان على أنهن "رقيق للجنس" وهو المصطلح الذي يختصر الأدوار المعقدة التي تلعبها العديدات منهن داخل الجماعات المسلحة أو في بعض الجيوش الوطنية. ويساهم هذا التفكير في تواريهن عن الأنظار بعد عمليات التسريح. وفي الحقيقة، تمثل الفتيات في الكثير من الأحيان التحدي الأكبر في إعادة تأهيل الأطفال الجنود.

ويخفي التصنيف الواسع للفتيات الجنديات كضحايا للعنف الجنسي حقيقة أن لهن قيمة عسكرية كبيرة في الكثير من الأحيان. وعلى الرغم من الاعتقاد بأن الاعتداء الجنسي منتشر على نطاق واسع، إلا أن المواقف تجاه المرأة تختلف بشكل كبير داخل المليشيات. ففي كولومبيا تعامل الجماعات ذات الميول الماركسية، وهي القوات المسلحة الثورية لكولومبيا وجيش التحرير الوطني، الجنديات على قدم المساواة مع الجنود، بينما يُعرف عن الجماعات اليمينية شبه العسكرية أنها تتبنى الصور النمطية بين الجنسين.

وقد جادل البعض بأن برامج نزع السلاح، والتسريح وإعادة الاندماج غير مؤهلة لتلبية احتياجات الفتيات. فقد صممت هذه البرامج للمقاتلين الراشدين وعلى مدار السنين تم إدراج المحاربات الإناث ثم الجنود الفتيان ثم الفتيات.

وقال البيان الصادر عن البنك الدولي في يناير 2013 الذي حمل عنوان "الأطفال في حالات الطوارئ والأزمات" أنه قد "تم استخدام الفتيات من قبل القوات المسلحة في كولومبيا، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وتيمور الشرقية، وباكستان، وسيريلانكا، وأوغندا وغرب أفريقيا. ففي جمهورية الكونغو يوجد حوالي 12,500 مجندة لكن عادة ما تكون الفتيات أقل وضوحاً وحتى الآن نادراً ما تستفيد الفتيات من برامج التسريح وإعادة الاندماج المصممة للأطفال الجنود.

وقال البيان: "لا أحد يعرف ما حدث بعد عمليات نزع السلاح والتسريح وإعادة الاندماج بالنسبة للغالبية العظمى من الفتيات المرتبطات بالجماعات المسلحة".

ويعتقد أن حوالي 40 بالمائة من مئات الآلاف من الأطفال الجنود المنخرطين في نزاعات في أنحاء العالم، من الفتيات، لكن أعداد الفتيات المسجلات في برامج التسريح وإعادة الاندماج الخاصة بالأطفال الجنود انخفض إلى 5 بالمائة أو أقل.

وفي تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، قال ريتشارد كلارك، رئيس المنظمة الدولية للأطفال الجنود، أن الفتيات غالباً ما يخفين ارتباطهن بالجماعات المسلحة. وفي المجتمعات التقليدية قد يؤكد التسجيل في برامج التسريح وإعادة الاندماج الماضي الذي يعرض مستقبلهن للخطر، مضيفاً أنه "في سياق التمييز الراسخ بين الجنسين وفي المواقف التي تحدد فيها قيمة الفتاة من منظور طهرها وصلاحيتها للزواج، فإن وصمة العار المرتبطة بالمشاركة في الممارسات الجنسية سواء كان حقيقة أو ادعاء قد يؤدي إلى الإقصاء والفقر الحاد".

السعي للمساواة بين الجنسين

وهناك أيضاً واقع غير مريح وهو أن بعض النزاعات قد تسرع وتيرة التحرر والمساواة بين الجنسين. ويقوم تقرير أصدره توني بيلي من مركز دراسات السلام بجامعة ترومزو عام 2012 بدراسة تلك القضية. فأثناء الحرب الأهلية في نيبال عندما قام الماويون بتجنيد "عضو واحد من كل منزل"، قام بعض الآباء بعرض بناتهم لتجنيب "الأولاد الذين اعتبروهم تأمينهم على الحياة" الانضمام إلى الحرب. ومن بين 23,610 محارب تم إحصاؤهم عند انتهاء القتال كان هناك 5,033 محاربة من بينهن 988 من فتيات صغار في السن.

وقال التقرير أنه قد "نما لدى المحاربات إحساس بالفخر والكرامة نتيجة للتضحيات الفردية والشجاعة العسكرية والمفاخر في ساحة القتال وطموحهن في الترقية في الرتب العسكرية".

وفي تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، قال ديسموند مولي أحد المتحدثين في فريق البحوث الدولية لإعادة الاندماج في مركز دراسات السلام أنه في أعقاب وقف إطلاق النار في نيبال عام 2006، وأثناء تجميع المتمردين الماويين وعملية الاندماج اللاحقة تم وضع الفتيات والنساء "في المكانة المتدنية جداً للنساء في المجتمع النيبالي الإقطاعي".

