تحليل: لماذا يعتبر التسجيل المدني مهماً في آسيا؟

أهم الأحداث:

• لا يتم تسجيل ثلثي الأطفال في جنوب آسيا عند الولادة
• الأطفال غير المسجلين عرضة للاستغلال
• تسخير التكنولوجيا لمحاربة زواج الأطفال في بنجلاديش

يقول الخبراء أن هناك حاجة إلى نظم أقوى للتسجيل المدني في آسيا التي تضم 60 بالمائة من سكان العالم لضمان الحقوق القانونية والإنسانية للجميع وتسهيل التخطيط الصحي.

وفي تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، قالت هايشان فو، مديرة قسم الإحصاء في اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لآسيا والمحيط الهادئ في بانكوك أن "التسجيل المدني هو أهم المتطلبات الأساسية للأفراد لإثبات الهوية القانونية وإضفاء الطابع الرسمي على العلاقات الأسرية، وهو بذلك مسؤولية أساسية للدولة"، مضيفة أنه "بدون الهوية القانونية يمكن أن يحرم الأفراد من الحق في الحصول على الخدمات العامة الأساسية مثل الصحة والتعليم والرعاية الاجتماعية واللجوء إلى العدالة".

وطبقاً لما ذكرته منظمة الصحة العالمية، يعيش 25 بالمائة فقط من سكان العالم البالغ عددهم سبعة مليارات في دول لديها نظم تسجيل تقوم بتسجيل المواليد والوفيات بكفاءة، في حين تملك 85 دولة فقط بيانات أقل جودة وتفتقر 74 دولة إلى أي بيانات عن أسباب الموت.

وقد كشفت إحصاءات منظمة الصحة العالمية في عام 2012 أنه في أكبر دولتين في العالم من حيث تعداد السكان (وهما الصين والهند- موطن أكثر من 2.5 مليار شخص) لا يوجد نظام تسجيل مدني فعال، في حين يتم تقديم إحصاءات الوفيات عن طريق استخدام طرق تسجيل العينة.

وقد أشارت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) إلى أن 51 مليون طفل لا يتم تسجيلهم كل عام على مستوى العالم، في حين لا يتم تسجيل اثنين من كل ثلاثة أطفال عند الميلاد في جنوب آسيا وبذلك لا يملكون سجل رسمي لأسمائهم وعائلاتهم ومكان ومحل الميلاد.

وأشارت اليونيسف إلى أن حوالي 60 بالمائة من الأطفال الإندونيسيين تحت سن الخامسة ليس لديهم شهادات ميلاد كما أن نصفهم غير مسجلين في أي مكان، كما أن ما يقدر بحوالي 70 بالمائة من الأطفال دون سن الخامسة في تيمور الشرقية المجاورة دون شهادات ميلاد، وهي واحدة من أقل مستويات تسجيل المواليد لأي دولة في المنطقة.

ويحذر الخبراء من أن غياب هذا التوثيق يترك الأطفال ضعفاء.

وقالت أمالي ماكوي، أخصائية حماية الأطفال في اليونيسف أن "الأطفال يحتاجون أيضاً إلى اعتراف بوجودهم أمام القانون وهو ما يساعد على حمايتهم من التغييرات غير المشروعة في هويتهم- مثل أسمائهم ومن هم آباؤهم. لا يستحق أي طفل حرمانه من التسجيل، ولا يمكن لأمة أن تتحمل أن لا يكون لديها نظم موثوق فيه لتسجيل أفرادها".

وطبقاً لما ذكرته فو، مديرة قسم الإحصاء في اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لآسيا والمحيط الهادئ فإن شهادات الميلاد هي شكل هام للحماية الاجتماعية للضعفاء والمجموعات المهمشة مثل الفقراء ويمكنها أن تكون أداة فعالة لمنع الاتجار بالبشر وزواج الأطفال.

وأشارت فو أيضاً إلى أن "التسجيل المدني هو في قلب التنمية الشاملة لأنه يقدم الهوية القانونية التي تمكن الحماية والاختيار وإبداء الرأي".

