تحليل: الحكومة الأفغانية تعد بإعادة النظر في شؤون النازحين

يتمثل التحدي الرئيسي بالنسبة للحكومة الأفغانية والمنظمات الإنسانية في كيفية مساعدة العدد الضخم للنازحين داخلياً في البلاد على إعادة الاندماج في مجتمعاتهم المحلية، أو - إذا لم يكن ذلك ممكناً - الاستقرار حيث يتواجدون حالياً.

ويصل عدد النازحين داخلياً في أفغانستان جراء النزاع إلى أكثر من 460,000 شخص، كما فر آلاف آخرون من منازلهم بسبب الكوارث الطبيعية.

ويشير تقرير حديث صادر عن المجلس النرويجي للاجئين إلى أن ثلاثة أرباع النازحين داخلياً يريدون الاستقرار حيث هم الآن.

وفي سياق اتساع الصراع خلال الأشهر الـ 12 الماضية بين المقاتلين المناهضين للحكومة، مثل حركة طالبان، والقوات الحكومية المدعومة من قوات المساعدة الدولية لإرساء الأمن في أفغانستان (إيساف)، يمثل النزوح مشكلة تزداد تدهوراً. وعلى الرغم من أن الصراع قد دام حوالى أربعة عقود، تشير خطة العمل الإنسانية المشتركة لعام 2013 إلى أن ثلث النازحين قد سُجلوا حديثاً – أي أنهم نزحوا في الأشهر الـ 12 الماضية.

من جهتها، قالت نسيم مجيدي، من شركة صموئيل هول للاستشارات، التي كتبت التقرير الصادر عن المجلس النرويجي للاجئين، أن "المشكلة في هذه المرحلة تكمن في أن الحكومة تتحدث عن العودة بينما يتحدث النازحون عن التوطين، لذلك ثمة فجوة بين التوقعات".

وفي حديث لها إلى شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، قالت أن "بعض الافتراضات التي ما تزال شائعة هي أن النزوح يعتبر حالة مؤقتة ... لكننا وجدنا في الواقع أن الضعف لا يقل مع بقاء الناس لعدة سنوات، بل يصبح الناس أحياناً أكثر ضعفاً".

في الوقت نفسه، يتوقع العديد من المحللين أن يؤدي انسحاب القوات الدولية خلال العامين المقبلين إلى زيادة الصراع، الأمر الذي قد يسبب المزيد من النزوح ويعرقل العودة السريعة للنازحين داخلياً إلى منازلهم.

وتابعت مجيدي قائلةً أنه قد حان الوقت الآن لوضع السياسات التي تقوم بتسهيل عملية الاندماج: "نحن نحاول تغيير الخطاب بشأن النزوح الداخلي لأن الأرقام سوف ترتفع في السنوات المقبلة."

العودة، إعادة التوطين أو الاندماج؟

ويُنظر عادة إلى خيارات النازحين على أنها ثلاثة: العودة وإعادة التوطين أو الاندماج. ويتطلّب الخيار الأخير قبول فكرة أن وضعهم لم يعد مؤقتاً ويحوّل المساعدات الإنسانية القصيرة الأجل إلى جهود طويلة الأجل بغية توفير الخدمات الأساسية والفرص الاقتصادية والسكن.

وفي حديث إلى شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، قال بو شاك، ممثل المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في أفغانستان: "عندما يتعلق الأمر بحل طويل الأجل، نحن نتحدث عن أشخاص في بلدهم وهم سيختارون المكان الذي يريدون العيش فيه".

ويواجه أولئك الذين يرغبون في التوطين عدداً من التحديات بما في ذلك حقوق محدودة فيما يتعلق بالأراضي، وعدم امتلاك وثائق قانونية ومواجهة ظروف معيشية سيئة تجعلهم من أكثر الفئات ضعفاً في البلاد.

ويعيش العديد من النازحين في خيام أو في مساكن بسيطة مصنوعة من الطين. وتجدر الإشارة هنا إلى أن ثلث الأطفال من الأسر النازحة لا يلتحقون بالمدارس، في الوقت الذي ترتفع فيه نسبة البطالة في صفوف ذويهم.