وقال مولي أن "الزواج بين الطبقات والزواج بصفة عامة كان مشجعاً في المعسكرات. وهذا من المحرمات في المجتمع النيبالي وثبت أنه عقبة كبيرة أمام إعادة دمج الفتيات الصغيرات مرة أخرى في المجتمع، وخاصة عندما يكون لديهم أطفال كما هو الحال بالنسبة للكثيرات منهن. علاوة على ذلك، هناك تصور في المجتمع النيبالي عن وجود بيئة منحلة في المعسكرات. ولذلك ينظر إلى العديد من الفتيات الصغيرات بنوع من الريبة من قبل أسرهن أو الرفض من قبل عائلات أزواجهن الجدد أو النبذ من قبل المجتمع".

وقال عبد الحميد عمر، مدير البرامج في برنامج إعادة التأهيل بين الوكالات التابع لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن الزيجات بين الطبقات تعد إشكالية على نحو خاص، مضيفاً أن "الأطفال حرموا من شهادات الميلاد والنساء من شهادات الجنسية. وعندما يعلم المجتمع أن المرأة كانت جزءاً من جيش التحرير الشعبي فإنها تواجه وصمة العار أحياناً".

وقال أن مواقف المقاتلين الماويين "تتباين بشكل كبير" ولكن "العديد عبروا عن أراء لم تكن متوافقة مع معتقداتهم السابقة بالمساواة بين الجنسين أثناء النزاع. أما المحاربون السابقون الذين لعبوا أدوار النساء التقليدية أثناء النزاع- كأعمال الطهي ورعاية الأطفال- لم يعودوا يشعرون بأن تلك الأدوار ملائمة للرجال خارج جيش التحرير الشعبي".

خسارة السلطة

وتواجه العديد من الجنديات الكولومبيات اللائي حاربن على قدم المساواة مع نظرائهن الرجال المعايير المزدوجة للحياة المدنية.

وقال تقرير "التغلب على الطفولة المفقودة" وهو تقرير لهيئة كير الدولية حول إعادة تأهيل الأطفال الجنود الكولومبيين: "بالنسبة لبعض الفتيات، فإن الانتماء إلى الجماعات المسلحة غير القانونية يعطيهن إحساساً بالقوة والسيطرة التي قد لا يشعرن بها في الحياة في مجتمع متحفظ نسبياً ومتعصب".

''العديد من المحاربات الأريتيريات فضلن سنوات الحرب على الوقت الذي تلاها...فقد شعرن بالاحترام والمساواة والتمكين، لكنهن فقدن كل ذلك بعد الحرب عندما دفع بالنساء نحو الأدوار التقليدية للمرأة''

وفي عام 1991، ومع نهاية حرب التحرير الإرتيرية التي دامت 30 عاماً، شكلت النساء ما بين 25 و30 بالمائة من المحاربين. وقد ثبت أن مبادئ المساواة بين الجنسين التي تبنتها الجبهة الشعبية لتحرير أريتريا مثلت إغراءً جاذباً للجنديات بما في ذلك بعض المراهقات وصغار السن.

وقال تقرير عام 2008 الخاص بالمحاربات الصغيرات في الحروب والنزاعات الأفريقية وعواقبها أن "العديد من المحاربات الأريتيريات فضلن سنوات الحرب على الوقت الذي تلاها...فقد شعرن بالاحترام والمساواة والتمكين، لكنهن فقدن كل ذلك بعد الحرب عندما دفع بالنساء نحو الأدوار التقليدية للمرأة".

وقد منحت برامج التسريح وإعادة الاندماج في أريتريا في البداية فرصاً اقتصادية للنساء من خلال الأدوار التقليدية للمرأة- كنسج السلال والطباعة والتطريز- لكن ذلك لم يوفر سبل عيش مستدامة. وقد ثبت أن تدريب النساء على الأدوار التقليدية للرجال غير مجد لأن قواعد المجتمع تحدد في نهاية المطاف من سيحصل على وظائف معينة.

وقال التقرير أنه "علاوة على ذلك، واجهت المحاربات السابقات صعوبة في الزواج بعد الحرب لأن الرجال كانوا عادة يدعون أن هؤلاء النساء قد فقدن أنوثتهن أثناء الحرب. وقد قام العديد من المحاربين السابقين بتطليق زوجاتهن المحاربات لهذا السبب وتزوجن من نساء مدنيات".

ازدواجية

وتجعل براعة المجندات - حيث يخدمن كمحاربات وجاسوسات وخادمات وحارسات وزوجات في الأدغال- لهن قيمة عالية بين الجماعات المسلحة، وهو ما يمكن أيضاً أن يزيد من صعوبة إعادة دمجهن في الحياة المدنية.