وطبقاً لتقرير عام 2011 الذي نشرته شبكة القياسات الصحية لمنظمة الصحة العالمية، وهي شبكة مقرها جنيف تقوم بتقييم نظم المعلومات الصحية حول العالم، فإن الأسس الرئيسية لنظام المعلومات الصحية الجيد- ويشمل نظم تسجيل الأحوال المدنية- لا تزال غير كافية في الكثير من البلدان.

وقد خلص التقرير إلى أن نظام التسجيل ضروري للدولة لأنه يخلق أدوات قانونية لإنشاء وحماية الحقوق المدنية للأفراد ويخلق مصدراً للبيانات المهمة لتجميع الإحصائيات المدنية.

لكن دون بيانات التسجيل المدنية فإن الأشخاص غير المسجلين في المنطقة وخاصة السكان الضعفاء مثل النساء والأطفال يكونون محجوبين قانونياً عن واضعي السياسات وبذلك يتعرضون للاستغلال وسوء المعاملة والاتجار بالبشر.

التخطيط الصحي

وتعد البيانات الخاصة بالخصوبة وأسباب الوفيات المستمدة من نظام تسجيل فعال أساسية في بناء السياسات الوطنية والعالمية للتنمية الصحية.

وقال ألن لوبيز، أستاذ الصحة العالمية ورئيس كلية صحة الإنسان في جامعة كوينز لاند، أنه "إذا لم يتم تسجيل الأطفال عند ولادتهم، فإنهم لا يدرجون في الخطط الحكومية، ولا يكونون مؤهلين للحصول على التطعيم أو الذهاب إلى المدرسة. ولا يحصل البالغون على الرعاية الصحية الملائمة ولا يحصلون على الخدمات أو الحقوق القانونية. فالناس يعانون ولا يتم حمايتهم ويظلون محجوبين".

ولدى الأطفال والبالغين غير المسجلين من مجموعات الأقليات العرقية مثل الروهينجا في ميانمار الذين يعتبرون بحكم القانون عديمي الجنسية بموجب القانون البورمي بكل تأكيد فرص محدودة للحصول على الغذاء والرعاية الصحية، مما يجعلهم عرضة لسوء التغذية ولأمراض يمكن الوقاية منها. كما أن العديد منهم ممنوعون من الذهاب إلى المدرسة ويتم استخدامهم فيأغراض العمالة القسرية.

وفي الوقت نفسه، فإن عدم وجود تسجيلات للوفاة- وخاصة الوفيات الناجمة عن أسباب محددة مثل الأمومة أو فيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز أو وفيات الملاريا في الدول المنخفضة والمتوسطة الدخل- يعقد من قدرة العاملين الصحيين على تقدير عبء المرض والذي يعد ضرورياً للعلاج والوقاية الفعالة.

وقالت فو مديرة قسم الإحصاء في اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لآسيا والمحيط الهادئ أن "جميع الدول لديها شكل من أشكال نظم التسجيل المدني لكن على مستويات مختلفة من الجودة والتغطية"، مضيفة أن أفضل الطرق لتحسين التسجيل المدني والأكثر استدامة هو البناء على النظم القائمة بالفعل وتحديد كيفية اكمال التسجيل المدني للأنشطة الأخرى للإدارة الحكومية.

وقالت فو أنه "لا يمكن الاستهانة بقيمة التعاون الإقليمي وتبادل المعلومات فيما يخص دعم تنفيذ التسجيل المدني. ويمكن للدول التعلم من نظم بعضها البعض وخاصة كيفية تغلبها على التحديات المماثلة".

وتعد الحواجز أمام تسجيل الأفراد للمواليد والوفيات والزيجات وحالات التبني كبيرة جداً وهذه الحواجز قد تشمل الجغرافيا والفروق الثقافية وأطر العمل القانونية غير الملائمة وتكلفة التسجيل للفرد.

وبالنسبة لماكوي، أخصائية حماية الأطفال في اليونيسف، فإن التكاليف المرتبطة بتسجيل المواليد والبيروقراطية وقوانين التمييز ضد فئات معينة من السكان مثل اللاجئين والمهاجرين والأقليات العرقية وعديمي الجنسية هي الأسباب الرئيسية التي تجعل نظم التسجيل المدني تميل إلى خذلان الناس الضعفاء.

