هل يسبب الشجر المزيد من المطر؟

يسود اعتقاد بأن تدمير الأشجار في منطقة ما يؤثر على مناخها. لكن الدليل العلمي الذي يدعم أن إزالة الغابات والتشجير يؤثر على المناخ المحلي، وبالتالي على درجة الحرارة وسقوط الأمطار، قد بدأ للتو في الظهور.

فقد توصلت دراسة جديدة أجراها بوربلا جالوس من معهد ماكس بلانك للأرصاد الجوية إلى أن زراعة في بعض المناطق في أوروبا التي لم يكن فيها أشجار سابقاً يمكن أن يحد من تأثير تغير المناخ عن طريق تبريد المناطق ذات المناخ المعتدل. وباستخدام النماذج المناخية الإقليمية التي يتم إعدادها عن طريق الحاسب الآلي، أظهرت الدراسة أن التشجير في الجزء الشمالي من وسط أوروبا وأوكرانيا يمكن أن يقلل درجات الحرارة بمقدار 0.3-0.5 درجة مئوية ويزيد من هطول الأمطار بنسبة 10 إلى 15 بالمائة أثناء فصول الصيف بحلول عام 2071 - 2090.

وعلى الرغم من أن الدراسة كانت محددة في المناطق المعتدلة، إلا أن جولاس قال لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أنه يمكن استخدام الغابات بشكل فعال في بعض المناطق للتخفيف من حدة تغير المناخ. وقد نالت تلك الدراسات المزيد من الأهمية في ظل سعي بعض الدول المتضررة من الجفاف مثل النيجر لإطلاق حملة تشجير ضخمة من شأنها أن تجدد نحو خمسة ملايين هكتار من الأراضي الجافة المتدهورة. بالإضافة إلى ذلك، قامت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) مؤخراً بنشر دليل السياسات لتبين أن الجمع بين زراعة الأشجار مع المحاصيل أو الإنتاج الحيواني لا يمكنه منع تغير المناخ فحسب بل سيخلق أيضاً مصادر للدخل.

وقد تحدث العالم الكبير جوردن بونان من المركز القومي لبحوث الغلاف الجوي في الولايات المتحدة– وهو مرجع رائد في مجال تأثير الغابات على تغير المناخ ومساهم في تقييمات الفريق الحكومي الدولي المعني بتغير المناخ- إلى شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) حول موقف البحث في هذا المجال.

سؤال: ما هو التاريخ العلمي للربط بين المناخ والغابات؟ هناك دراسات تبين أن الحفاظ على الغطاء الحرجي أمر حتمي للحد من انبعاثات الكربون، لكن لم يتم دراسة تأثير التشجير أو إعادة التحريج على المناخ باستفاضة أو على المستوى الإقليمي، أليس كذلك؟

جواب:
الاهتمام العلمي بهذه المشكلة يعود إلى عدة قرون سابقة مع الاستيطان الأوروبي لأمريكا الشمالية والهند واستراليا وما تلاه من إزالة الغابات على نطاق واسع أثناء تطهير الأراضي. وقد كان هناك رأي شائع بأن إزالة الغابات تتسبب في تغير المناخ– خاصة فيما يتعلق بدرجات الحرارة وسقوط الأمطار- لكن الأدوات العلمية لدراسة ذلك لم تكن متوفرة قبل الثلاثين عاماً الماضية والتي شهدنا خلالها توفر نماذج المناخ العالمية والإقليمية ونظم المراقبة بواسطة الأقمار الصناعية.

وقد كان المثال الأبرز هو دراسات إزالة الغابات الاستوائية في الأمازون. فقد أظهرت معظم نماذج المحاكاة المناخية أن التحويل الواسع النطاق للغابات الاستوائية المطيرة إلى مراعي يخلق مناخاً أكثر دفئاً وجفافاً. ونتيجة هذا النموذج مقبولة عموماً، لكن هناك افتقار للدليل الرصدي لأن نماذج المحاكاة قطعت جميع الغابات المطيرة في الوقت الذي يعتمد فيه السجل الرصدي على مستويات أقل من إزالة الغابات. ولذلك لا يمكن للمرء أن يقارن الملاحظات مع النماذج. تظهر نماذج المحاكاة التي تبين إزالة أقل للغابات تأثيراً أقل أيضاً على المناخ.