''من الأسهل رؤية الأولاد الذين يحملون البنادق ومن الأسهل أن تخشاهم''

وقالت ليندا دالي، مديرة منظمة الأطفال/الشباب بناة السلام، لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أنه على الرغم من ذلك كانت العقوبات بحق الفتيات في شمال أوغندا مثل الضرب بالسوط أو العصا تنفذ لارتكابهن أصغر المخالفات.

وأضافت قائلة: "يوجد اتجاه قوي لفرض نوع من السلبية على الفتيات وفي نفس الوقت يراد منهن أن يكن محاربات. وهذه الازدواجية علاوة على تأثير العنف الجنسي يجعل إعادة تأهيلهن أكثر تعقيداً من وجهة نظري".

وقالت دالي أن طول فترة الأسر تختلف أيضاً بين الجنسين: فمتوسط فترة الاعتقال للفتيات في شمال أوغندا كانت من ست إلى سبع سنوات في حين واجه الأولاد نحو ثلاث سنوات من الاعتقال، مضيفة أنه "بسبب ذلك تكون آثار التجربة أكبر وكذلك الحاجة إلى المساعدة في إعادة الاندماج. فعلى سبيل المثال، كانت العديد من الفتيات العائدات غير متعلمات لأنهن تغيبن عن المدرسة لفترة طويلة".

وفي تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، قالت شيلي ويتمان، المدير التنفيذي لمبادة روميو داليري للأطفال الجنود أن بعض الفتيات ربما يعانين من متلازمة ستوكهولم حيث يتولد لدى الأسرى ارتباط عاطفي مع المعتدين عليهم.

وأضافت ويتمان أن "الفتيات اغتصبهن وبعد ذلك تم إعطاؤهن للقائد أو اختيارهن من قبله ليكن زوجات له. ولذلك فإن لديهن أحاسيس مشوشة بسبب تجاربهن وشعورهن بالذنب وتوقعات أسرهن ومعتقداتهن الدينية. علاوة على ذلك، فإن العديد منهن أنجبن أطفالاً من خاطفيهن. وغالباً ما يتم رفضهن عندما يعدن إلى بيوتهن وينظر إليهن كفتيات غير صالحات للزواج أو كبضائع تالفة. وبهذا النوع من العودة إلى الديار يتولد لديهن التباس بشأن هويتهن وقيمتهن".

الاحتجاب

ومن الممكن أيضاً أن تؤثر افتراضات وتوقعات الناس الذين يقومون بإدارة برامج نزع السلاح وإعادة الاندماج والتسريح في عملية إعادة اندماج الفتيات.

وغالباً ما يفترض أن الجنديات يكن "تابعات" بدلاً من فتيات تم تجنيدهن واستخدامهن بصورة غير رسمية لأغراض عسكرية....وهذه الافتراضات نجم عنها "احتجاب" عشرات الآلاف من الفتيات تماماً عن المشاركة في برامج التسريح وإعادة الاندماج على الرغم من أن الوضع قد تحسن نوعاً ما في السنوات الأخيرة،" طبقاً لما ذكره كلارك، من المنظمة الدولية للأطفال الجنود.

وفي تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، قال فيليب لانكستر، الرئيس السابق لبرنامج التسريح وإعادة الاندماج لبعثة منظمة الأمم المتحدة في جمهورية الكونغو الديمقراطية أنه "من الأسهل رؤية الأولاد الذين يحملون البنادق ومن الأسهل أن تخشاهم"، مضيفاً أنه من المحتمل أن تتجاهل برامج التسريح وإعادة الاندماج "الفتيات على افتراض أنهن لا يمثلن نفس التهديد".

وقال أيضاً: "من خبرتي الخاصة أرى أن الفتيات غالباً ما يكن محجوبات عن برامج التسريح وإعادة الاندماج التي تعرض تصنيفات ضيقة حول مفهوم القتال. من الصعب تجنب الوقوع في تلك التصنيفات بمجرد أن يبدأ المرء بتحديد معايير التأهل لبرامج التسريح وإعادة الاندماج. تميل معظم القرارات لأن تكون تعسفية نوعاً ما بسبب تعقيد الموضوع".

وأضاف لانكستر أن "معظم الجماعات المسلحة الكونغولية...تعتمد على الموارد المحلية...وتعريف الجندية الطفلة في هذا السياق يمكن من الناحية النظرية أن يتجاوز الفتيات الصغيرات في المجتمع اللائي يدعمن ويزودن ويقدمن المعلومات أو يقاتلن بطريقة مباشرة مع جماعة مسلحة معينة".

go/rz-hk/dvh