وقد أشارت أيضاً إلى "وجود النظم في معظم الدول- على الرغم من أنها غالباً ما تفشل في الوصول إلى الأسر والأطفال المهمشين. وهذه النظم تعمل على أفضل وجه حينما يكون الآباء قادرين على تسجيل أطفالهم بسهولة وسرعة في وقت قريب نسبياً بعد الولادة بتكاليف ضئيلة أو معدمة بالنسبة لهم".

الحكومات مسؤولة

ويتفق الخبراء على أن نظم تسجيل الأحوال المدنية هي مسؤولية الحكومة، وهو ما يتطلب التزام طويل الأجل على أعلى مستويات الحكومة وكذلك قيادة قوية وإرادة سياسية.

وقالت فو أنه "نظراً لأن التسجيل المدني هو مسؤولية العديد من الهيئات المختلفة، فإن الالتزام طويل الأجل هو شرط مسبق للتحسن". وأضافت أن "الشرط المسبق الآخر هو إشراك الحكومة المحلية- عندما يستوجب الأمر ذلك- في عملية التحسين لأنهم في الخطوط الأمامية لعملية التسجيل المدني".

ويمكن أن يكون بناء الوعي العام بقيمة التسجيل المدني أو خلق حوافز مثل التحويلات النقدية المشروطة المرتبطة بتسجيل المواليد في الأسرة مهماً في تحسين معدلات التسجيل.

ففي منطقة كارنالي النائية في نيبال مثلاً، يُطلب من الأمهات تسجيل أطفالهن حديثي الولادة كشرط للحصول على المنحة النقدية لشراء الطعام المغذي للأطفال. ولا توجد أولوية لتسجيل المواليد في نيبال على الرغم من أهميته للأطفال من أجل الحصول على الدعم الحكومي من رعاية صحية وتعليم.

التكنولوجيا

ويمكن للتكنولوجيا أن تلعب دوراً مهماً في التغلب على حواجز التسجيل التي يواجها الناس في المناطق النائية أو الريفية.

وقامت الحكومة في بنجلاديش بدعم من اليونيسف بإطلاق حملة لتسجيل بيانات المواليد عبر الانترنت في محاولة لمكافحة المستويات المرتفعة لزواج الأطفال وخاصة في المناطق الريفية.

وقد تزوجت ثلث النساء تقريباً في بنجلاديش في المرحلة العمرية 20-24 عاماً في سن الخامسة عشر، ويمكن لشهادات الميلاد أن تكون أداة لمنع مثل تلك الزيجات.

ويتفق الخبراء والأكاديميون على أن للمجتمع الدولي دوراً مهماً في تحسين عملية التسجيل عن طريق تقديم المساعدات التقنية والتمويل وتسهيل تبادل أفضل الممارسات.

وأشار لوبيز الأستاذ في جامعة كوينز لاند إلى أن دور المجتمع الدولي حيوي في دفع الحكومات إلى تقديم الإحصاءات الموثوق فيها- وخاصة من خلال الضغط للوصول إلى الأهداف الإنمائية للألفية. لكنه أضاف أن "السياسات الاجتماعية والصحية تتطلب قبل كل شيء قيادة حكومية قوية".

التحرك لتحسين الإحصاءات

وفي لحظة فاصلة لآسيا ومنطقة المحيط الهادئ في ديسمبر 2012، اجتمع مسؤولون حكوميون كبار وإحصائيون بارزون من 46 دولة في بانكوك واتفقوا على خطوات طموحة لتحسين البيئة والإحصاءات الاجتماعية وهو ما يعد أمراً مهماً في سياق جدول أعمال التنمية ما بعد عام 2015. وقد شمل ذلك الموافقة على استراتيجية لتحسين نظم التسجيل المدني واحصاءات الأحوال المدنية في المنطقة، مشيراً إلى أن اختلال تلك النظم يعوق النمو المستدام والشامل.

وقالت فو أن "هناك قضية عمل قوية لتحسين التسجيل المدني. ومع إدراك فوائد تطوير التسجيل المدني ستكون الحكومات قادرة على إعطاء الأولية لتلك القضية".

fm/ds/cb-hk/dvh