وقد قامت دراسة رصد مثيرة للاهتمام (سبراكلين وآخرون 2012) بتحليل بيانات الاستشعار عن بعد للأقمار الصناعية الخاصة بهطول الأمطار الاستوائية والغطاء النباتي. وقد وجدت أنه لأكثر من 60 بالمائة من الأراضي الاستوائية أنتج الهواء الذي مر فوق غطاء نباتي كثيف في الأيام القليلة السابقة ضعف الأمطار تقريباً التي انتجها الهواء الذي مر فوق غطاء نباتي أقل كثافة.

كما خضعت منطقة أخرى للبحث المكثف وهي منطقة الساحل في أفريقيا الشمالية، حيث أظهرت معظم دراسات النمذجة مناخاً أكثر دفئاً وجفافاً بسبب فقدان الغطاء النباتي. وكانت منطقة أفريقيا الشمالية أكثر رطوبة ومدعومة بغطاء نباتي خصب قبل 6,000 عام. وقد توصلت الدراسة إلى أن الغطاء النباتي الأكثر انتاجية في ذلك الوقت أدى إلى تعزيز هطول الأمطار.

ويركز البحث الجديد على خطوط العرض المعتدلة في شمال أمريكا وأوروبا لمعرفة كيف غيرت عملية إزالة الغابات التاريخية المناخ وكيف يمكن للتشجير أو إعادة التحريج أن يؤثر على المناخ.

لا يزال هذا العمل غير مؤكد إذ أن تظهر دراسات النمذجة برودة بسبب إزالة الغابات أو ارتفاعاً في درجة الحرارة بسبب إزالة الغابات أيضاً. تعتمد الاستجابة على محاكاة التغيير في سطح الوضاءة (جزء من الطاقة الشمسية المنعكسة مرة أخرى من الأرض): هل تعكس الغابات إشعاعاً شمسياً أقل من الأراضي الزراعية أو الأراضي العشبية؟ لو كان الأمر كذلك فإن زيادة امتصاص الإشعاع الشمسي عن طريق الغابات يسخن سطح الأرض. (وتعتمد الاستجابة أيضاً على) الدورة الهيدرولوجية: هل تبخر الغابات مياه أكثر من الأراضي الزراعية أو الأراضي العشبية؟ وإذا كان الأمر كذلك فإن التبخر الأكبر عن طريق الغابات يبرد سطح الأرض.

سؤال: عند دراسة التشجير للتخفيف من تغير المناخ ما الذي ينبغي أن يأخذه المرء في الاعتبار، فترة نمو الأشجار أم الارتفاع أم المساحة المغطاة؟ أي نوع من الاختلاف سوف تحدثه في درجات الحرارة؟

جواب: تعتبر إزالة الغابات والتشجير وإعادة التحريج والممارسات الأخرى لاستخدام الأراضي ذات نطاق إقليمي. ويكون تأثير تلك الممارسات على درجة الحرارة وهطول الأمطار ملحوظاً في المناخ الإقليمي. ويعد ارتفاع درجة الحرارة الناتج عن الغازات الدفيئة ظاهرة عالمية حيث يتم ملاحظتها بصورة جيدة في سجل درجات الحرارة العالمية وفي سجلات درجات الحرارة الإقليمية كذلك. وعندما تتم مقارنة محاكاة الآثار الإقليمية لاستخدام الأراضي على المناخ مع محاكاة أثر الغازات الدفيئة الإقليمية نجد أن مؤشر استخدام الأراضي له مقدار مماثل.

هناك الكثير من عدم اليقين العلمي حول كيفية تأثير التشجير على المناخ- وهو مرتبط مرة أخرى بالتبخر والوضاءة. تختلف الأنواع المختلفة من الأشجار أو النباتات الأخرى بالفعل في معدلات النمو والارتفاع وخلافه، وكل ذلك يؤثر على الوضاءة والتبخر.

والسؤال الكبير المطروح للبحث هو الأثر الصافي للتشجير على المناخ. تخزن النظم البيئية للغابات الكربون (مما يخفض احترار الغازات الدفيئة)، ولكن هل ستقوم بتدفئة أو تبريد المناخ بسبب التغيرات في الوضاءة والتبخر؟ وكيف يمكن مقارنة ذلك بتغير المناخ جراء تخزين الكربون؟ هذه كلها مجالات مهمة جداً للبحث.

jk/rz-hk/dvh
"