وقال مصطفى، أحد النازحين داخلياً في جلال أباد لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "نحن نعيش ظروفاً سيئة هنا. فقد توفى عشرة أطفال من أمراض في الجهاز التنفسي خلال الشتاء الماضي في الجوار. وها قد حل فصل الشتاء مجدداً ويعاني معظم أطفالنا من الأمراض".

ولا ينوي مصطفى العودة إلى مسقط رأسه، أي إلى منطقة موسى قلعة في إقليم هلمند. فقد هرب قبل عامين بسبب القتال بين القوات الدولية وحركة طالبان.
 

وفي الأيام التي يعثر فيها مصطفى على عمل، تحصل الأسرة على الطعام، لكنهم لا يناولون شيئاً في الأيام التي لا يجد بها أي عمل. كما يقول مصطفى أنه لم يتلق أي دعم من الحكومة أو وكالات الإغاثة الدولية. وكانت عائلته المؤلفة من 10 أشخاص قد أمضت العام الماضي في محطة للحافلات في كابول، ولكن عندما بدأت أعمال إعادة الإعمار هناك، أجبروا على الانتقال واستوطنوا أخيراً في جلال أباد في إقليم ننجرهار، الذي يضم 68,432 من النازحين المسجلين، ليحتل المرتبة الثانية بعد إقليم هيرات.

معارضة

لكن الاندماج لا يخلو من المعارضة، ففي حديث إلى شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، قال عبد الصمد هامي، نائب الوزير الأفغاني لشؤون اللاجئين والعائدين: "لقد تحدثنا مع رؤساء البلديات ولا أحد يريد دمج النازحين داخلياً. فهم يعتقدون أنهم سينهبون المجتمع أو الأرض، لذا يجب أن يرحلوا".

وفي الماضي، كانت الحكومة مترددة بشأن السماح بتحسين البنية التحتية في المناطق الحضرية الفقيرة، حيث يعيش عدد كبير من النازحين، خوفاً من أن يشجع هذا على التوطين الدائم في المناطق حيث كانوا يعيشون بشكل غير قانوني في كثير من الأحيان.

وقالت مجيدي: "لا تزال الكثير من النقاشات مستمرة، بالإضافة إلى الافتراضات والعقليات والقوالب النمطية التي يصعب تغييرها".

وتخشى البلديات من أن التحركات التي يقوم بها الإقليم لتحسين اندماج النازحين داخلياً قد تجذب الكثير من النازحين والمهاجرين من المناطق الريفية.

من جهته، قال هامي: "هذا سيكون من أصعب أجزاء السياسة وهو حقاً المأزق الذي ستؤدي إليه أي خطط هادفة إلى تحقيق استجابة أفضل لاحتياجات النازحين داخلياً".

وكانت الهجرة الحضرية قد شهدت على توسع مدن مثل كابول بشكل سريع، من حوالى 1.5 مليون نسمة في عام 2001 إلى نحو خمسة ملايين اليوم، ما يزيد من الأعباء على كاهل السلطات المحلية.

وقال شاك أن "حكومة أفغانستان، كالعديد من الحكومات الأخرى في البلدان النامية، وبسبب حجم المشكلة، تتردد في تحديد خطط التنمية الحضرية [التي ستنتهجها] ...فالتجربة والحل يشكلان تحدياً كبيراً. هذه قضايا إنمائية رئيسية وينبغي على المجتمع الدولي أيضاً أن يوليها الأولوية لدعم التحسينات الملحة".

استراتيجية وطنية جديدة للنازحين داخلياً

وعلى الرغم من أن النازحين يقومون بنوع من الاندماج الفعلي، لم تضع الحكومة الأفغانية خدمات محددة لتسهيل هذه العملية، كما أنها لم تخصص أية إنفاقات هذا العام أو العام الماضي من أجل النازحين داخلياً. مع ذلك، وبدعم من المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وغيرها من المنظمات، وضعت وزارة شؤون اللاجئين والعائدين استراتيجية وطنية بشأن النازحين، وتعد بإيجاد نهج أكثر تنظيماً لهذا الموضوع خلال هذا العام.

وقد كُتبت المسودة الأولى للاستراتيجية وتم إرسالها إلى الوزارات ذات الصلة للتشاور، على الرغم من أن الموعد النهائي الذي كان من المفترض في يناير قد مر دون تقديم أي ملاحظات. ويبدو المسؤولون في وزارة شؤون اللاجئين والعائدين قلقين بشأن غياب الحماس في الإدارات الأخرى.

وتهدف الاستراتيجية إلى معالجة الارتباك حول كيفية تواصل أجزاء الحكومة المختلفة حول شؤون النازحين داخلياً. وتضم هذه الأجزاء وزارة شؤون اللاجئين والعائدين والسلطة الوطنية الأفغانية لإدارة الكوارث وحكومات الأقاليم.

وقال هامي من وزارة شؤون اللاجئين والعائدين: "هناك ثغرات كبيرة في التنسيق من الجانب الحكومي. فقد ارتفع عدد النازحين على مر السنين وازدادت الاحتياجات، ولم تتمكن الحكومة ولا المجتمع الدولي الإنساني من تلبية الاحتياجات".

وتزيد مسودة سياسة التعامل مع النازحين من الضغوط على البلديات لبذل المزيد من الجهود بغية دعم الاندماج.

وأضافت مجيدي: "ستؤكد السياسة الوطنية رسمياً وجود مجموعة من النازحين المحتاجين، وستحدد كيفية تقاسم المسؤوليات. إنها خطوة مهمة نحو الأمام لأنها تجعل الحكومة مسؤولة عن هذه المسألة".

وستضع هذه الوثيقة الخطوط العريضة لمسؤوليات المجتمع الإنساني أيضاً. وقال شاك من مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن "السياسة الوطنية ستساعد على إنشاء إطار يفهمه الجميع – فالمزيد من الوضوح هو بالتأكيد أمر جيد".

ويذكر التقرير الصادر عن المجلس النرويجي للاجئين أن التنسيق يمكن أن يكون بمثابة مشكلة، حتى بين المنظمات الإنسانية. وينتقد التقرير عدم قيام الوكالات بتقاسم المعلومات، ما يجعل من الصعب تحديد الأشخاص النازحين داخلياً ومساعدتهم ومتابعتهم: "ففور انتهاء المرحلة الأولى من المساعدات الطارئة، يصبح التنسيق بين الوكالات غير واضح وتصبح متابعة التحويلات والدعم ضعيفة جداً".

بينما تتحمل المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين مسؤولية النازجين داخلياً جراء الصراع، يقع النازحون بسبب الكوارث الطبيعية على عاتق المنظمة الدولية للهجرة.

عجز في المساعدات

وبغض النظر عن الاستراتيجيات، سيستمر النازحون داخلياً في الوقت الحاضر بالاعتماد على المساعدات.

لكن مشاريع المنظمات الإنسانية حصلت خلال عملية النداءات الموحدة لعام 2012 على 45 بالمائة فقط من المبلغ المطلوب وهو 448 مليون دولار. ومن حيث النسبة المئوية تعتبر هذه الأزمة الإنسانية الرابعة من حيث قلة التمويل.

واعتبرت الوكالات أن هذا العجز قد قوّض خطط دعم النازحين، على الرغم من كونها واحدة من أولويات نداء عام 2012.

ووفقاً لخطة العمل الإنسانية المشتركة لعام 2013، تلقى حوالى 244,000 من النازحين واللاجئين العائدين مجموعات من المواد غير الغذائية خلال عام 2012؛ وقد قامت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بتأمين البطانيات والمواقد والحطب، بالإضافة إلى تشغيل مشاريع صغيرة في مناطق النازحين، مثل الوقاية من الفيضانات وبناء الطرق الثانوية.

ويمكن خفض مستوى ضعف النازحين بشكل ملحوظ من خلال برنامج مساعدات مموَّل بشكل جيد، بالإضافة إلى إصلاحات وسياسات مناسبة تسمح للنازحين بالحصول على درجة من الاستقرار والأمن وفرص العمل. وبذلك، يمكن البعث برسالة إيجابية إلى الأفغان خارج البلاد، والذين يبلغ عددهم 2,7 مليون نسمة - وهو أكبر عدد للاجئين في العالم. وغالباً ما يجد العائدون أنفسهم غير قادرين على العودة إلى مناطقهم الأصلية لأسباب أمنية فيواجهون خطر العيش في ظروف مختلفة قليلاً عن أحوال النازحين داخلياً.

ss/jj/cb-bb/dvh